طباعة

لِقَاحُ الرُّوحِ

كتب بواسطة: فريد الأنصاري نشط . شارك في عودة الفرسان.. سيرة محمد فتح الله كولن

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

شرق الأناضول له رائحة أخرى.. قيل لي: إن دواءك هناك! فثمة بحيرةُ "وَانْ" الجميلة، تَعْرض جَوانحها مَجْمَعَ بحرين لطالب الحكمة، ومغتسَلاً أيّوبيّا للمرضى والمحزونين!

بحيرةُ النور مملكةٌ تحتضن التاريخ القديم، وتُعَلِّمُ الطيرَ المغرد ببساتينها أناشيد الروح المفعم بمكابدات الأنبياء! لم تزل قُراها الصغيرة تكتنـز بالأسرار: وَانْ، وتَطْوَان، وأَخْلاَط. وغير بعيد عنها نحو الجنوب الغربي تتلفع مدينةُ بِتْلِيس بالحشمة والوقار، وتتخفى قريةُ نُورْس بين بساتينها في خمارها الجميل.

بحيرةٌ ولا كأي بحيرة! طاهرة مطهرة! آية تفيض بالجمال والجلال! عبابها العظيم يمتد من الغرب نحو الشرق، في هيأة طائر أسطوري، يحكي عصر الديناصورات وملحمة العنقاء! رأسها الذي يحمل عرفا كبيرًا كعرف الطاووس، يرتفع نحو الشرق عاليا، مستشرفا شلالات "مُرَادِيَا" القريبة، ليرقبها وهي تتدفق من أعالي الصخور المعشوشبة الجميلة. ومن خلفها تَرَقْرَقُ البحيرةُ بأجنحتها وتتوثب، كأنها تتهيأ للتحليق بعيدًا، حتى تحط فوق ثلوج جبل أَرَارَات العظيم!

هنا بهذا الشرق القديم يرتفع سطح تركيا، وينتصب رأس بلاد الأناضول عاليا! مسالكُ برّية وعرة، وجبالٌ لا تزال على فطرتها! مرتفعاتٌ لها قصص من الملاحم النبوية القديمة، وحكايات من البطولات القَبَلِيَّةِ لشعوب شتى، وقصص أخرى لا تكاد تنتهي!

كل شيء هنا متميز، ولكل تميز فرادته! إلا أن فرادة مدينة "أخلاط" شيء آخر تماما! فبموقعها شمالَ غربي البحيرة، منحنيةً بدلال فطري، على مياهها الزرقاء، تبدو كأنها حاجب أنيق على عين حسناء! عزيزة مصونة، تنتصب مبانيها بين مسالك جبلية، ذات ثلوج ومروج، مما جعلها عبر التاريخ مَعْبَرًا طبيعيا بين الشرق والغرب، لأجيال من القوافل، وشعوب شتى من الغزاة، منذ عصور ما قبل الميلاد إلى العهد العثماني الأخير..! كل ذلك جعلها سجلاّ حافلاً لحقب شتى من التاريخ الإنساني! ولذلك لم تزل تتنازعها القبائل والإمبراطوريات، إلى أن وقعت بيَد الأتراك المسلمين -منذ القرون الهجرية الأولى- فكان لها تاريخ جديد، وميلاد جديد. ولم تزل منذ ذلك الحين تتدرج بمنازل المعاني ومقامات الروح، ما جعلها مصدرًا ثَرًّا للحياة المتجددة!

ومن ثم لم تزل "أخلاط" خليطا متناسقا من الشعوب، وفسيفساء مزركشة بألوان مختلفة، ولغات مختلفة، تركية، وفارسية، وكردية، وعربية، وأرمنية! وألوان أخرى من لغات الجن، تلقي بها الريح كلما عزفت أحزانها بين شماريخ الجبال!

