طباعة

الفصل الثاني: الحرية لدى كولن وميل

كتب بواسطة: جيل كارول نشط . شارك في محاورات حضارية.. حوارات نصية بين فتح الله كولن وفلاسفة الفكر الإنساني

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

يَعتبر الفكر المتأثر بالفلسفة الإنسانية حريةَ الفكر والتعبير عن الرأي ركنًا أساسيًا من أركانه، سواء من الناحية الفلسفية أو الناحية الاجتماعية السياسية. فحرية الصحافة وحرية الاحتجاج السلمي وحرية الدين وحق التجمع وغير ذلك من الأعراف الراسخة في الغرب كلها تنبع من الحرية كأحد المثل العليا التي تُشدد عليها جميع الحركات الإنسانية الحديثة، بينما تنبع تلك الحريات في مناطق أخرى من العالم -بما فيها الدول الإسلامية- من مصادر أخرى. وتَعُود قيمة الحرية في مجال الفلسفة إلى العالم القديم، حين كان الفلاسفة يتحدون بعضهم أو يتحدون الآخرين ممن يتبنون مختلف الأفكار والتوجهات، ويجلسون في الأسواق يتجادلون في تلك الأفكار مع أي شخص يستمع إليهم. وقد ولدت مجموعة من أعظم الأفكار المتعلقة بالتعلم التقليدي على يد أولئك الفلاسفة الذين -حتى وإن تعرضوا في النهاية للإعدام أو النفي بسبب أفكارهم- سمحوا لأنفسهم بالتفكير والكلام بحرية، رافضين تكبيل عقولهم وإخراس أصواتهم بناءً على أوامر الحاكم.

وقد عبر العديد من الفلاسفة والكتَّاب في الغرب الحديث بقوة عن قيمة الحرية، لكن أحدًا منهم -في رأيي- لم يعبر عن هذه القيمة بشكل شامل وجذري مثلما فعل "جون ستيوارت مِيل"، وهو منظِّر اجتماعي وسياسي بريطاني ظهر في القرن التاسع عشر. وفي هذا الفصل سنُجري محاورة بين ميل وكولن حول فكرة "حرية الرأي". وهناك خلاف واسع بين ميل وكولن في مجموعة من النقاط المهمة والواضحة، ولكن رغم اختلاف السياق العام والنظرة إلى العالم بالنسبة لكلٍّ من الرجلين، فقد أكد كلاهما على رؤى معينة للمجتمع تتسم بالتسامح -على الأقل من الناحية النظرية- في أمور الاعتقاد والممارسة الدينية، وتسمح بوجود بحث وجدل شديدين في قضايا تتعلق بالحقيقة في معظم المجالات، إن لم يكن في جميعها. وقد جاءت هذه التشابهات بين النموذج "المجتمعي" لكلٍّ منهما بسبب التزامهما المشترك تجاه قيمة الحرية، وخاصةً في موضوعات الفكر والرأي.

وربما كان أكثر ما يشتهر به ميل هو كتابه "الفلسفة النفعية" (Utilitarianism) الذي تحدث فيه عن الفلسفة الأخلاقية. وسوف أشير إلى هذا العمل لاحقًا في هذا الفصل، لكنني أود التركيز أولاً على عمل آخر من أعماله المهمة وهو كتابه "عن الحرية" (On Liberty) الذي نشر عام 1859، وفيه يقدم ميل مشروعه كتأكيد على الحرية الاجتماعية أو المدنية، أي "طبيعة وحدود السلطة التي يمكن أن يمارسها المجتمع بشكل شرعي على الفرد".([1]) ويوضح مِيل أن جيلاً سابقًا في الغرب كان مشغولاً باستبداد الحكام ومن ثم طور أشكالاً تمثيلية أو نيابية من الحكم تخلصت من السلطات الاستبدادية للملوك الذين كانوا يدعون الحكم بالحق الإلهي وما إلى ذلك. وقد كان هو وجيله هم المستفيدين من ذلك الكفاح، ولم يعودوا -في المعظم- بحاجة للكفاح ضد ذلك النوع من الطغيان.

لكن ميل يؤكد أن الجيل الحالي -أي الجيل الذي عاش فيه ميل في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر- ينبغي أن يحارب نوعًا آخر من الاستبداد وهو استبداد الأغلبية، فيقول ميل:

"وعليه فإن الحماية من استبداد الحاكم غير كافية، فالحماية مطلوبة أيضًا من استبداد الرأي والشعور السائد، أي ضد ميل المجتمع إلى فرض أفكاره وممارساته الخاصة -بغير طريق العقوبات المدنية- كقواعد سلوكية على من يخرجون على تلك الأفكار والممارسات، من أجل تقييد أو -إن أمكن- منع تنمية وإيجاد أي نوع من الفردية لا تتوافق مع أساليبه، وإرغام جميع الشخصيات على تشكيل نفسها تبعًا لنموذجه هو. فهناك حد معين من التدخل الشرعي للرأي الجمعي في الاستقلالية الفردية، ويعتبر إيجاد ذلك الحد ومنع تعديه أو تجاوزه أمرًا أساسيا ولا يقل أهمية لسلامة وسلاسة الشؤون الحياتية للناس عن الحماية من الاستبداد السياسي".([2])

