طباعة

ندوة الفكر الإصلاحي بين تونس وتركيا

كتب بواسطة: الصباح نشط . شارك في الأخبار

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

ندوة الفكر الإصلاحي بين تونس وتركيا

مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي هل نبدأ أم نستأنف ومن أين؟

كيف استطاع الأتراك ان يستفيدوا وينهلوا من الفكر الإصلاحي التونسي وكيف استطاعوا ان ينزّلوا نظريات الشيخ الطاهر بن عاشور أرض الواقع ويعتمدوها في مناهج التعليم وحركات الإصلاح الثقافي، ويؤمنوا بقدرتها على رد الاعتبار للإنسان وعلى إقناعنا نحن العرب والمسلمون بأن الإسلام فعل وليس ردة فعل وأنه يمكننا أن نتعامل على أساسه مع الآخر -لا الغربي فقط وإنما مع كل سكان القرارات الأخرى- ينقلون عنا ويقتبسون منا ونفعل نفس الشيء دون أن نقع في التغريب والتقليد الأعمى؟

ذاك ما تم طرحه صباح أمس الجمعة في ندوة: "الفكر الإصلاحي بين تونس وتركيا الجذور التاريخية والأسئلة الراهنة الشيخ الطاهر بن عاشور وفتح الله كولن نموذجا".. وقد نظمها مركز الفاضل بن عاشور للثقافة والفنون التنوير بالمرسى وفرع مجلة حراء إسطنبول بتونس، وحضرها عدد كبير من العلماء والمفكرين والباحثين الراغبين في إدراك المدونة الإصلاحية والاشتغال على إثرائها وتطويرها.

التجديد التاريخي لا يقوم على البتر والانسلاخ

أريد لهذه الندوة أن تكون فرصة لزيارة الفكر الإصلاحي ومراجعته لاقتناع أصحابها بأن التجديد التاريخي لا يمكن أن يكون قائما على القطع أو الانسلاخ والبتر ولطرح سؤال فرضته التداعيات السياسية الراهنة في البلدان العربية والإسلامية وهو طبيعة الصلة بين تأسيس مناخ الحرية والبناء الديمقراطي واستئناف الفكر الإصلاحي خاصة وأن -والكلام هنا لوزير الثقافة المهدي بن مبروك:- "سياقات الربيع العربي بمساراته المختلفة تدفع إلى البحث عن القواسم الإصلاحية المشتركة والسعي إلى تجديد الثقافة العربية والإسلامية، خصوصا وأن العديد من الأوجاع تشق الفكر الديني على وجه الخصوص ناجمة عن المقاربات السطحية وغموض المناهج والإسقاطات المتعسفة".

محاضرات عديدة قدم بعضها كل من الدكتور أبو يعرب المرزوقي والدكتور محمد جكيب من المغرب والدكتور على المحجوبي والدكتور أحمد قعلول عن "أحلام النهضة والانبعاث بين النظرية والتطبيق"، و"خير الدين التونسي مُصلحا والمدرسة الإصلاحية بين سؤال الدولة والمجتمع". وحاضر الدكتور سمير بو دينار من المغرب عن "فتح الله كولن: قراءة من منظرو الوراثة والتجديد"، والدكتور جمال دراويل عن "نقد الموروث الثقافي التقليدي عند الشيخ الطاهر بن عاشور"، والدكتور سليمان الدقور من الأردن عن "الإنسان محور التربية والإصلاح.. رؤية في فكر فتح الله كولن".

الفكر التونسي والتركي قواسم مشتركة

وقد بدت في محاضرات اليوم الأول من هذه الندوة التي تمتد على يومي 10 و 11 ماي الجاري (2013م) محاولة لمزيد الاقتراب وفهم النموذج الإصلاحي التونسي في أعلامه ورموزه العديدة والنموذج التركي الذي استأنف استثمار تاريخه وقام بتسويات عسيرة مع ذاكرته وماضيه بشكل متفرد ونموذجي، وقد ورد هذا الوصف في الكلمة التي ألقاها وزير الثقافة في افتتاحه للندوة ورغبة في تبادل الأفكار حول الفكر الإصلاحي التونسي والفكر الإصلاحي التركي والاشتغال على إثرائهما اعتمادا على ما بينهما من قواسم مشتركة.

