تكامل الطبيعة الإنسانية والإسلام

تكامل الطبيعة الإنسانية والإسلام

سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يجعلَ الإسلامَ جزءًا لا يتجزّأُ عن طبيعته؟ وما هي وسائل تحقيق ذلك؟

الجواب: إنَّ الإحساس والشعورَ بالمعلومات الإسلامية النظرية على نحوٍ يتناسب مع ماهيتها الحقيقية الكامنة في وجدان الإنسان، وصيرورةَ هذه المعلومات عمقًا من أعماق الطبيعة الإنسانية مع مرور الزمن ليرتبطُ في المقام الأول بالإقرار بأنّ تطبيق هذه المعلوماتِ شرطٌ أساسيٌّ لا غِنى عنه، ولقد لفَتَ بعضُ الفلاسفة الانتباهَ إلى هذه المسألة باستخدامهم مفاهيم كــ”العقل العملي” وما شابه ذلك، بينما ركّز الصوفيّة على هذا الأمر بطرق وأنظمة مختلفة عنهم مثل “السَّير والسلوك الروحاني”.

وعلى حين أنَّ فيلسوفًا كــ”برجسون (Bergson)” -مثلًا- يقول بإمكانية العثور على الحقيقة عبر الأحاسيس والبصيرة الوجدانية فحسب؛ يؤكد “كانط (Kant)” على أنّ معرفة الله تعالى لا يمكن أن تتم إلّا بواسطة “العقل العملي”، ونظرًا لأنّ هذين الفيلسوفين تربّيا في أحضان الثقافة الغربية، فإنّ وصولهما إلى الحقيقة من عدمه، وإمكانيّة وصولنا إلى الحقيقة على منوالهم سيبقى مثارَ جدَلٍ ونقاش؛ إلّا أننا لسنا بصددِ تحرير ذلك؛ فهذه مسألة أخرى.

إنكم إن أبقيتم الأدلّة التي تسوقونها حول معرفة الله تعالى مجرّدَ معلوماتٍ نظرية، ولم تدعموها بالعمل؛ فإنّ هذا قد لا يكفي لحماية الإيمان والإسلام وأسسهما الخاصّة. أجل، إنّ الريحَ المعاكسة قد تعصف بكلِّ أنواع المعلومات والأدلة النظرية وتنسفها نسفًا، ومن ثمَّ فإنه يلزَمُ تطبيق المعلومات النظرية وتفعيلُها على أساس قاعدة العمل.

سبيل النجاة: الإيمان والعمل الصالح

الحقيقة أنّ القرآن الكريم يربط خلاصَ الإنسان من الخُسران، ونجاتَه من التردّي في أسفل سافلين بالإيمانِ والعملِ الصالح، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (سُورَةُ التِّينِ: 4/95-6).

واستخدام صيغة الفعل عند الحديث عن الإيمان والعمل في الآية، والتعبير بالجملة الفعلية لا الاسمية يُشير إلى أهمّيّة الاستمرارية فيهما كي تتحقّق النجاة، ومِن هنا فإنَّه ينبغي للإنسان أنْ يُقويَ إيمانه على الدوام مقتديًا بالصحابة الكرام؛ إذ كان أحدُهم يقول لصاحبه: “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”[1]، وأن يسعى دائمًا لتجديده وتنميته، وربّما تكونون قد حللتم مسبقًا كلَّ المشكلات الخاصة بالكفر والإلحاد، وتغلَّبتم وحكمتم عليها بالإعدام، إلّا أنّه حريٌّ بكم ألّا تتوقّفوا أبدًا، ولا تكتفوا بما وصلتم إليه؛ حتى لا تفقدوا هذه المكتسبات الإيمانية، وعليكم أنْ تبحثوا يوميًّا عن مزيدٍ من السُبلِ لتجديدِ إيمانكم ونموّه.

