مقدّمة

 مقدّمة

مسار السعي إلى النهوض والانبعاث في عالم المسلمين، مسار طويل متصل الحلقات، مركب تركيب الواقع الذي كابده والتحديات التي واجهها. فما من شك أن حال الانحطاط الذي عانى منه مجالنا الحضاري على امتداد أزيد من قرنين من الزمان، كان بمنزلة النداء الحزين الذي استحث همم المصلحين وأفكار العلماء والمثقفين في محاولات متتابعة للتعامل معه، بقصد إدراك مسبباته وتجاوز آثاره.

ولعل المحطة الأبرز في التاريخ المعاصر الذي اتسم بتلك الحالة إجمالا، كانت اللقاء القاسي بين التجربة الحضارية للغرب الحديث، المدفوع بقوة منجزه المادي واعتداده بالتفوق التاريخي لنموذجه، وبين عالم المسلمين، في مرحلة من أصعب مراحل تاريخه، حين سرت في أوصاله أدواء الضعف وبدت عليه سمات التراجع الحضاري. ولعل رجّات هذا اللقاء الاضطراري التي لا زالت تتردد في فضائنا المعرفي ومجالنا المجتمعي على السواء، تبين مقدار قوة الصدام الأليم الذي يطلق عليه بعض المفكرين المعاصرين "صدمة الغرب" أو "صدمة الحداثة" أو "صدمة الآخر..".

ولم تكن المحاولات الدؤوبة لتقديم أجوبة ناجعة على أسئلة هذا الواقع، كسؤال النهضة والتحرر والوحدة والتنمية وغيرها من مطالب أولئك المصلحين، مجرد أفكار طرحت في المجال التداولي المعرفي الإسلامي، ولا حتى رؤى نظرية في تدبير الشأن العام للأمة، شأن تراثنا العلمي والفكري المنتج على مدار قرون خلت. بل إن ما واكب هذه الأطروحات والمشاريع التي ظلت تتغيّا بعث مقومات الإحياء في الدائرة الحضارية المسماة عالم المسلمين، من دعوات وحركات واتجاهات اجتماعية للإصلاح أضحى اليوم ميراثا جماعيا غنيا، نحن في أمس الحاجة إلى دقة قراءته وتدبر مآلاته من خلال تناوله بالجهد المناسب من الدراسة والبحث.

ذلك المسار من الآمال العراض في تحقيق النهوض وإصلاح الذات، ببعث المقومات الأساسية لبناء الأمة على أساس من غاياتها الذاتية، لم يعد يمثل اليوم خريطة دقيقة لتطور الظروف التي واجهتها، والعقبات والتحديات التي قابلت مسيرتها فحسب، بل هو في الواقع تاريخ متكامل للأفكار التي أنتجها العقل المسلم في تفاعله مع تلك الظروف والتحديات، وهنا تكمن أهمية مساءلة ذلك المسار بالنظر والتحليل والنقد: أن دراسته تغني رصيد الأمة في سعيها الذاتي من حيث هو حصيلة لجدل الفكر والواقع، وتفاعل الفكرة الإصلاحية مع تحديات كل مرحلة من مراحل تاريخنا الحديث بظروفها ومشكلاتها الخاصة.

وأيا ما تكون المناهج التي شاعت وتعددت في دراسة حركة الإصلاح في عالم المسلمين الحديث، فإنه من الضروري التعامل مع هذا المجال المتشعب من الدراسات، المتصل بحقول علم اجتماع المعرفة، والدراسات الموسوعية للسير، وعلوم المعرفة "الإبستيمولوجيا"، وتاريخ الأفكار، والتاريخ الاجتماعي والحضاري وغيرها، بدقة مؤرخي الفكر وتحري المؤرخ الشاهد، إذ فيه يتحد عمل مؤرخ الفكر مع دارس البيئة المجتمعية بعناصرها ومؤثراتها وخصائصها المميزة.

والعمل الذي بين أيدينا في هذا الكتاب، ينتمي لهذا الصنف من الدراسات، إذ بقدر ما هو إطلالة على التجربة النهضوية والإصلاحية التي انطلقت من المجتمع التركي، فإنه يقدم قراءة من مقتربات متعددة لواحد من أهم المشاريع الإصلاحية التي ميزت ذلك المجال؛ إنه المشروع الإصلاحي للأستاذ محمد فتح الله كولن.

وهو لباحث انكب -كما عرفته- على هذا المجال بالدراسة والبحث منذ سنوات، إنْ باهتمامه بالكتابة عن رسائل النور والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، أو بدراساته حول الأستاذ فتح الله كولن، مع معرفة بهذه التجربة عن قرب عبر زياراته العديدة لتركيا ولغيرها من البلاد التي تجسدت فيها هذه المدرسة الإصلاحية مشاريعَ حية لـ"الخدمة".