لكن الجامع لكل هذا التنوع العجيب، إنما هو تلك الروح التي عبَرت نحو شرق الأناضول، قادمة من منابع النبوة المحمدية، هناك في واحة يثرب، مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام! حتى أشرقت أنوارها هنا على هذه الجبال الأبية! ومن حينها لم تزل شلالاتها العالية تتدفق بالهدى والنور على تركيا كلها.. ومن هناك امتدت شرايين الإيمان إلى القسطنطينية، ثم إلى أوروبا الشرقية حتى أسوار فِييَنا!

فمنذ أوائل القرون الهجرية، هاجرت حمائمُ وصقورٌ من آل بيت النبوة، تجنبا لفتن جزيرة العرب، شَامِهَا وعِرَاقِهَا، فحطّت رحالَها بمسالك شرق الأناضول الوعرة، واستوطنت جبالها ومروجها؛ بحثا عن مكان آمن لا تصله عيون بني أمية وبني العباس! فكانت هذه الأسر النبوية الطيبة لقاحا روحيا لقبائل الأتراك الأشداء! ومن اجتماع يقين الإيمان وشموخ الجبال، تَخَرَّجَ الإنسان التركي الجديد، رجل الفتح المبين! جامعا بين تجلّيات الجمال قلبًا ووجدانًا، وبين تجلّيات الجلال عزائمَ وأبدانًا! فكان من تاريخ الدولة العثمانية ما كان!

في عمق ذلك التاريخ كانت نُطْفَةٌ من سُنَّةِ آل البيت تتنقل بين الْمَهَاجِرِ والْمَنَافِي، جيلاً بعد جيل، حتى تفتّحت وردتُها في أسرة "آلِ كُولَنْ" التركية! من بذرة أصيلة، كان لها منذ قرون شجرةٌ باسقة الأغصان، تنتصب ثابتة في قرية "أخلاط" الجميلة! ولم تزل كذلك حتى كانت فتنة وشجار بينها وبين غيرها من الأسر، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حيث اختُطفت إحدى أخواتهم، فانتفض أخوها السيد "خليل الأخلاطي"، أحد أجداد "آل كُولَنْ" الأوائل، وقاتل دونها حتى أثخن في الغاصبين، وقتل منهم ما قتل! وعظم الخطب بين القبائل! فأدى ذلك إلى تدخل السلطان، وحُكم على السيد خليل هو وأسرته بالنفي إلى "حِصْنِ قَلْعَة"، إحدى قرى ولاية "أَرْضَرُوم" في شمال بلاد الأناضول! لكنَّ "خليلا" لم يلبث فيها إلا قليلا، ثم هاجر إلى قرية "كُرُوجُكْ" بنفس الولاية. وهناك استقرت الأسرة، وضربت مرة أخرى بجذورها في تربتها.

ومن هنا اشتهر نسب أسرة "آلِ كُولَنْ" إلى أَرْضَرُوم على الإجمال، وإلى قرية "كُرُوجُكْ" منها على الخصوص؛ لِمَا تَعَاقَبَ عليها فيها من الأجيال جُدُودًا وحَفَدَةً. ولم يترك "آلُ كُولَنْ" قريتهم المفضلة تلك بعدها إلا لفترتين، الأولى عندما نزح الناس عن أَرْضَرُوم كلها، إبان هجوم الرُّوس عليها أواخرَ القرن التاسع عشر. فهاجرت الأسرة إلى قرية من قرى "سِيوَاس" في وسط تركيا. حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عادت مرة أخرى إلى "كُرُوجُكْ". ثم تركتها للمرة الثانية، عندما اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى، فهاجرت هذه المرة إلى قرية من قرى منطقة " يَرْكُويْ" التابعة لمحافظة " يُوزْغَاط". ولبثوا فيها بضع سنين حتى انتهت الحرب، ثم عادوا مرة أخرى إلى قريتهم المفضلة بأرضروم: كُرُوجُكْ. ولم تزل الأسرة بها تتوارث مقامات عالية من العلم والصلاح، ومنازلَ نادرةً من أخلاق الزهد والعفاف! فكان أغلب رجالها ونسائها بين الناس، مناراتِ هُدى، ومعالم صلاح.