مقدمة

الحمد لله الذي جعل القرآن شفاء لما في الصدور، ودالاً على الخير وهاديًا إلى سبيل العلم والنور. وسبحان الواحد الأحد، الفرد الصمد، خلق الكون من عدم فكانت السماء دخانًا ثم قضى أمره فسخر الشمس والقمر دائبين ورفع السماء بلا عمد ففتق السماوات عن الأرض وأنزل من السماء ماء مباركًا شق الثرى الهامد عن الحبة فانفلقت الحبة وأُخرج منها نبات أعطى للأرض حياتها. ثم بث فيها سبحانه من كل دابة ما شاء وخلق الإنسان من طين فجعل له السمع والبصر والفؤاد وعرض عليه الأمانة ليحملها إلى يوم المعاد.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد منقذ الإنسانية من الجهالة والضلال، وداعيها إلى الرقي في أسباب العلم والحكمة والكمال، وعلى آله وصحبه الغر الكرام.
أما بعد..
فلا شك أن الوسيلة الكبرى لضمان موقعنا كأمة وسط في ظل ما يعرفه العالم من تقلبات، وفي أفق ما تلوح به التحديات التي أصبح العقل في هذا الزمان عنوانها الرئيسي، هي الحوار العلمي الرزين والتفاهم المعرفي الحكيم بين مختلف العقائد والتوجهات. فسلاح الأمة في هذا العصر، هو العلم الذي كان وما زال ويبقى اليوم أكثر من أي وقت مضى من أوجب واجبات المسلمين لجعل العالم أكثر أمنًا واستقرارًا. وهذا ما وجدتُه يتجلى في فكر الأستاذ فتح الله كولن الذي أصبح يشكل مصدر إلهام لكثير من المتطلعين إلى بناء ذلك المجتمع المثالي، الذي فيه يكمل الإنسان بكمال فكره، وفيه يستقيم باستقامة علمه. ذلك أن الأستاذ استطاع بنبرة فكره المستوحاة من الكتاب والسنة، أن يضع لبنات التأسيس لمدرسة تندمج فيها المنظومة العلمية مع القيم الأخلاقية، لتهيئ البيئة الصالحة لتبلور رؤية الإسلام الوسطية المنخرطة بشكل حيوي مع الحداثة العالمية. تلك الرؤية التي من خلال الفهم المتبادل والاحترام المتواصل يستطيع الفرد المسلم -بالحجة والإقناع- جعل الآخرين يقبلون بأفكاره ويتفاعلون مع أساليبه.
فعلى نهج هذا التوجه السليم، وسيرًا على الخطى الثابتة لأستاذنا الجليل فتح الله كولن، جاء إنجازي لهذا البحث بقصد جمع أبناء جيلنا والأجيال اللاحقة على مائدة القرآن، التي من خلال اهتمامي البالغ بعطاءاتها واعتقادي القوي بقيمتها العلمية وبأثرها على استنهاض همة التفكر والبحث، أراها ضرورية لبناء حوار علمي جدي وتفاهم معرفي مقاصدي.
فلما كان النظر في يقينيات الكون يشكل حلقة وصل بين فكر الإنسان وذكره تكتنز مواضيعه من الأسرار ما إن مفاتيحه لتستنهض في الإنسان همة البحث والتفكر، وكان البحث في هذه اليقينيات بعقلنته لمفاهيم الذكر وبترشيده لمواضيع الفكر يوسع الفهم الصحيح لكتاب الله ويسلك بالباحث طريق التحقيق في علومه واستقراءاته، جاء هذا الكتاب حاملاً في مواضيعه رسالة يهدف من خلالها إلى جمع العاملين من مختلف التخصصات على مائدة القرآن الكريم، التي فيها يلتقي عالَم الفكر مع عالَم الذكر، في نقطة تجعل عالِم الطبيعة يتعامل مع مكوناتها برؤية رشيدة، وعالِم الدين يتعامل مع نصوصه بقراءة علمية متجددة.
فالقرآن الكريم بنظرته الشمولية للكون جاء بمظاهر شتى من الإعجاز، لتكون أدلة في الدعوة إلى الله -عز وجل- وحتى يتبين للعالَم أن هذا الكتاب الذي أُنزل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يمكن أن يكون له مصدر إلا من الله. فكان من جملة ما حمل القوة على استنهاض العقل للدفع بالإنسان من خلال منهاجه النوراني الحكيم إلى بناء فكر علمي قويم.