وبتعبير آخر، فإن مِيل يلمس استبدادًا خفيًا موجودًا في المجتمع حتى مع وجود حكومة تمثيلية، وهو الاستبداد الاجتماعي أو المدني، أي الضغط الذي يمارسه المجتمع على أفراده كي يرضخوا للمعتقدات والممارسات "الطبيعية" في مختلف نواحي الحياة، فقط لأن تلك المعتقدات والممارسات هي "المعيار السائد" الذي يمارسه غالبية الناس في المجتمع، وبالتالي -طبقًا لمنطق الأغلبية- يكون على كل شخص أن "يسير على نفس الخط" وإلا فسوف يتم إجباره على ذلك. ويرفض ميل هذا الاستبداد، ويشرع في توصيف المبدأ الذي به يمكن تحديد التدخل الشرعي للدولة أو الممثلين المجتمعيين في حرية الفرد، في الغالب لأن هذه التوصيفات تقوم تمامًا على التفضيل أو العرف. ويقرر ميل مبدأه في الحرية المدنية في بدء مقالته، فيقول:

"إن الغاية الوحيدة التي تبرر للبشرية -سواء بشكل فردي أو جماعي- التدخلَ في حرية تصرف أي مجموعة منها هي حماية النفس. والغرض الوحيد الذي يمكن في سبيله ممارسة السلطة بحق أي فرد في أي مجتمع متحضر دون رغبته، هو منع الضرر عن الآخرين، فمصلحة الفرد الذاتية -سواء كانَت مادية أو معنوية- ليست مبررًا كافيًا... فالفرد له -فقط- السيادة على نفسه وعلى جسمه وعلى عقله".([3])

ويعد هذا مبدأً راديكاليًا في الحرية، وهو مبدأ لا يطبقه في الغالب أيُّ مجتمع معاصر بشكل متسق، إذ إنه يجعل الإضرار المباشر والمعتبر بالآخرين الأساس الشرعي الوحيد تقريبًا الذي تستطيع الدولة أو السلطات المدنية بمقتضاه التدخل في تصرفات الفرد. وهذا المبدأ يعتبر شديد الليبرالية بالنسبة لكولن؛ فالإسلام مثلاً يحرم -بشكل عام- قتلَ النفس؛ وبالتالي فإن مبدأ ميل في قصر الحرية على منع الإضرار بالآخرين -وليس بالنفس- ليس كافيا. وقد يقول كولن -وفقًا لتعاليم الدين الإسلامي-: إن الناس ليسوا أحرارًا في الإضرار بأنفسهم عن طريق الانتحار. ومع ذلك، فهناك بالفعل نوع من الاتفاق بين كولن وميل حول فكرة الحرية، خصوصًا في مجال الفكر والمناقشة، الذي أفرد له ميل فصلاً كاملاً في مقالته.

يؤيد ميل بشكل مطلق حريةَ الفكر والمناقشة، حتى لو انتهى ذلك إلى اكتشاف خطأ الأفكار التي يتم التعبير عنها ومناقشتها في المجتمع. ويقول: إن أي ادعاء يُطرح أمام المجتمع للنظر فيه ودراسته إما أن يكون صحيحًا أو خاطئًا أو في مرحلةٍ ما بينهما -بأن يكون حقًا بشكل جزئي أو باطلاً بشكل جزئي-. وبغض النظر عن ذلك، فإن مصلحة المجتمعات تتحقق عندما تسمح بحرية التعبير وحرية المناقشة للأفكار. فإذا كانت الفكرة صحيحة، فسوف يدرِك الناس صحتها عن طريق مناقشتها وإعادة النظر في الآراء المؤيدة لها والدفاع عنها ضد من يقللون من شأنها. وبهذه الطريقة تبقى الأفكار الصحيحة حية ونابضة بين الناس، بدلاً من أن تصبح مبتذلة وخاملة بسبب قبولها جيلاً بعد جيل. أما إذا كانت الفكرة مخطئة، فسوف يستفيد المجتمع من المناقشة العامة لها من جديد، وذلك بإعادة النظر في دليلِ بطلانها أو توضيحه أمام الجميع، وبالتالي يتقبل الناس الحقيقةَ أكثر من ذي قبل نتيجة لتجدد اقتناعهم بها. ويرى ميل أن الأغلب الأعم هو أن تكون الفكرة موضعُ النقاش مزيجًا بين الحق والباطل، فالمؤكد أنه لا أحد يمتلك الحقيقة الكاملة عن أي شيء، ذلك أن العقول البشرية لا يمكنها استيعاب الحقيقة بكاملها عن أي شيء، وبالأخص فيما يتعلق بالذات الإلهية، لأننا لا نعرف الأشياء في ذاتها، بل نعرف فقط إدراكنا الشخصي لها حسب موقعنا منها. كما أن العقول المحدودة لا يمكنها إدراك اللانهائية؛ وبالتالي يجب التعبير عن كل الأفكار بحرية في المجتمع حتى يمكن تعزيز الحقائق الجزئية لتصبح حقائق أكثر اكتمالاً من خلال آلية المشاركة المدنية والجدل المدني.

