قراءة الكتب بطريقة منهجية

قراءة الكتب بطريقة منهجية

كان عددُ الكتب والمجلات التي تعكس عالمنا الفكري وتربطنا بجذورنا الروحية والمعنوية في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم قليلًا للغاية.. فلو أن الإنسان حينذاك خصّصَ خمس أو ست ساعات فقط للقراءة خلال اليوم لاستطاع بسهولة أن يقرأ معظمَ ما يصدر في الأسواق من مؤلفات، ولكن اليوم تصدر الكثير من المؤلفات العلمية والفكرية والاقتصادية لدرجة أنه في الواقع باتت من الصعب جدًّا متابعةُ وقراءة جميع هذه المؤلفات.. ناهيك عن أنه قد كثُرت المشاغل التي تُلهي الناس وتُشتّت انتباههم، ومن ثَمّ أصبح من المفيد انتقاء الكتب التي نرغب في قراءتها، فعلينا مثلًا أن نعطي الأولوية للمؤلفات التي تتناول القضايا الخاصة بالإيمان والإسلام، والمرتبطة بجذورنا الروحية والمعنوية، وأن نواصل عملية القراءة، بدءًا من الأعمال الأكثر أهمّية بالنسبة لنا.

وربما لا ضير في قراءة المؤلفات الأخرى بعد أن ترسّخت أقدامنا في عالمنا الفكري وقيمنا الذاتية، وإلا اختل توازننا وعَشِيَت أبصارنا وسقطنا عند مواجهة التيارات الفكرية المختلفة.

التعبئة والنفير العام من أجل القراءة

إن المعرفة والثقافة هما السبيل إلى الارتباط بقيمنا الدينية وحياتنا الاقتصادية والثقافية، وإقامةِ صرح روحنا في كل المجالات، يقول الأستاذ النورسي رحمه الله رحمة واسعة: “إن كل شيء في الإنسان موجَّه إلى العلم ومتعلقٌ بالمعرفة حسبَ الماهية والاستعدادات”[1]، ويقول في موضع آخر: “إن البشرية في أواخر أيامها على الأرض ستنساب إلى العلوم، وتنصبّ إلى الفنون، وستستمد كل قواها من العلوم والفنون فيتسلم العلم زمامَ الحكم والقوة”[2]، وعلى ذلك فهناك حاجة ماسة إلى البدء في تعبئة عامة من أجل القراءة حتى لا نتخلف عن الركب.

إن وجوبَ القراءة ليس محصورًا على المتخصصين فقط في أحد الفروع العلمية، بل إن الجميع مطالَبٌ حسب مستواه بالقراءة، ولكن علينا بداية أن نعطي الأولوية للكتب التي نحتاج إليها حاجتَنَا للهواء والماء والغذاء، فمثلًا يجب علينا حتمًا أن نتعلم علوم الدين التي تفيدنا في أداء عباداتنا بشكل صحيح، وفي معايشة ديننا على نحو سليم، كما ينبغي أن نتعرف جيّدًا على القضايا الخاصة بالأخلاق والمعاملات، وأن نزيد من معلوماتنا عن القرآن الكريم، وأن نطلع على الأحاديث النورانية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيًّا كان العمل الذي نشتغل به فإننا ملزمون بمعرفة ديننا بالقدر الذي يسمح لنا أن نحدد ما إذا كانت الأعمال التي نقوم بها موافقة لمحكمات الدين أم لا.