وقد رَكّزَ القرآنُ إِثرَ حديثه عن الإيمانِ على العملِ الصالحِ السليم الدائم الذي لا يشوبه رياء ولا سمعة ولا يتخلّله نقصٌ ولا قصور؛ إذ إنّ نطاق العمل الصالح واسعٌ جدًّا، فجميع الأعمال التي يجب القيام بها بدءًا من الإيمان بالله وعبادتِه وطاعتِه، ومرورًا برعاية حقوق الوالدين، ووصولًا إلى حماية حقوق المسلمين… كلّ ذلك يَدخُل في إطار مفهوم “الصالحات”، واستخدامُ صيغة الفعل دون غيرها من الصِّيَغِ عند الحديث عن العمل الصالح يعني ضرورةَ ألّا يكتفي الإنسان بفعل البِرِّ والخيرِ مرّة واحدةً فحسب، بل عليه أن يُسلِم قِيادَه إلى شلال العمل الصالح ويواصلَ حياته على هذا المنوال دائمًا.

ويمكنكم رؤية نفس المضمون في سورة العصر أيضًا؛ إذ يُذكَرُ فيها أنّ الإنسان في خُسرٍ، ثم تُعلَّقُ النجاةُ والخلاصُ من هذا الخسران على الإيمانِ والعملِ الصالح معًا؛ حيث توجد في ماهية الإنسان مجموعةٌ من القوى والمشاعر والأحاسيس مثل: “القوة الشهوية” و”القوة الغضبية” و”القوة العقلية” قد تؤدي إلى ارتكابه أمورًا سلبية، كما أنها قد تَسُوقُه إلى الخُسران وتُغرقه في مستنقعه في أيّ وقتٍ وآن، وقد قدَّمَ الحقّ تعالى في تلكما السورتين الوصفةَ العلاجيةَ الناجعةَ التي يُمكِنُها أن تكون ترياقًا يحمي الإنسانَ في مواجهة هذه المخاطر القاتلة، وفي صَدَدِ الحديثِ عن هذه الحقيقة قال الإمام الشافعي: “لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سُورَةُ العَصْر كاملة)”[2].

العجز والفقر، الشوق والشكر

لقد أوصى الصوفيّة كذلك بــ”السير والسلوك الروحاني” من أجل تَشَكُّلِ شخصيّة الفرد المسلم واكتسابِ الإنسان فطرةً جديدةً، غير أنّ لهذا سُبلًا ومناهج مختلفة خاصّة به؛ فقد وضع أولئك العظماءُ في حسبانهم العواملَ الضاغطة على المسلمين في الفترة التي عاشوا هم فيها، وأسّسوا أنظمةً قادرةً على التصدّي لتلك الظروف، والصمودِ في مواجهتها؛ وبينما ربطَ بعضُهم نظامَه بــ”مراتب النفس السبع”، أسَّسَ البعضُ الآخرُ نظامَه بناءً على “اللطائف العشرة”.

أما الأستاذُ بديع الزمان فقد ربط النظامَ الذي وضعه بأربعة أسس هي: العجز المطلق والفقر المطلق والشوق المطلق والشكر المطلق، وتحدث عن أساسين آخرين قَد يُتمّمان هذه الأسسَ الأربعةَ، ألَا وهما: الشفقة والتفكر[3]، وهذا النظامُ بمثابةِ دربٍ يجبُ  على مَن يبغي الإنسانيّةَ الحقيقيّةَ والكمالَ أن يسلكه، غير أنّ إقرارَ إنسانٍ بهذه الأسس وقبولَه بها واستيعابَه إيّاها يتطلبُ جهدًا وسعيًا حقيقيًّا.

الأساسُ الأوّلُ: هو العجزُ المطلق، ويُقْصَدُ به أنْ يَعيَ الإنسانُ ويُدركَ أنّه يستحيل عليه القيامُ بكلِّ عملٍ يرغب فيه؛ فالحوادث تقع وفقًا لتقدير الحقّ تعالى، ولا نستطيع التدخّل فيها، وحتى وإن لم نُنكر وظيفةَ الإرادة في هذا الموضوع فمن المؤكّد أنّ الله تعالى هو خالق النتائج كما أنّه الخالق لكلِّ شيءٍ، وإذا كان الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يعتبر نفسه قطرةً في بحرٍ أمام كُلٍّ من الإرادة والقدرة الإلهيّتين الأبديّتين، ويرضى بوضعِهِ ومقامِهِ ويُسلِّمَ زمامَ أمره للخالقِ سبحانه وتعالى.