لقد مثلت المدرسة الإصلاحية الشاملة لأبعاد تربوية وفكرية وحركية، والتي قامت على قواعد المعمار الفكري الغني للعالم والمصلح الأستاذ فتح الله كولن، مَعلمًا أساسيًّا من معالم ذلك المسار.. مسار آمال النهضة والانبعاث الحضاري في عالم المسلمين اليوم، بل رؤية تجديدية في جوهر خطاب الفكر الإسلامي إلى الدائرة الإنسانية الأوسع. وهو أمر يقتضي إضاءة جوانب التميز في هذه المدرسة من مدخلين متكاملين:

•   أولهما يعنى بمستوى تمثل هذه المدرسة للواقع الذي تعاملت معه، واستيعابها له، بل وتجاوزه، زمانيا وفكريا،  في كثير من الحالات، وفي دوائره المتعددة محليا وإقليميا ودوليا، استثمارا لعدة نظرية قوامها الاستمداد العميق من عطاءات الوحي، والرؤية الثاقبة في قراءة عناصر المشهد في تكامله، والدقة في حساب موازينه ومقتضياته. وهو مدخل يمكن أن نسميه البحث العمودي في المدرسة الإصلاحية.

•   أما ثانيهما فيسعى إلى أن يموقع هذه المدرسة في سياقها تاريخيا وفكريا، على ضوء ما تمت الإشارة إليه سابقا من اتحاد إمكانات حقول معرفية متعددة، منها على الخصوص علما اجتماع المعرفة وتاريخ الفكر، مما يمكن اعتباره بحثا أفقيا في خصائص المدرسة وعلاقاتها، وخاصة تأثيراتها المستقبلية في غيرها من اتجاهات الإصلاح.

ولا شك أن دراسة المشروع الفكري لهذه المدرسة الإصلاحية في موقعه من السياق التاريخي والفكري لحركات الإصلاح، وما أحدثه من نقلات منهجية نوعية، سواء على مستوى العمق الفكري أو الرؤية التربوية أو النموذج القيمي الإنساني، سيفضي بنا إلى نتائج هامة على طريق دراسة شاملة ومستوعبة لهذا المشروع الحضاري الواعد، ويرقى بنا في مدارج إدراكه.

وأحسبُ أن دراسة هذا المشروع من مشاريع الإصلاح، وموقعه في راهن عالم المسلمين عموما، مهمة جليلة يصلح للتصدي لها أمثال المؤلف الأخ الفاضل الدكتور محمد جكيب من الباحثين الجادين خاصة، ذلك أن هذا النموذج الإصلاحي بالرغم مما توافر لنا من دراسات حوله، اهتم المؤلف بتتبعها وأفرد لبعض نتائجها قوائم في الكتاب، فإنه لا يزال في أمس الحاجة إلى المزيد من التأمل بالعمق الكافي، والتدبر على هدي قواعد منهجية قاصدة، ما فتئت تتضح على ضوء الجهود العلمية التي تبذل في مجالات متعددة المصادر والتخصصات.

والكتاب بما يضمه أولا من إطلالات على إشكاليات الإصلاح في عالم المسلمين عامة، وفي تركيا الحديثة خاصة، ومن وقفات مع جوانب متعددة للمقصد الإصلاحي في هذا المشروع ثانيا، هو عمل بالغ الأهمية على هذا السبيل.

والذي يبدو أن هذا العمل سيفتح أمام الباحثين في المشروع الإصلاحي لـ"الخدمة"، المؤسس على المدرسة التربوية والفكرية للأستاذ فتح الله كولن، مجالا جديدا للنظر في مصادر هذا المشروع الفكرية، سواء تعلق الأمر منها بالمصادر الثقافية والعلمية للأستاذ كولن نفسه، أو بأسس الرؤية الحاكمة لمشروعه، مع استعراض لأهم ما يعده الأستاذ مصادر أساسية لثقافتنا الذاتية.

وقد كان لافتا ومفيدا بالنسبة لي أن يخص الكاتب مجال التربية والتعليم في "الخدمة" بمبحث خاص، وهو يتناولها بين المفهوم النظري والإطار الفكري، واعتباره هذا المجال "مجال الخدمة الحيوي". فاهتمام الأستاذ فتح الله كولن بهذا المجال تحديدا، إنْ في تراثه الفكري أو سعيه العملي منذ ستينيات القرن الميلادي الماضي، يكاد يكون قاعدة التكوين المركزية في مشروع "الخدمة"، الذي يرجى منه صناعة الجيل الذهبي المنشود.

والذي أرجوه صادقا، مع المؤلف الأستاذ الدكتور محمد جكيب، أن يكون الكتاب دعوة مستجابة إلى المفكر العربي، ليرقى بمستوى دراسته لما يسمى -بقدر كبير من التعميم- "التجربة التركية"، ودقة رؤيته إليها، من خلال دراسته واهتمامه بهذا المشروع الإصلاحي الهام.. لعله يلامس أفق الانتظارات منه، قياما بواجبه، وأداء لأمانة المعرفة التي تُعلِّمنا خبرات الإصلاح الحديث في عالم المسلمين عامة، وفي المدرسة الإصلاحية للأستاذ فتح اللك كولن خاصة، أنها أمانة جسيمة، تُبذل في سبيل أداءها الأعمار.. رجاء مشفوعا بالدعاء أن ينتفع القارئ بالكتاب.. وينال الكاتب من الله الجزاء الأوفى، فهو الموفق لكل خير.

د. سمير بودينار

إسطنبول 23/08/2013

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.