وتُعتبر الفوائد الاجتماعية لحرية الفكر والمناقشة واضحة بما فيه الكفاية، لكن ميل ركز بشكل أعمق على الأثر الفعلي الذي تُحْدثه حرية الفكر لدى الأفراد الذين يشكلون المجتمع. فالمجتمعات -خصوصًا فيما يتعلق بالدين- تحرِّم في الغالب حريةَ الفكر والمناقشة لمنع الهرطقة (الزندقة) والابتداع في الدين، لكن هذا التحريم لا يؤثر في الزنادقة والمهرطقين بقدر ما يؤثر في غيرهم من الأفراد. يقول ميل:

"إن الضرر الأكبر يقع على غير المهرطقين ممن يتم تكبيل تطور عقولهم، وإرهاب تفكيرهم، بسبب الخوف من الهرطقة. فمن يتخيل حجم ما سيخسره العالم من وجود شعوب ذات عقول واعدة وشخصيات جبانة لا تتجاسر على اعتناق أي فكر جريء وقوي ومستقل خشية أن يقود ذلك إلى وضعهم في صورة غير متدينة أو غير أخلاقية؟"([4])

الشاهد في كلام ميل هنا هو أن الخوف المفرط من الهرطقة ليس سمة المهرطقين وحدهم بل أيضًا من يطرحون أفكارًا جديدة وجريئة عن أي شيء، بما في ذلك التقاليد الموروثة أو التي تعتبر مقدسة. وعندما يزداد التهديد بالعقاب على الهرطقة في المجتمع، أو عندما يتوعد المجتمعُ بعقوبات مدنية كل من يعبر عن أفكار غيرِ تلك الأفكار التي تسمح بها صراحةً "السلطاتُ" المدنية، فإن المجتمع بأكمله سيعاني؛ فالقوة العقلية تأتي بالممارسة والتحدي، والمجتمع الذي يَقهر الفكرَ والمناقشة يصبح مجتمعًا ضعيفًا وهزيلاً. ويستمر ميل قائلاً:

"لا يستطيع أحد أن يكون مفكرًا عظيمًا إذا لم يكن يعترف بأن واجبه الأول كمفكر هو أن يتبع عقله إلى أي استنتاجات يقوده إليها. فالحقيقة تفيد من أخطاءِ من يفكر لنفسه -مع توافر الدراسة والإعداد الملائمين- أكثر مما تفيد من الآراء الصحيحة لمن يؤمنون بها لمجرد أنهم لا يُتعِبون أنفسهم في التفكير".([5])

وكما ذكرنا، فإن الأفكار الصحيحة تَذبُل وتضعف عندما لا تتعرض بانتظام للجدل والمناقشة، ومن يعتنقون أفكارًا صحيحة لن يقتنعوا بتلك الحقائق إذا لم يسمحوا لأنفسهم بالتفكير فيها بحرية، وهو ما قد يعني التشكك في صحة حقائق راسخة منذ أمد طويل. إلا أن ميل يؤكد أن الهدف ليس مجرد إيجاد أفراد مفكرين، فيقول:

"ليس المسعى الوحيد -أو الأساسي- لإيجاد مفكرين عظماء هو ما يجعل حرية الفكر ضرورية. بل على العكس، فمما لا يقل أهمية، إن لم يكن أكثر أهمية، أن يتم تمكين الأفراد العاديين من الوصول إلى المستوى العقلي الذي يستطيعونه. فقد كان -وربما يكون فيما بعد- هناك أفراد مفكرون عظماء وسط ذلك المناخ العام من الاستعباد العقلي، ولكن لم يحدث مطلقًا -ولن يحدث- أن يوجد في ذلك المناخ أفراد فاعلون ونشطون عقليً".([6])

هنا، نرى ميل يؤكد على قيمة الحرية لأسباب إنسانية بحتة فضلاً عن الأسباب النفعية. والفقرةُ السابقة تنطوي على قناعة بأن البشر كائنات مفكرة تبحث عن حقيقةِ عددٍ لا نهائي من الأشياء -من أكثرها دنيوية إلى أكثرها ارتقاءً- وتنتج المعرفةَ، وأن هذه الأنشطة هي جزء من معنى كون الإنسان إنسانًا. فحرية الفكر والتعبير والتساؤل أمر حيوي، ليس فقط للعباقرة الذين لن يستطيعوا استخدام عبقريتهم لصالح المجتمع بدون حرية العمل، بل هي حيوية أيضًا -وربما بدرجة أكبر- للناس العاديين في حياتهم اليومية، وللأفراد ذوي الذكاء العادي؛ كي يتمكنوا من أن يصبحوا أفرادًا مشاركين وفاعلين فكريًا. وهذا سيحقق فائدة للمجتمع بالطبع؛ ومن ثم فهو مطلب نفعي أو وظيفي، لكنه أيضًا مطلب إنساني؛ لكونه موجهًا إلى الناس العاديين. فالناس بشكل عام ينبغي أن يكونوا أحرارًا في التفكير والتساؤل والتعبير؛ لأن ذلك هو مغزى كون الإنسان إنسانًا، وعندما تُتاح لنا الفرصة لممارسة إنسانيتنا بشكل كامل، عندها فقط، سيمكننا أن نخلق مجتمعًا صالحًا للإنسان، كغاية وكوسيلة أيضًا.