فلو أراد أبطال الإرشاد والتبليغ إلى جانب هذا أن يبلِّغوا الآخرين الحقائق التي يؤمنون بها بشكل صحيح، وأن يقنعوا مخاطبيهم برؤاهم العالمية وفلسفاتهم الحياتية فلا بد أن تكون لديهم معرفة كافية بالقيم التي يؤمنون بها، ودراية وثيقة بالعالم الذي يعيشون فيه، وأن يواكبوا متطلبات زمانهم، ويستجيبوا لاحتياجات عصرهم وضرورياته، وهذا لا يتأتى إلا بتعبئة جادة من أجل القراءة، فكل شيء يبدأ في دائرة ضيقة، ويظهر في صورةِ زاوية صغيرة في المركز، ثم يتسع هذا الشيء ليشمل الدائرة الكبيرة في المحيط.. فقد يبدأ العمل بخمسين شخصًا، ثم تتسع الدائرة فيما بعد شيئًا فشيئًا لِتشملَ ألف شخص…

ومن جانبٍ آخر إذا أهملنا القراءة فإن أبناءنا بلا شك سيصبحون أمثالنا، فالأسرة التي يهمل فيها الأبوان القراءة ولا يوليانها أي اهتمام خاص يصعب جدًّا على أبنائهما الاهتمام بالقراءة إلّا أن تكون هناك عناية إلهية خاصة بهم، فبدهي أننا إذا أمسكنا كتابًا بأيدينا وشرعنا في قراءته فسيقوم أبناؤنا من فورهم بتقليدنا، إذ إن تصرفات الوالدين وسلوكياتهما مثل الشفرة الجينية كثيرًا ما تنعكس على الأبناء.. فللأسف الشديد ينشأ الأبناء في عصرنا نافرين من القراءة؛ لأن الآباء والأمهات لم يهتموا بالقراءة وأصبح الأولاد مثلهم، ولذلك يجب سدّ هذا النقص، وإصلاح ذلك العطب.

ولا يقتصر الأمر على العائلة فقط، بل يجب أن نوصي كلَّ المحيطين بنا بقراءة الكتب، ونحبّبهم فيها، لا سيما الكتب التي تتحدث عن عالمنا الفكري، وترتبط بجذورنا الروحية والمعنوية، فهذا هو السبيل الأمثل للوقوف ضد المسخ والاغتراب.

معوّقات العالم الرقمي

لقد أصبح العالم الرقمي الآن خيارًا جديدًا لقراءة الكتب، ولكنه كما نجح في ذلك، إلا أنه شكّل عائقًا أمامها أيضًا؛ ومن ثَمّ وجب علينا كمجتمع أن نفكّر مليًّا فيما يلزم لتخطّي هذه الأزمة، وأن نسعى جاهدين لتوجيه الناس إلى القراءة من جديد، وإلى التفكير والمدارسة والمذاكرة.. فرغم سهولة الوصول إلى المعلومات الآن بفضل بعض الأجهزة مثل الحاسوب والهاتف الجوال، وكذلك الإنترنت؛ فقد ازداد بالتوازي صعوبة استقرار هذه المعلومات -التي توصلنا إليها بسهولة- في الأذهان، فتذهب المعلومات بسرعة كما جاءت؛ لذا فإن القراءة من الكتاب نفسه حَرِيّة بأن تكون في المقام الأول.

فإن إمساكَ الإنسانِ بالكتاب، ووضعَه خطًّا تحت المواضع المهمّة التي يراها، وتدوينه الملاحظات على أطراف الكتاب عند اللزوم، وتسجيله آراءه حول الأفكار التي لا يوافق عليها؛ له أهمية بالغة في فهم واستيعاب المقروء بشكل أفضل؛ لأن الغرض من القراءة هو الفهم والثراء الذهني، وهذا لا يتأتى إلا بالجهد والسعي في هذا السبيل.

وهنا أريد أن أنبه مرة أخرى على الأمر التالي: إننا بفضل وسائل الاتصال الحديثة مثل التلفاز والإنترنت نشاهد ونتعلم الكثيرَ من الأشياء، ولكن بعد مدة معينة يصبح الناس -دون وعي منهم- مدمنين لهذه الوسائل، فيستغرقون في اللهو ومتابعة الأحداث اليومية، ويبتعدون عن عوالمهم الذاتية، ولذا يجب توخي الحذر عند استعمال هذه الوسائل، ولا بد من وضع بعض القيود على أنفسنا، حتى نستطيع التصدي للانحرافات الفردية والاجتماعية المحتملة، فمثل هذه الأوساط مواتية لسوء الاستعمال، وأعظم برهان على ذلك هو تلك الجروح والتخريبات التي أصابت عقول الشباب والأسر والحياة الاجتماعية في العصر الراهن.