أما الفقر المطلق فهو: أن يُدرك الإنسان ويعِيَ تمامًا حقيقةَ أنّ الله تعالى هو الصاحب والمالك الحقيقي لكلِّ الموجودات والأشياء، وما نملِكه ممّا استُخْلِفنا عليه إنما هو منه ولَه، فهو الذي استخلَفَنا في الأرض، ومنَّ علينا بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وجعلنا مسلمين، وعرّفنا بسلطان الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وفتح لنا آفاقًا ساميةً عالية على الرغم من عدمِ أهليّتنا لها، وربَطَنا بغاياتٍ ساميةٍ وحثّنا على استهدافِها وتحقيقها، فإن جحدنا النعمةَ وأعرضنا عن الحديث عمّا أنزله الله تعالى علينا من نعمٍ وانتقَلْنا إلى الحديث عمَّا هو مِن عند أنفسنا فلن يبقى في أيدينا بل ولن نجِدَ في جُعبتِنا شيئًا أبدًا! فماذا نكون نحن ما دام جسدُنا وعقلنا وحِسّنا وفكرنا وكلّ أعضائِنا وأملاكِنا مِنْ عنده تعالى؟ إننا إذًا -وكما قال فضيلة الأستاذ بديع الزمان- ظِلُّ ظِلِّ ظِلِّ نورِ وجودِهِ سبحانه وتعالى، بل إنّنا أمامه جلَّ وعلا لا نُعتبر ولو حتى مجردَ قطرة في بحرٍ[4].

التفكّر والشفقة

بالرغم من أنّ هذه الأسس المذكورة مهمّة جدًّا إلّا أنّها لا يمكن أنْ تتوحّد مع طبيعة الإنسان تمامًا بمجرّد قراءتها والتفكيرِ السطحيّ بها، إذ إنّ تحوُّلَها إلى بُعدٍ من أبعادِ الطبيعة الإنسانية مرتبطٌ بحالةٍ من التأمُّل والتدبُّر والتذكُّر الحقيقيّ الجاد، فعلينا أن نُمعِنَ في التفكير والتأمّل في الإنسان والقرآن والكون، ونفعلَ كلَّ ما بوسعنا حتى نجعل حديثنا وكلامنا وسيلةً وسبيلًا لشرح هذه الحقائق، وأن نُديم التفكير فيما نملكه، وكم لدينا من رأسمال، وما مدى وجود قُوّتِنا؛ فالحقيقة أنَّ بلوغ الإنسان آفاق مرتبتي الشوقِ والشكرِ مرتبطٌ ومرهونٌ بتوفُّرِ نظامٍ فكريّ فعّالٍ يَنْشَطُ على هذا النحو.

أما الشفقة التي هي مِنْ أسس منهجنا فتعني الرحمةَ بالإنسانية والسعيَ الجادَّ والتفانيَ والتضحيةَ لإنقاذ الآخرين، بل إنّه يجب على الإنسان ألّا يَقْصُر مشاعرَ الشفقة التي يمتلكها على الإنسانية فحسب وإنَّما عليه أن ينشرها وينثرها على الوجود بأسره، ويستثمرَ كلَّ فرصة تَعِنُّ له في عَرضِ هذا الشعور عرضًا عميقًا ودقيقًا، بل إنّه ينبغي له أن يتحلّى بأسمى معاني الشفقة وأَرْحَبها حتى إنه ليبكي إذا رأى نحلةً تُعالِجُ الموت.