وهنا أيضًا يمكننا إشراك كولن في المناقشة، فهو يتحدث كثيرًا عن قيمة الحرية من الناحيتين الإنسانية والنفعية، ومعظم كتاباته تتحدث عن التحرر من الطغيان والاستبداد. وهو يشير في سياقات كثيرة إلى الطغاة والمستبدين الذين ابتُليت بهم جموع المسلمين في السنوات الأخيرة على يد قوى العلمانية والاستعمار. وفي سياقات أخرى يتحدث كولن بشكل أكثر عمومية عن الحرية التي يمتلكها كل إنسان باعتباره إنسانًا. وتَعكس آراءُ كولن مبدأَ مِيل الذي ذكرناه عن الحرية عندما يقول: "إن الحرية تسمح للناس بفعل ما يريدون، شريطة ألا يضروا الآخرين، وأن يظلوا مخلصين تمامًا للحقيقة".([7]) وربما كانت العبارة الأخيرة "وأن يظلوا مخلصين تمامًا للحقيقة" ستستوقف ميل في بادئ الأمر، ولكنه ربما يقول: إنه حتى من ضلوا أو آمنوا بالأباطيل مخلصون تمامًا للحقيقة، لكنهم فقط أخطأوا في فهم تلك الحقيقة. فالتحدث أو التصرف بشكل "غير مخلص تمامًا للحقيقة" يتضمن -في رأي ميل وكولن- أشياء مثل الافتراء أو التشهير أو أن يهتف شخص قائلاً: "حريق!" داخل مسرح مزدحم، في حين أنه لا يوجد حريق فعلاً.

إن انتصار كولن لفكرة التسامح لا يمكن فهمه دون التزام بحرية الفكر والمناقشة، ذلك أن التسامح لن تكون له جدوى إذا لم يُسمح بحرية الفكر والمناقشة والاختيار الفردي وما إلى ذلك. فما يَجعل التسامحَ فضيلةً هو أن الناس يكونون أحرارًا وأنهم يختارون معتقدات وديانات ومساعي مختلفة. ويؤكد كولن على هذه النقطة في كثير من المناسبات، وغالبًا في مناقشات عن الديمقراطية وحدها أو عن الديمقراطية والإسلام، اللذين لا يرى بينهما أي تعارض. ففي مقال له عن العفو والصفح، يربط كولن بين التسامح والديمقراطية من خلال مفهوم الحرية، فيقول: "الديمقراطية نظام يعطي لكل شخص تحت مظلته الفرصةَ للعيش والتعبير عن مشاعره وأفكاره الخاصة، ويشكِّل التسامحُ بعدًا مهمًا من هذا. وفي الحقيقة، يمكن القول: إن الديمقراطية تصبح غير واردة حيثما لا يوجد تسامح".([8])

إلا أن هذه المقولات لا تحمل السمة الراديكالية التي تميز أفكار ميل عن ضرورة الحرية والحماية التي يحتاج اليها الناس من الاستبداد الاجتماعي، فعندما يطرح كولن تصوراته عن البشر المثاليين -أو "ورثة الأرض" كما يسميهم في أحد أعماله- لا نرى التزامه العميق بالحرية فحسب، بل نرى أيضًا الأساس المنطقي لهذا الالتزام، وهو أساس إنساني بحت. ففي كتابه (The Statue of Our Souls) [ونحن نقيم صرح الروح]، يقدم كولن رؤية واسعة ومفصلة لمجتمع وعالم يقوده أفراد يتمتعون بسمو روحي وأخلاقي وفكري، يسميهم "ورثة الأرض"،([9]) ويتعمق بعض الشيء في وصف شخصياتهم وسماتهم.(*)[10] وقد ذكر الصفة الخامسة ضمن سرده لصفاتهم المحورية وهي "القدرة على التفكير بحرية واحترام حرية الفكر".([11]) ويتابع قائلا:

"إن التمتع بالحرية يمثل عمقًا مهمًا لقوة الإرادة الإنسانية وبابًا سحريًا يطلع منه الإنسان على أسرار ذاته. ومَن ليست لديه القدرة على الدخول في ذلك العمق واجتياز ذلك الباب لا يمكن تسميته إنسانً".([12])

وعليه، تُعدُّ حرية الفكر محورية بالنسبة لكون الإنسان إنسانا، بل وللإنسانية ذاتها، فبدون حرية الفكر -ليس كمبدأ اجتماعي أو سياسي فحسب بل أيضًا كقدرة داخلية- لا يمكن للمرء أن يسمى إنسانًا حقًا. وبتعبير آخر، لا يصل المرء إلى الصفة الإنسانية بدون حرية الفكر. ويتوسع كولن في ذلك قائلاً:

"في ظروف يجري فيها فرض قيود على القراءة والتفكير والمشاعر والحياة، يستحيل على المرء المحافظة على ملكاته، فضلا عن تحقيق التجديد والتقدم. وفي وضعٍ كهذا يكون من الصعب للغاية المحافظةُ حتى على مستوى الإنسان البسيط والعادي، ناهيك عن تربية شخصيات عظيمة وثَّابة مليئة بروح التجديد والإصلاح، وترنو بأَبصارها نحو اللانهائية. وفي هذه الظروف لا تجد سوى شخصيات ضعيفة منحرفة، وأناسًا أرواحهم متبلدة ومشاعرهم مشلولة".([13])