وكما أن هناك مسؤوليات تقع على عاتق الدولة في هذا الصدد فهناك أيضًا أمور يجب على العائلات الاضطلاع بها؛ مثل توخي المزيد من الحيطة والحذر عند استعمال التلفاز والإنترنت، ومتابعة الأبناء عن قرب، ومعرفة الصفحات والمواقع التي يزورونها، وأن يجعلوا استخدامهم للإنترنت وفق معيار محدد.

القراءة عن طريق المذاكرة والمدارسة

إن السبيل القويم للاستفادة العظمى من الكتب المقروءة هو مذاكرة ما بها من معلومات ومناقشتها، فإذا كنتم مثلًا تريدون أن تقرؤوا عن مسألة الحشر، فما عليكم إلا أن تتذاكروا معًا المؤلفات التي حررها بديع الزمان سعيد النورسي، وفخر الدين الرازي، والإمام الغزالي، وابن سينا في هذا الموضوع، وبذلك تعالجون القضية بأبعادها المختلفة، ولو أنكم مثلًا ترغبون في قراءة رسالة “الأنا والذرة” لبديع الزمان سعيد النورسي فمن الممكن عند القيام بذلك عقد مقارنة بينها وبين كتاب “رموز نفي الذات” الذي يتكلم فيه محمد إقبال عن أسرار الذات، وبفضل هذه القراءات التقابلية ستدركون تمايز الأفكار، وتستوعبون الموضوع بشكل أوسع وأعمق.

ولقد ربط سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالتدارس والمذاكرة في حديثه الذي ذكر فيه أن الملائكة تضع أجنحتها لطلاب العلم رضا بما يفعلون وتنزل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة[3].

والمذاكرة تأتي من باب المفاعلة، وتعني تقييم المسألة بجميع جوانبها عن طريق تداول المعلومات ومناقشتها، فكما أن المذاكرة ليست قراءة اعتيادية، وكذلك لا تعني أن يقرأ شخص ويغفو آخرون، بل على العكس إنها تعني أن يتناقش عشرة أشخاص مثلًا في موضوع معين، ويُعمِلون أفكارهم فيه، ثم يَعرض كل واحد منهم ما توصل إليه ، حتى تتجلى بارقة الحقيقة من وراء تصادم الأفكار وتلاقحها.

وليس من الضروري اتباع أسلوب واحد في هذا الشأن؛ لأن التزام منهج واحد يدعو أحيانًا للسأم والضجر، وعندها لا تجني المذاكرة ثمرتها المرجوة، ومن ثم لا يستفاد من هذا المنهل العذب المورود كما ينبغي، المهم هو العمل على أن يستفيد الجميع من الأمر، والإحساس بالمتعة عند تعلم أي أمر جديد أو مبتكَر، وتقدير القراءة قدرها؛ وهذا بالطبع منوط بالتغيير المتكرر لصيغة الدرس المقترح، والحرص على استخدام وتطوير مناهج جديدة في العرض.