فلئن كان الفكر قديمًا تبنّى الطرح الخرافي المبني على السرد الأسطوري في استقرائه للوقائع والأحداث، فإن القرآن بنورانيته المعجزة جاء ليخرج الناس من ظلام الوهم إلى نور الفهم. ثم إذا كان المنهاج العلمي -المعتمَد حديثًا في العلوم التجريبية- يقوم على أسس الملاحظة والفرضية والتجربة لبناء الحقيقة العلمية، فإن المنهاج القرآني قد استوعب بإعجازه كل هذه الخطوات، بل وهيمن عليها بالتوثيق الزماني والمكاني لموضوع البحث حتى يرقى بنتائجه من نسبية الحقائق إلى إطلاق الحق.
فكان منهاج القرآن للبحث في خبايا الكون منهاجًا فريدًا شكلت مقوماته المحفّز الأمثل لانبعاث روح الاجتهاد والتجديد، والوازع الأصلح لخلق روح الإبداع الرشيد. لأن الفهم الصحيح المتجدد لمعاني الإشارات الكونية التي جاء بها القرآن، لا يتأتى إلا بالإدراك السليم لمغزى دلالاتها العلمية. كما أن الإبداع الرشيد في الميادين التنموية والحضارية، لا يتحقق إلا بتوجيه العلوم على درب الاستقامة العلمية المشمولة بالضوابط الأخلاقية.
ومن هنا جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب تتوخى إضافة إسهامات جديدة إلى مسار البحث العلمي، سيرًا على خطى أستاذنا الجليل فتح الله كولن باستنهاض همة التفكر بهدف العشق العلمي النوراني المؤسس للبناء الحضاري المتوازن مع النظام الكوني. والهدف، إبراز الطابع الذي يجب أن تكون عليه البحوث في مختلف القضايا العلمية، بغاية إحياء الحس الديني في مقاصد العلوم الكونية من جهة، وإحياء الحس العقلي في مجالات العلوم الدينية من جهة أخرى، على اعتبار أن إقامة العلوم على منهاج الدين السليم بحسن توظيف مكوناتها، من أسس عمارة الأرض. كما أن سلامة الفهم لمعنى هذه العمارة باستثمار نصوص الوحي وحسن التعامل مع مقاصدها، من أسس بناء الدين السليم. فكان التركيز في موضوعه على الربط بين العلم والإيمان.
وهذا ما أجده تجلى في مختلف أفكار المرشد الملهم فتح الله كولن، الذي ما فتئ جاهدًا في إعادة تقويم الإنسان على درب الكمال الذي من أجله خلق. ذلك الكمال الذي يقول فيه ربنا -عز وجل-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(التين:4)، والذي نجد الأستاذ يقول في معرض تشخيصه له: "الإنسان المثالي، متواصل الغوص والتقليب في أعماق الحوادث والأشياء بحثًا عن الحق والحقيقة. قد فرّغ كل وقته ووظّف كل طاقته لتحقيق سعادة الأمة. مولِيًا عناية خاصة بالمواقع التي يراها أشد حيوية وأكثر جدوى للأجيال القادمة، موقفًا نفسه عليها قائلاً: لتحيَ الأجيال القادمة" .
إلا أنني أوضح أن الكتاب لا يرمي إلى تفسير الآيات القرآنية ولا الأحاديث النبوية بالنظريات ولا حتى بالحقائق العلمية، لأن العلم البشري مهما تقدم فهو لا يعادل ولو نقطة واحدة في بحر علم الله -عز وجل- الذي لا حدود له. ولكن أؤكد -بناء على نتائجه ومن منطلق تخصصي في علوم الأرض- أن ما أشار إليه القرآن الكريم أو جاءت به الأحاديث النبوية من حقائق كونية، ها هي دلالاته تتجلى يومًا بعد يوم للباحثين في آفاق إنجازاتهم العلمية، وتظهر في كل مرة جلية في تقاريرهم. كما أن ما وصل إليه العلم من يقينيات في شتى الميادين، لا تجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ما يناقضه أو يعارضه، بل تجد في مطابقة الحقائق العلمية لما جاء به إخبار الوحي ما يزيدك يقينًا بأن الكون هو كتاب ناطق بآيات المكوّن، وأن القرآن والسنة هما الشاهدان على ذلك بإعجازهما الذي لا يحد بزمان ولا بمكان.

 

د. عبد الإله بن مصباح

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.