إن التنمية الإنسانية ومن ثم التنمية والنمو الاجتماعيين -بل وحركات الإصلاح والتقدم كلها- تتوقف على حرية الفكر وطريقة الحياة؛ فمجتمع بلا حرية لن يربي أناسًا لديهم الروح والرؤية اللتان تدفعانه قدمًا إلى أبعاد جديدة، وربما الأسوأ من هذا هو أن مجتمعًا كهذا لا يربي أناسًا عاديين يمكنهم بلوغ كل ما لديهم من طاقات إنسانية. وهنا تتفق أفكار كولن مع أفكار ميل في مناصرة الحرية لفائدتها بالنسبة للمجتمع ولقيمته الإنسانية. والحقيقة أن الأول متأصل في الثاني، فالحرية نافعة للمجتمع لما تقوم به من "عمل" في تكوين البشر وتنميتهم كأفراد. وكما رأينا في الجزء السابق، فإن البشر هم أعلى الأشياء قيمة، وبالتالي فإن تنمية الطاقة الإنسانية -أو "الكينونة" الإنسانية- هي أعلى الأشياء قيمة أيضًا.

ويرثي كولن التاريخ الحديث لتركيا وغيرِها من المناطق الإسلامية التي عانت فيها الشعوب -وما زالت في بعض الأحيان- من وجود بنية اجتماعية تمنع حرية الفكر والتعلم، إما من خلال الاستهجان الصريح، أو من خلال الأيديولوجيات المهيمنة التي ترعاها الدولة. وفي مجال التعلم الإسلامي على وجه الخصوص، يتحدث كولن عن ماضٍ مشرق من العلم والتعلم كان منفتحًا على شتى مجالات المعرفة والاستقصاء العلمي. وفي تلك الحضارة، كان تقرير الحدود الملائمة للحرية يقوم على السنة النبوية وبعض المصادر الإسلامية الأخرى، التي كانت هي نفسها تُعلي من قيمة الحرية الإنسانية. إلا أن روح العلم ذهب وأُفسح المجالُ لضيق الأفق والاستظهار الأعمى والتكرار لكتب ومؤلفات تلقتها بعض الناس بالقبول، وفي تلك المرحلة بدأت جميع الإمكانات الإنسانية في التضاؤل شيئًا فشيئًا، وأصبحت فريسة سهلة للطغاة الانتهازيين والمذهبيين والاستعماريين.

ويتوق كولن إلى حركة تجديد بين المسلمين حتى تستعيد الحضارة الإسلامية مكانا لها في ريادة العالم، كما فعلت في القرون الماضية حين كان معظم ما يشكِّل "الحضارة" يأتي من العالم الإسلامي. ولكي يحدث ذلك، يقول كولن:

"علينا أن نكون أكثر حرية في الفكر والإرادة، فنحن بحاجة إلى تلك القلوب الكبيرة التي يُمْكنها استيعاب الفكر الحر المتجرد، والتي تظل منفتحة على العلم والمعرفة والبحث العلمي، والتي تستشعر التوافق بين القرآن وسنة الله في ذلك المدى الواسع الممتد من الكون إلى الحياة".([14])

فبدون تجديد القدرة على حرية الفكر -سواء على المستوى الفردي أو الجمعي- تضيع الحضارة الإسلامية بل الحضارة بمجملها، إذ لا وجود لإنسانية أصيلة وقوية بغير حرية الفكر، ولا إمكانية للسمو في الحضارة بغير إنسانية أصيلة.

وبهذا يتفق كلٌّ من كولن وميل كل منهما مع الآخر في نواحٍ عديدة بخصوص الدور الحيوي الذي تلعبه الحرية في المجتمع، سواء من ناحية عملها الوظيفي أو من ناحية الالتزام الإنساني العام. فالمجتمع الذي يقمع حرية الفكر لا يكون مجتمعًا عاملاً ومزدهرًا، ولا يكون مجتمعًا يقدِّر قيمة الإنسان مهما حاول الدفاعَ عن هذا القمع متذرعا بالمصلحة الإنسانية.

غير أنني أود الآن الحديث عن الحرية في أعمال ميل وكولن من زاوية مختلفة قليلاً، وهي نوعية الحرية المسموح بها في أعمال كلٍّ منهما، إذ سنرى أن نوعية الحرية التي يطالب بها كلٌّ منهما للبشر هي حرية يتمتع بها البشر وحدهم، ومن ثم تؤكد "الكرامةَ الخاصة للبشر" في الحياة، والتي تنعكس في "الخطاب الإنساني".

وأكثر ما اشتهر عن ميل في موضوع الحرية مؤلَّفه "عن الحرية"، ولهذا فقد ركزتُ عليه في هذا الفصل. ويأتي بعده مؤلفه المهم "الفلسفة النفعية"، وهو مؤلف في الفلسفة الأخلاقية يعارض فيه المبادئ الأخلاقية لدى كانط، ويحاول أن يقدم فلسفة أخلاقية تقوم على السعادة أو المتعة. والنفعية كفلسفة موجودةٌ قبل ميل -بالطبع- وقد أخذتْ عدة أسماء على مر التاريخ مثل الأبيقورية (Epicureanism)، إلا أن الاسم الأكثر شيوعًا لها في عصر ميل كان "مبدأ السعادة القصوى" (the Greatest Happiness Principle). ويعرِّف ميل النفعيةَ في كتابه كالتالي:

"إن العقيدة التي تجعل "المنفعة" أو "مبدأ السعادة القصوى" أساس الأخلاق تَعتبر أن الأفعال تكون صحيحة بقدر ما تسهم في تحقيق السعادة، أو مخطئة بقدر ما تؤدي إلى عكس السعادة. والمقصود بالسعادة هنا المتعة وانعدام الألم، أما عكس السعادة فيعني الألم وفقدان المتعة. فالسعادة وعدم الألم هما الشيئان الوحيدان المرغوبان كغاية. وكل المرغوبات (وهي كثيرة بالنسبة للفكر النفعي كما هي في أي مقصد آخر) تكون مرغوبة، إما لما تنطوي عليه من متعة أو كوسيلة لزيادة المتعة وتجنب الألم".([15])

وفي النفعية كما في الأبيقورية القديمة، تصبح المتعة والألم هما المعيارين للحكم على ما هو جيد ومرغوب؛ ومن ثم الحكم على الصواب والخطأ. ويعرِّف ميل النفعيةَ هنا بطريقة متسقةً تمامًا مع الفلسفة الإغريقية القديمة، فيذهب إلى القول إنه هو وغيره من مفكري المذهب النفعي -تمامًا كأتباع إبيقور (Epicurus) القدماء- يواجهون اتهامات من معارضيهم بأنهم يضمرون فلسفة جديرة بالخنازير وحدها؛ لأنه ليس لها مسعى أفضل أو أرقى من المتعة، وهذا يبدو "مذهبًا حقيرًا ووضيعًا لا يليق إلا بالخنازير".([16]) ويرد ميل على هذا الاتهام بالطريقة نفسها التي اتبعها الإبيقوريون القدماء، بالقول إنه ليس النفعيون بل منتقدوهم هم من يسوون فئة من البشر بالخنازير، لأنهم يفترضون أن البشر لا يحصلون على المتعة إلا كالخنازير. وبتعبير آخر، يرفض الناس الأبيقورية -والتي تسمى غالبًا مذهب المتعة الأخلاقية (Ethical Hedonism) -أو مبدأ السعادة القصوى-؛ لأن كلمات مثل "المتعة" و"السعادة" تستدعي -في أذهانهم- معاني التهتك والفجور والغواية، وإذا كان هذا هو ما تعنيه "المتعة"، فسوف يرفضها الناس بالطبع كمبدأ أخلاقي. إلا أن ميل -تمامًا كما فعل الإبيقوريون- يرفض هذا النقد تمامًا، لأنه ينظر إلى البشر باعتبارهم كائنات أرقى من الحيوانات؛ وبالتالي فهم أقدر و"أكثر ملاءمة" للوصول إلى أشكال أرقى من المتعة. يقول ميل:

"إن تشبيه الحياة الأبيقورية بحياة البهائم يعد شيئًا مهينًا؛ لأن متع البهيمة لا تلبي تصورات الإنسان عن السعادة؛ فالبشر لديهم ملكات أرقى من الشهوات الحيوانية، وبمجرد أن يصبحوا على وعي بها، فإنهم لا يرون سعادة إلا فيما يحقق لهم الرضا والإشباع. وليست هناك نظرية إبيقورية معروفة عن الحياة لا تعطي لمتع العقل والمشاعر والخيال والعاطفة الأخلاقية قيمة أعلى بكثير من مجرد المتع الحسية".([17])

نرى هنا تفريقًا تامًا بين المتع الإنسانية والحيوانية وإقرارًا بالملكات والطاقات الإنسانية العليا التي هي بطبيعتها تجد المتعة في الأشياء الأكثر نبلاً ورقيًا، والتي توجد في عالم العقل والوجدان والضمير، وليس في عالم الجسد أو الشهوة الحسية. ولا يعني هذا أن ميل ينكر على البشر حقهم في الحصول على المتع الحسية أو الجسدية، لكنه فقط يدافع عن نفسه ضد تهمة نشر روح عامة ترتكز على المتع الحسية. فالبشر -باعتبارهم المخلوقات الوحيدة التي لديها إدراك أخلاقي ويمكنها وضع فلسفات أخلاقية- لديهم أشكال من المتعة أرقى من الحيوانات؛ وبالتالي فإن المتع التي تمثل أركان هذه الفلسفة تكون لها طبيعة أكثر سموًا.

ويواصل ميل بالقول: إن من لديهم تجربة واسعة في كلٍّ من المتع العليا والدنيا يعطون الأفضلية للصنف الأول، ويؤثرون اتّباع أسلوب حياة تكون الأولوية فيه للمتع العليا. فلا يوجد شخص عاقل -في رأيه- يرضى بتبادل مكانه مع حيوانٍ ما في مقابل الحصول على أقصى درجات المتع الحيوانية، فأكبر المتع الحيوانية -والتي لا تعدو أن تكون غريزية وجسدية- لا تقارَن بالمتع الإنسانية العليا الموجودة في العقل والمشاعر والضمير، حتى لو كانت تلك المتع العليا تتسم ببعض الألم. يقول ميل:

"إن كائنًا ذا ملكات عليا يتطلب للحصول على السعادة ما هو أكثر مما يتطلبه كائن أدنى رتبة كما يمكنه في الغالب تحمل معاناة أكبر من الكائن الأدنى، وبالتأكيد يتعرض لها بشكل أكثر تكرارًا، لكنه رغم كل هذه الأعباء لا يتمنى أبدًا أن يغرق فيما قد يراه مستوى أدنى من الوجود".([18])