والقواسم المشترك بين الفكر الإصلاحي التركي والتونسي عديدة -حسب ما تبين من المحاضرات- إذ يعتمد الاثنان على النصوص التأسيسية الكبرى -القرآن والسنة- وفيهما اجتهاد وجرأة ومغامرة كما أنهما ينفتحان على المكسب الإنساني والفتوحات العلمية والفكرية ويهتمان بالأساس بالإصلاحات على الصعيد الوطني لا الأممي. لقد روجت الندوة لمراجعة المفاهيم التي تساعد على الدخول إلى الإصلاح والاستئناس بالمناهج التجديدية لـ"بن عاشور" و"كولن" اللذان يعليان في فكرهما قيم الحوار والتسامح والتعايش المشترك واستطاعا تأسيس مدارس لنشر نظريتهما في نشر التربية الصالحة من منظور كل منهما والعقل السليم أيضا، وذلك رغم اختلاف المناخات التي تحرك فيها كل من العالمين.

فتح الله كولن صاحب المشروع الحضاري

وفتح الله كولن حسب ما ورد في كلمة الأستاذ نوزاد صواش رئيس تحرير مجلة "حراء" هو أحد أشهر علماء الإسلام المصلحين ودعاته المعاصرين في تركيا، وله أطروحات ونظريات دعوية وفلسفية وإصلاحية وتربوية بدأها في ستينات القرن الماضي، وقد أدرك كولن أن المسلمين يعانون من الفقر والجهل والتفرق، فنذر نفسه للدعوة إلى العلم والعمل لتفعيل مشروع تربوي متكامل ولتأسيس ثقافة التعايش ونشر السلام وخدمة الإنسان من حيث هو إنسان دون تمييز بين عرق أو لغة أو دين أو ثقافة.

وإذا كان لتنظيم هذه الندوة حسب ما صرح به الأستاذ سامي إبراهم (مدير مركز الفاضل بن عاشور للتنوير بالمرسى) مقصدان الانفتاح والمثاقفة ومقصد الإصلاح الذي نظّر له الشيخ الطاهر بن عاشور ونزله حيز التطبيق والإنجاز على أرض الواقع، فتح الله كولن الذي أنجزت عن طريقه تركيا ما حلم به الشيخ الطاهر بن عاشور فإن تطبيق هذا الفكر الإصلاحي اليوم وبعد صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في تونس أصبح مطروحا على أكثر من صعيد. وقد رأى السيد عامر العريض القيادي في حركة النهضة في إجابة عن سؤال توجهت له به "الصباح" عن إمكانية تنزيل نظريات بن عاشور اليوم حيز الإنجاز والتأثير بفكره في الآخر ليقتبس عنه ونقتبس عنهم دون الوقوع في التغريب: "إن الشيخ الطاهر بن عاشور ألّف فكرا وهو علم من أعلام العرب والمسلمين المعترف بهم وله عليهم التأثير الكبير وأننا بعد أن خرجنا من التاريخ أعادتنا الثورات العربية وأصبح لنا شأن في العالم وبإذن الله سيصبح لنا شان على جميع الأصعدة.. والاقتصادية أيضا".

لقاء حول قطبين له نكهة خاصة

 

مثل هذه الندوة لم تحظ بإعجاب الحاضرين من التونسيين فقط وإنما رأى فيها الإخوة الجزائريين إجابة عن سؤال توجهت به "الصباح" إلى الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين: "إن التقاء جناحا الأمة الإسلامية في تونس على الثقافة والإصلاح حول قطبين من أقطاب الأمة الإسلامية يكتسي نكهة خاصة لأننا اليوم نحتاج إلى الإصلاح الواقعي المستمدة معالجته من واقعنا وثقافتنا وأصالتنا".

ويبقى السؤال المطروح "ما مدى حاجة تونس اليوم إلى هذه النزعات الاجتهادية وإن كانت لا تفصل بين العمق الروحي والنزعة الاجتماعية، وتجمع بين المواطنة والإيمان؟ وهل تكفي العودة إلى الفكر الإصلاحي التونسي والتركي لدمج الشعوب الإسلامية في تاريخها ولتعي مكامن قوتها فتنهض من كبوتها؟ ولأي مدى سيساهم فتح أبواب التجديد في إخراج الدين من نمطية التأويل؟ ومن أين نستأنف مشروع الإصلاح الديني، هل نعيد قراءة النص المؤسس قراءة مقاصدية في علاقة براهننا آم نؤكد على إنسانية الإنسان لنضمن حريته ونحفظ كرامته؟

محاضرات هذه الندوة وحفلاتها الموسيقية تتواصل اليوم.

المصدر: جريدة "الصباح" التونسية، علياء بن نحيلة، 28 ماي 2013.