ولا ريب أنّ اكتساب مثل هذا النوع من حِسّ الشفقة مرتبطٌ بامتلاك إيمانٍ قويٍ بالآخرة إلى جانب التفكُّر والتدبُّر، وأحسَبُ أنّ ذلك الهيجان والخلجان لدى الأنبياء العظام إنما كان ينبع خوفًا من سوء العاقبة، وشوقًا إلى حسن الخاتمة، لأنهم يؤمنون أن أولئك المتحررين الذين أطلقوا لأنفسهم الأعنّةَ دونَ حدودٍ أو ضوابط سيتردَّونَ في جهنم حتمًا، وأنَّ هناك جنّةً في الآخرة تتمايل وتتراءى بكل عظمتها ورونقِها، ولهذا السبب فقد بذلوا كلَّ طاقاتهم ووسعهم وسخّروها لدفعِ الناس عن تلكَ النارِ إلى تيك الجنّة، وحالةُ مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم الذي خُوطب في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 3/26)، وقولِه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (سُورَةُ الْكَهْفِ: 6/18) إنّما تنبعُ من هذه التأملات الواسعة الكامنة بين جوانحه.

أجل، ينبغي للإنسان أن يسعى ويجتهد كي يرتقيَ إلى الدرجات العُلى وكأنّه في دوامة حلزونية، سواء باستخدامه المنهج الذي وضعه فضيلة الأستاذ بديع الزمان أو بغير ذلك من الطرق والمناهج؛ فبينما هو يؤدي حقّ المقام الذي يشغله؛ عليه -وبنفس الوقت- أنْ يطمحَ بنظره دائمًا إلى مقاماتٍ أسمى وأرفعَ، ويكونَ لسانُ حاله دائمًا لسانَ حالِ المسافرِ في سبيلِ معرفةِ اللهِ تعالى التي لا يُشبعُ منها أبدًا، ويستزيد منها قائلًا: “فهل من مزيد؟” فإن استطاع الاستفادة الجيدة من العطايا والواردات التي حظي بها فيما وصل إليه من مَقام؛ فَلَسَوف تستيقِظُ الأشواقُ في أعماقه نحو أشياءَ جديدةٍ، ومِنْ ثَمّ فإنّ مثلَ هذا المسافرِ سيطرق أبوابًا شتى دائمًا ودون توقُّف.

الاستقامة والسعي الدؤوب

إنّ مسافرًا في طريق الحقّ كهذا الذي يتحرّك باتجاه الشوق والتوق المستيقظ في وجدانه سوف يسعى دائمًا لإعلاء هِمَّته، وكلما أعلاها أكثر كلّما أُتيحت له فرصة التحرّك أكثر، وبهذا سيدخل في إطار دائرة صالحةٍ؛ فتتكون في فؤاده دومًا اشتياقات جديدة يطلب بفضلها ويطمح إلى مراتب ومقامات جديدة؛ أي إنّ الإنسان حين يبذل طاقته ووسعه كشرطٍ عاديّ فإن المشيئة الإلهية التي هي الشرط الأساس تُسْعِفُه؛ فتوصله إلى المراتب التي ينشدُها.

ولا شك أنَّ استيعابَ كلِّ هذه الأمور وصيرورتها بُعدًا من أبعادِ الطبيعة الإنسانية لن يتحقق هكذا فجأةً؛ فهذا الأمر مرتبطٌ بجهد وسعي حقيقي وجادٍّ، ولكن قد تتحقّق خوارقُ عاداتٍ في بعض الحالات الخاصة، فَيَصِلُ الناس على جناحِ السرعة إلى ذروة الكمالات الإنسانية؛ وعلى سبيل المثال فهناكَ مَن لم يتسنَّ له من صحبةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومجالسته إلا مدّةً وجيزةً، ومع ذلك فقد ارتقى ووصل آفاق الصحابة، لأن مجلسه صلى الله عليه وسلم مناخٌ يصبِغُ المخاطبين ويؤثِّرُ في أعماقهم، فهو يُذكِّرُ بالله تعالى دائمًا بحاله وسلوكه وجلسته وقَومَتِه وصمته وحديثه وما في وجهه من قشعريرة، وما في تقاسيمه من سعادة، إنه صلى الله عليه وسلم يُشعر بكلِّ أحوالِه مَنْ بجواره أنه في حضرة الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة لبعض أولياء الله تعالى الذين جاؤوا بعد سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم؛ فقد يرتقون -بنفَسٍ واحدٍ منهم أحيانًا- بمَنْ يدخل في جوّهم ومناخهم إلى أفق الإنسان الكامل، ويمكنكم أن تضربوا مثلًا على ذلك الارتقاء العمودي بما كان لدى ذوي القابليات العالية مثل: “طاهر موتلو (Tahiri Mutlu)” و”حسن فيضي (Hasan Feyzi)” وحافظ علي (Hafız Ali) وخلوصي أفندي (Hulusi Efendi)” الذين تحلَّقوا حول فضيلة الأستاذ بديع الزمان.

