لا شكوى... بل صبر وتحمل

عندما كان الظلام لا يزال سائداً، كنت أنت من أسمعَ صوت الحق ورسالته.. الأرض والسماء تعرفان هذا حتى وإن أنكره المنكرون وجحده الجاحدون.. ولكن إياك والشكوى وأنت تنظر إلى هؤلاء الجاحدين.. لأن الحق تعالى يعرف الخدمة التي تقدمها، لذا فلا يهم إن عرف الناس ذلك أو لم يعرفوا.

لقد قمت بما أملته عليك فطرتك السليمة وسجيتك... وأصبح ما حواليك حديقة زهور وزنابق... إذن فلم الشكوى من وجود ثلاث أو أربع أشواك بجانب كل هذه الورود والزهور؟ ولاسيما إن كان وجود هذه الأشواك نتيجة نقص عند التنشئة والإعداد.

أليس من قصر النظر ومن الخطأ لقلب متعلق بالحق وعاشق له انتظار مكافأة الخدمات الأخروية في الدنيا؟ أليست الدنيا وبكل ما فيها فانية؟ أليست الآخرة بكل جمالها وروعتها التي ينذهل أمامها العقل باقية وخالدة؟ إذن تعال ودع عنك طلب المكافأة لخدماتك وجهودك من أجل الحق... فما وراء هذا العالم وما وراء الوراء يعادل ألف دنيا.

عليك ألاّ تعتمد على إطراء الناس ومحبتهم لك، حتى وإن كانوا محقين، ولا تحسب ذلك علامة من علامات العظمة. وإياك إياك النظر إلى الآخرين وكأنهم أقل منك، فهذا قصر نظر شنيع. ذلك لأن القيمة والكرامة لدى الحق تعالى هي حسب درجة صفاء الروح وسمو القلب، وما أفحش خطأ من يجعل مقاييس الجسم معياراً للتقييم.

مع أن احترام الكبار صحيح من ناحية المبدأ، ولكن عليك ألاّ تطلب ذلك.. وفي مقابل عدم وجود أي سوء أو ضرر عندما يأتي هذا الاحترام لك من الآخرين دون طلب أو انتظار. ولكن إن أردته ورغبت فيه وطلبته أصبح هذا المطلوب محبوباً لا يمكن الوصول إليه، ويغرق الطالب له والمتلهف عليه في لجة من البؤس والألم.

إياك أن تعتمد على ظن الشعب أنك شخص عظيم أو كبير. فهذا التوجه وحسن الظن بك قد يكون انعكاساً لحسن الظن بك في عالم الغيب ولا ضرر منه، ولكنه لا يعد أمراً مرغوباً فيه، أو شيئاً تحرص عليه، فهو إن أسعد الإنسان لحظة أبكاه ساعات. لذا فلا تدع المديح يأسر قلبك... فهذه أمور عارضة تقبل ثم تزول.

هل فكرت أنه كلما توسعت دعوتك امتحنت لا بأعدائك فقط بل حتى بالمحيطين بك من الأصدقاء؟ تأمل وفكر... وكن منصفاً وذا مروءة لأصدقائك الذين يستعملهم الحق تعالى كعناصر امتحان لك.

عندما تقوم بواجبك في أداء الخدمات لأمتك إيّاك أن تذكر أي معروف أسديته لأي شخص يعمل تحت إمرتك... لا تفعل ذلك وإلاّ أزعجت جميع من حواليك، ولا تنس أن ما فعلته وأديته ليس سوى وظيفة على عاتقك ولست سوى موظف في هذا الأمر.

إن لم تزدد إخلاصاً كلما قرأت كتاباً، أو حللت وقدمت أفكاراً جديدة، أو جاهدت في سبيل الله تعالى، وإن لم تَفْنَ في بوتقة الإخلاص بحيث يستوي لديك ما تتعرض له من نقمة أو نعمة... إن لم تكن كذلك فاعلم أنك تضطرب بين براثن ومخالب نفسك الأمارة... اعلم هذا وارتجف خوفاً وخشية.

إياك إياك أن تحدثني عن عظم الخدمات التي قدمتها والتضحيات التي أبديتها. ولكن قل لي أتستطيع إحالة جميع خدماتك إلى جهود أصدقائك وتعرف أنها فضل من أفضال الله تعالى ولطف منه؟ وهل تستطيع أن تكون عند بذل الجهود في الصف الأول وعند قطف النتائج في الصف الأخير؟ حدثني عن هذا... حدثني عن هذا لكي تتفتح الأزهار في قلبي.

لا تحرك نوازع نفسك وغرورها بحجة علمك أو عزة نفسك أو كرامتها، وإلاّ أفرحت أعداءك وأحزنت أصدقاءك. فإن كانت لك مزايا فدعها تُخرج سنابلها في العالم الآخر، ولتكن بطولات حياتك أناشيد أبدية تنشدها الملائكة.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.