طباعة

الانفجار الفكري الكبير

كتب بواسطة: أديب إبراهيم الدبّاغ نشط . شارك في الضاربون في الأرض

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

يعزو كثير من الباحثين في تاريخ العرب الحديث، إشعال فتيل الانفجار الفكري الكبير لدى العرب والمسلمين، إلى شرارات مدافع "نابلْيون" وهو يدك أسوار الإسكندرية غازيا. فعقل عالم الإسلام المتمثل آنذاك في الجامع الأزهر كان يغط في نوم عميق وثقيل، ولم يكن غير دوي المدافع وأزيز القذائف بقادر على أن يهز هذا العقل، ويفتح منافذ سمعه وبصره على العالم الجديد الذي جاء نابليون -ابن أوربا- يحمل طلائعه إلى العرب والمسلمين من غير قصد.

وهذا الانفجار المدوي، ترددت أصداؤه في أجواء الفضاء الفكري والثقافي الذي كان المسلمون قد ألفوه واستنامو إليه، وتبع ذلك انفطارات وانشطارات في عقول النخب من المثقفين والمفكرين؛ فازدادت الشكوك، واضطربت العقول، وعمَّت الفوضى، فلم يعد أحد يعرف صواباً من خطأ وحقًّا من باطل.

وقد نجم في خِضمِّ هذه الفوضى المعرفية عقولٌ كبيرة حاولت أن تعيد التوازن للذاهبين بعيدًا في مجافاة الدين من المتشكّكين والناقدين والقادحين... وحتى الذين انسلخو عنه وأنكروا وجوده تعالى، متّخذين من العلم إلهًا يتعبَّدون له من دون الله تعالى.. ونادت بأن على الأمة أن تلتمس الهداية من ذاتها، وأنه ليس من الصواب في شيء أن نشكّك في ملكات هذه الأمة، وفي عظمة ما يكتنـزه تراثها الفكري والروحي من قيم عالية، قادرة على إحياء مواتها من دون الحاجة إلى استعارة ذلك من خارجها، وأن القرآن نفسه يحثّ أمته على التفكر في النفس والتفكر في الكون ثم التفكر في الأرض التي نحيا على ظهرها، كما أن الرؤوس الكبيرة التي لا تنفك تطل على المسلم من بين سطور تاريخه، تمدُّ هذا الذهن بطاقات الحركة والنهوض.

فالنشاط الذهني ملكة نفسية لا زالت تنتقل بين أجيال المسلمين جيلا من بعد جيل، وإن الذي يقعد المسلم عن اللحاق بالركب الحضاري ليس بقصور في الملكات بل هو قصور في الهمم والإرادات. كما أن الهاوية السحيقة من الألم والعذاب الذي يتردَّى بها المسلم اليوم مسؤولة إلى حد بعيد عن إنهاك قواه الإدراكية والذهنية.. فنظرة عابرة إلى عابر سبيل من المسلمين تجعلك تلمس أيَّ هموم ينوء تحتها حتى لكأنه قد خرج للتو من تحت أطباق التراب، علما بأنه ما من أحد يستطيع أن ينكر أن ملكة المسلم العلمية كانت ملحوظة في كل تاريخه، وهي من قبيل النمو الطبيعي الذي يلازم حياته في أدوارها كلها.

ولعلَّ أكبر هذه العقول التي تصدَّت للهرطقات اللادينية عقلان كبيران كان لهما الأثر العظيم على عموم رقعة الإسلام. وإن أول هذين العقلين هو جمال الدين الأفغاني، وثانيهما محمد عبده تلميذه المخلص وساعده الأيمن.. كان الأفغاني يناضل من أجل حفز وجدان المسلم وابتعاث جيشان الحياة الجديدة فيه، ودفعه إلى معسكرها الذي كان منزويا في مكان قصي عنها.. وأما الثاني فهو رجل العقل والعلم ورافع راية التحضر، والناعي على العقلانيين لغَط عقولهم، وثرثرة ألسنتهم، والمنافح عن الإسلام باعتباره قمة حقائق الوجود، وأنه القوة الحية التي ما لامست عقلاً إلا بعثت فيه من قوى الإدراك ما يحفزه للنظر والتأمل والعمل.. لقد استطاع محمد عبده أن يقدح بشعاع فكره زناد جم غفير من الأذهان، فانبعثت أفكارها وتجددت حيويتها.. ولا نكون مغالين إذا قلنا إن قوة الفكر مظهر من مظاهر قوة الله وعظمته تمتزج بالنفس وتجري مع الروح؛ وإلى قوة هذا الفكر نعزو ما تلاه من المفكرين من أمثال رشيد رضا وحسن البنّا والنورسي وإقبال والمودودي وفتح الله كولن... هذه النجوم الوضاءة في سماء العالم الإسلامي والتي لا زال بريقها وألقها يصنع العقول والنفوس ويفتح الطريق للمزيد من الإبداع والتجديد.