تربية أشخاص مجهزين تجهيزًا عاليًا

لقد فهمنا -مع الأسف- فهمًا خاطئًا مقولة بديع الزمان سعيد النورسي لطلابه: “حسبكم رسائل النور”؛ فقد ذكر هذه المقولة حتى يلفت الانتباه إلى أركان الدين الأساسية، وإلى المسائل ذات الأولوية في ذلك الوقت الذي تهدّمت فيه أركان الدين، وانقلبت الأحاسيس والمشاعر القومية رأسًا على عقبٍ، إلا أننا مع الأسف أخذنا هذه العبارة على إطلاقها، ولم نُعِر العلوم الدينية الاهتمام اللازم، ولكن إذا كان لا بد إلى جانب قراءة رسائل النور من دراسة بعض العلوم الطبيعية مثل الطب والكيمياء والفيزياء والأحياء والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والجيولوجيا؛ فلا أحد يعترض على ذلك، وكذلك يجب على عالم الدين قراءةُ المؤلفات الأصولية في العلوم الإسلامية -وهي مجالات مستقل كل منها بذاته-، والتخصصُ فيها.

بل يجب على عالِم الدين -إلى جانب تحصيله علوم تخصّصه- أن يتعرف إجمالًا على القضايا المتعلقة بالعلوم الطبيعية، أو أن يأخذ طرفًا من كل علم على الأقل، حتى إذا جلس مع فيزيائي أو كيميائي تكلم معه بارتياح في هذا المجال؛ لأننا كما لا نستطيع أن نجرّد الإسلام عن العلوم الطبيعية فكذلك لن نستطيع بث همومنا لمن يعملون في هذه الساحات طالما لم تكن لدينا دراية بها..

 إن الأوامر التشريعية المستقاة من صفة كلام الحق جل وعلا توضح وتشرح الأوامر التكوينية، وكلتاهما أمران متداخلان للغاية في بعضهما البعض، فإن جردنا إحداهما عن الأخرى فلن نستطيع فهم الاثنتين فهمًا صحيحًا.. ومن ثم كما يجب على المتخصصين في العلوم الدينية أن يكون لديهم على الأقل معرفة إجمالية بالعلوم الطبيعية فكذلك ينبغي للمتخصصين في العلوم الطبيعية من اكتساب مزيد من المعرفة بالعلوم الدينية.

فلو أن الدارسين في حقل العلوم الدينية عجزوا عن وضع الحلول المنطقية للمشاكل التي تعترضنا في هذا العصر فلن يُنسب هذا العجز والهزيمة لهم فحسب، بل إلى الإسلام أيضًا، وتُعدّ الآراء والأفكار التي أنتجها علماء الدين العظام من أمثال الإمام الغزالي، وفخر الدين الرازي، والعز بن عبد السلام، وابن حجر العسقلاني، وبديع الزمان سعيد النورسي، وطنطاوي جوهري، ومحمد سعيد رمضان البوطي لِفهم الإسلام فهمًا صحيحًا؛ خطواتٍ متقدمةً في هذا الإطار، فقد استطاعوا بما حرروه من مؤلفات قيمة تفنيدَ الشبهات المثارة حول الدين، ووضعَ تفسيرات جوهرية للمشاكل التي تشغل الأذهان.

فلو أردنا أن نفهم الإسلام ونعيشه بشكل صحيح في عالمنا اليوم فيجب أن يكون لدينا على الأقل نفس القدر من الأدوات والمعلومات مثلهم، وسبيل ذلك هو العمل في إطار منظومة التعليم الحالية على إعداد أناس ماهرين في العلوم التجريبية والشرعية، وتهيئة الأوساط اللازمة للقيام بذلك، وإذا كنا نرغب في إحياء هؤلاء الذين صاروا كالقبور المتحركة من خلال حسن استغلال الإمكانات التي هيأها الحق تعالى، وأن نكون وسيلة لبعثٍ جديد؛ فيجب أن نعلم أن هذا منوط بتنشئة جيل على أعلى مستوى من الاستعداد، وأن نستغل كل فرصة مواتية لنا في هذا السبيل، وأن نوفي مكانتنا حقها.


[1] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الثالثة والعشرون، المبحث الأول، ص 352.

[2] بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة العشرون، المقام الثاني، ص 291.

[3] “مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ” (صحيح مسلم، الذكر، 38؛ سنن أبي داود، الصلاة، 347).

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2021.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.