غير أنّ هذه الأمور من النادِرِ وقوعها، وليست دائمةً ولا مستمرّة، لأن ذلك كرمٌ إلهيٌّ يظهر لدى الأنبياء العظام في صورة معجزة، بينما يظهر لدى الأولياء العظام في صورة كرامة، أما الجانب الموضوعي من هذه المسألة، أي شكلها الذي يمكن للجميع اللجوء إليه في كل آنٍ وحينٍ فيتسنى باستغلال الإرادة استغلالًا صحيحًا في جميع الأوامر والنواهي.

إنْ كنا نُريد أن نجعل قِيمَنا الخاصة بُعدًا من أبعاد طبيعتنا فعلينا أن نجتهد للاشتغال الدائم بروافدنا ومصادرنا، وأن نتحدث عن الحبيب تبارك وتعالى في حلِّنا وترحالنا، وننسجَ كلَّ أحاديثنا وجلساتنا حوله.

كذلك ينبغي ألَّا ننسى أنّ الله في عون العبد ما دام العبد يبذل جهدًا حقيقيًّا ويسعى سعيًا حثيثًا في موضوع العبوديّة له تعالى.

إن تحبِبِ اْلمولى، أتظنُّ أنه لن يحبك؟
وإن طلبت رضا الحق، أتحسبه خاويًا يرُدّك؟
وإن ضحيتَ بالروح عند باب الحقّ
وكنتَ طوعَ أمره، أفيبخسُك الله ثوابك وأجرَك؟

إنكم إنْ تتّجهوا إلى الله، يتّجه إليكم، وإنْ تحوِّلوا أنظاركم وأبصاركم إليه تعالى ينظر إليكم، وإنْ تفتحوا إليه قلوبكم وأفئدتكم لا يتركها خاويةً فراغًا.

وختامًا أقولُ إنْ استطاعَ الإنسانُ جعل تطبيق الإسلام طبيعة فيه فلن يتعسَّرَ ولن يتعب كثيرًا في أداء مجموعة من العبادات والتكاليف المنوطَة به، فمثلًا إنّ الاستيقاظَ من النومِ ليلًا والقيامَ إلى التهجُّد ليثقُل ويشقُّ على النفس، غير أنّ الإنسان إنْ جعل هذا الأمرَ جزءًا لا يتجزّأُ من طبيعته، وكأنه عقدَ اتّفاقًا سرّيًّا بينه وبين الله تعالى؛ فلن ينزعج ولن يتأذّى بسبب النهوض من فراشه، ربما يعاني في أول الأمر من خمولٍ بسبب النوم، إلّا أنّه حين يُسلِمُ نفسَه للصلاة ويتوجه بالدعاء ويشرعُ في التضرُّع إلى الله تعالى؛ فإنّه سيقول من شِغافِ قلبه: “ما أحسنَ أنْ استيقظتُ، واستثمرتُ هذه الساعات الليليّة الموحشة، وتوَّجْتُها بمناجاتي ربي!”.

[1] صحيح البخاري، الإيمان، 1؛ مسند الإمام أحمد، 309/21.
[2] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 3/1.
[3] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الرابع، ص 24؛ الكلمات، الكلمة السادسة والعشرين، ذيل، ص 555.
[4] انظر: بديع الزمان سعيد النورسي: المكتوبات، المكتوب الخامس عشر، السؤال السادس، ص 76-77.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2021.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.