فالكائنات الأرقى في النهاية لن تسعد حقًا بالمتع الدنيا، إذ إن السعادة التي تليق بالبشر هي تلك السعادة التي تتحقق ليس في الميادين الحسية أو الجسدية أساسًا، بل في الجوانب الفكرية والوجدانية والأخلاقية الروحية. ولا يؤثر على هذه الحقيقة -بحسب ميل- ما يبدو من أن الناس غالبًا يختارون المتع الدنيا على حساب المتع العليا، وهو يعترف أن الناس يختارون في الغالب ما هو ضد مصلحتهم طمعًا في متعة قليلة وزائلة؛ فالبعض مثلاً يفرطون في الطعام أو الشراب على حساب صحتهم التي تعتبر المصلحة الأكبر، والتي تعطي متعة أكثر ديمومة، والبعض الآخر قد يمتنعون عن القيام بأعمال نبيلة مستبدلين بها أعمالا أدنى تعبر عن الأنانية والتكاسل. ويبين ميل هذا بالإشارة إلى الشخصية الإنسانية، قائلاً: إن الناس لأي سبب من الأسباب تأتي عليهم لحظة معينة يفقدون فيها صلتهم بأهليتهم المتأصلة للبحث عن المتع العليا، فيوضح قائلا:

"إن القدرة على امتلاك المشاعر الأكثر نبلا تشبه في معظم الطبائع نبتة هشة للغاية يسهل سحقها ليس بالمؤثرات المضرة فحسب بل بمجرد نقص التغذية، وهي تموت سريعًا لدى غالبية الشباب إذا كانت الوظائف التي أوصلهم إليها وَضْعُهم في الحياة والمجتمعُ الذي ألقاهم فيه غيرَ مواتية لتوظيف تلك القدرة. وحينها يفقد الأفراد طموحاتهم العريضة مع فقدهم للقدرة على التذوق العقلي؛ لأنه لا يكون لديهم وقت أو فرصة للاستغراق فيه، ويدمنون الانغماس في المتع الدنيا؛ ليس لأنهم يفضلون ذلك عن عمد، بل إما لأنها المتع الوحيدة التي يستطيعون الحصول عليها، أو لأنها المتع الوحيدة التي بقيت لديهم القدرة على الاستمتاع به".([19])

وفي هذه الفقرة يظهر المنظِّر الاجتماعي في شخصية ميل، حيث قضى شطرًا كبيرًا من حياته في الكتابة عن الإصلاح الاجتماعي، والمشاركة في النشاط السياسي، لإحداث تغييرات إيجابية في التعليم، والمؤسسات المدنية، وحقوق المرأة، ونُظُم العقوبات، والتي كان سيحظى الكثيرُ منها بموافقة تامة من كولن اليوم. كما أن النشاطات التربوية والثقافية والاجتماعية الواسعة لحركة كولن كانت ستحظى بتأييدِ ميل الكامل أيضًا، حيث كان إسهام ميل في كل هذه المجالات منطلِقًا من إيمانه -الذي يشاركه فيه كولن- بالكرامة المتأصلة للبشر، والتي تتبدى هنا في القدرة على الوصول إلى المتع العليا في المجالات الفكرية والوجدانية والأخلاقية. وقد آمن تمامًا أن كل مكونات المجتمع يجب أن تعكس هذه الحقيقة، وأنه يجب تنظيمها بطريقة تحافظ على صفة الكرامة المتأصلة وتغذيها لدى كل الناس منذ نعومة أظفارهم. أما عدم العمل على تنظيم المجتمع بهذا الشكل فيعد ظلمًا إنسانيًا واجتماعيًا، أو حتى إثمًا كبيرًا من وجهة نظر كولن.

ويعرف ميل المتعة في الفقرات السابقة بطريقة معينة تميزها عن المتعة الزائفة للحرية المطلقة التي تتوافر في عالم الشهوة والجسد. صحيح أن المبدأ الاجتماعي للحرية الذي يتناوله في كتابه "عن الحرية" يفسح المجال أمام الناس لكي يهدروا حياتهم في إدمان المتع الدنيا على حساب ذاتهم العليا الأكثر عمقًا، فإن مبدأه هذا أو حتى مذهبه النفعي لم يقل: إن هذه "الحرية" هي الهدف الأسمى للحياة الإنسانية، بل يستطيع المرء أن يجزم بأن هذه ليست "حرية" على الإطلاق، ولكن مجرد شكل معين من أشكال العبودية أو الإدمان. ويستطيع كولن أن ينضم إلى المناقشة الآن، حيث يفرق في مختلف كتاباته بين الحياة التي يقضيها الإنسان بحثًا عما هو خيِّر وحق وجميل وراقٍ، والحياة التي يهدرها في ما هو زائل وشهواني وجسدي فقط. وسوف نناقش هذا التفريق بتفصيل أكبر في الفصل القادم، ولكن يكفي هنا أن نقول: إن كولن يعرّف الحرية بطريقة موازية لتعريف ميل فيما يتعلق بالكرامة الإنسانية والقدرة. يقول كولن:

"من يعتبرون أن الحرية مطلقة يخلطون بين الحرية الإنسانية والحرية الحيوانية، فالحيوانات ليست لديها أي قضايا أخلاقية تُسأل عنها ولذلك فهي غير مقيدة بالقيود الأخلاقية. وبعض الناس يرغبون في هذا النوع من الحرية ويستعملونه -إذا أمكنهم- للانغماس في أحط الشهوات الجسدية، وهذه الحرية تكون أسوأ من الحرية البهيمية ذاتها. أما الحرية الحقيقية -حرية المسؤولية الأخلاقية- فهي تُظهر المرء كإنسان؛ لأنها توقظ الضمير وتحفزه وتزيل العوائق الموجودة أمام الروح".([20])

إذن، فإن ميل وكولن ينظِّران للحرية الإنسانية بطريقة تضعها في إطار فلسفة أكبر للازدهار الإنساني، ولا يَعتبِر أيٌّ منهما أن الحرية الإباحية (Libertinism) هي أعلى مراتب الحرية، بل على العكس؛ حيث يفسر كلاهما الحرية على أنها ما يوفر الأساس لأقصى درجات التنمية والتعبير عما هو أسمى وأرقى في الصفات الإنسانية، والتي يصل الناسُ، من خلال تلبيتها، إلى المتع الأبقى أثرًا والأكثر ديمومة. وتكمن هذه المتع في المجالات الفكرية والروحية والوجدانية والأخلاقية.

وكما ذكرت سابقًا، فإن كلاً من ميل وكولن ينتميان إلى خلفيات دينية وسياسية واجتماعية مختلفة للغاية، ولا شك أنه لو كان بإمكانهما التحاور معًا وجها لوجه لكانا سيختلفان حول بعض قناعاتهما عن حدود الحرية والتسامح في المجتمع، إلا أنهما يتفقان في نقطة أكثر حيوية -في رأيي- للحياة والازدهار الإنسانيين، ألا وهي حرية الفكر والتعبير في سياقِ التزامٍ أكبرَ بالمبدأ العام للحرية. فرغم ضرورة أن ينتبه الناس إلى العواقب المحتملة لما يقولون، ينبغي أيضًا أن يظلوا قادرين على التفكير بحرية والتعبير عن تلك الأفكار للعالم دون خوف من العقاب، إذ لا يوجد في رأيي أي ضرر مباشر أو محسوس يقع على أي أحد من مجرد التعبير عن الأفكار بالقول أو بالكتابة. بل على العكس، حيث يستفيد الأفراد والمجتمع ككل استفادة كبرى عندما يوطن المجتمع نفسه على حرية الفكر والتساؤل والتعبير، ومن خلال تلك الحرية يعطي البشر لأنفسهم أكبر مساحة ممكنة لتنمية طاقاتهم المتأصلة من ضمير وخيال ووجدان وروحانيات وفكر. وعندما تنمَّى تلك الطاقاتُ وتتاح لها المساحة للنمو في ظل نُظم اجتماعية وسياسية سليمة، عندها فقط سيزدهر الوجود البشري ويصل إلى أبعد مدى ممكن من الإنجاز.

إن ميل وكولن ملتزمان على حد سواء بقيمة الحرية ضمن السياق الخاص بكلٍّ منهما على حدة؛ ذلك أن الاثنين ينتميان إلى الفلسفة الإنسانية بالمعنى الواسع للكلمة، ومبدأُ الحرية يحتل مكانة مركزية في الفكر الإنساني. كما أنهما -مع مناداتهما بالحرية الإنسانية- يناصران فكرة العظمة الإنسانية، ليس كمبدأ مجرد فحسب بل كجزء ضروري من الحياة الإنسانية الجمعية في عالم الواقع. وتوجد لدى كولن -مثل كثيرين غيره- رؤية واضحة عن العظمة الإنسانية وعن الصفات التي تميز البشر العظام، أولئك الذين يبلغون أقصى الإمكانات البشرية وأفضلها. وسوف ننتقل الآن إلى مناقشة هذه الرؤية عن العظمة الإنسانية، وهي المثالية الإنسانية التي ينبغي تجسيدها في كل زمان ومكان.

[1] Mill, On Liberty, s.41. (عن ميل، الحرية).
([2]) المصدر السابق، ص 44.
([3]) المصدر السابق، ص 48.
([4]) المصدر السابق، ص 67.
([5]) المصدر السابق.
([6]) المصدر السابق.
[7] Gülen, Pearls of Wisdom, 55.. (كولن، الموازين أو أضواء على الطريق).
[8] Gülen, Toward a Global Civilization of Love and Tolerance, 44. (كولن، نحو حضارة عالمية من المحبة والتسامح).
[9] Gülen, The Statue of Our Souls, 5–10, 31–42. ( كولن، ونحن نقيم صرح الروح)
[10](*) سوف أتناول مفهوم "ورثة الأرض" وكذلك رؤية كولن الاجتماعية بمزيد من التفصيل في الفصل الثالث
([11]) المصدر السابق، ص 38.
([12]) المصدر السابق، ص 38-93.
([13]) المصدر السابق، ص 39.
([14]) المصدر السابق، ص 40.
[15] Mill, Utilitarianism, 7.( ميل، النظرية النفعية)
([16]) المصدر السابق.
([17]) المصدر السابق، ص 8.
([18]) المصدر السابق، ص 9.
([19]) المصدر السابق، ص 10.
[20] Gülen, Pearls of Wisdom, 55.( كولن، الموازين أو أضواء على الطريق).