فما من أحد من هؤلاء الأفذاذ وضع حول عقل المسلم قيودا تمنعه من الحراك نحو غدٍ أفضل وفكر أكثر إبداعا من أفكارهم وفهم أشمل من أفهامهم مستعينين بتلك الإرادات الصالحة التي تهرع دوما لمساعدة الإنسان الذي يبتغي الصلاح ويريد التقدم إلى أمام.

أما الذين يريدون أن يفرغوا الإسلام -وهو حياة كله- من الحياة، أو ينظرون إلى الإنسان ككيان حيواني خلو من الإنسانية وتشكيل جسدي خلو من الروح، إنما يريدون أن يقلبوا الموازين ويزيفوا الحقائق ويمتهنوا الإنسان.. فهؤلاء هم أخطر أنواع البشر على البشرية بل البشرية منهم براء.. فالذكاء الذي أراد هؤلاء الأقطاب من المفكرين أن يبعثوه في أذهاننا من جديد أثار الكثير من التوترات الداخلية في أعماق نفس المسلم. وهو على كل حال إرهاص يدل على يقظة طال انتظارها. ولكي يكونوا أكثر واقعية فقد نشروا أمامنا سجلاًّ حافلاً بأمراضنا الروحية والعقلية التي نعاني منها، لكي نعمل على معالجتها والخلاص منها.. لقد أفهمونا أن حشودنا البشرية حشود نملية يمكن أن تكون مواطئ أقدام الآخرين إذا نحن لم نرتقِ بأذهاننا إلى مستويات عالية التفكير نعلو بها عن أن نكون مداسات للآخرين.. إنه الضد الفكري الذي يرتفع بهذه المجتمعات النملية إلى ما فوق مواطئ الأقدام.

لقد قاوموا الخمود في الأذهان والأرواح، واعتبروا المسلم يساوي في كفتي ميزانه ما كان وما هو كائن الآن.. جمود عقلي ينبغي أن يربأ المسلم بنفسه عن الوقوع فيه، فهو يتجاوز غيره بقوة ما يمتلكه من رغبات في إدراك الجوهر الديني في دواخله وفي دواخل الأشياء، ففي صميم ذهنيته ينقلب كل معلوم أو مشهود إلى سؤال كبير يجب البحث عن جوابه في النفس والكون والحياة. وهذا الجواب هو مفتاح كل المعارف والعلوم التي تكاد تغرق الإنسان المعاصر وتهلكه في دوامتها المرعبة!

فبارقة إلهامية لدنّية واحدة إذا ما برقت في سماء النفس، تساوي جميع الأفكار التي حاول الآخرون حشرها في أذهاننا خلال سني أعمارنا.. فما من فكر عظيم إلا وهو قدْحة من قدحات هذه اللدنّية الإلهية لتعيننا في ضعفنا على مصاولة أهوال الحياة، غير أننا بسوء فهمنا وشدة غرورنا نظن أننا بنينا الحضارات، وأقمنا المدنيات بقوة أفكارنا وشدة سواعدنا من غير معين أو دليل.. وهذا الظن هو الكفران بعينه الذي ينخر بأسس الحضارات وبأسس حضارة اليوم... فقوة أفكارنا ليست إلا مظهرا من مظاهر اللدنّية الإلهية وعظمتها، ومن هنا تتوضح أمامنا حقيقة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾(الكهف:65) فتأتينا على موج فكري موصول الجريان بيننا وبين عقل الوجود الأقدس، فيعطينا منها على قدر ضئالة عقولنا وقصور أفهامنا، وهي رغبة قدرية دافعة للإنسان لكي يشارك الأقدار في صنع عقل الإنسان ورسم مصائره في هذا العالم.

ففي قصة موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح كما جاءت في القرآن الكريم مصداق هذه المشاركة الحميمية بين القدر والإنسان في صنع الوقائع والأحداث.. فالعبد الصالح كان يد القدر في خرْق السفينة وقتْل الغلام وإقامة الجدار، فوُجوده في قلب الحدث رمز وإيماء إلى أن وجود الإنسان في هذا الكون مهمّ لا غنى عنه لما يمثل على هذه الأرض من فصول التاريخ البشري.!

فمن دون الإنسان لا يبقى أرض ولا مسرح ولا تمثيل ولا ممثلون ولا مأساة ولا ملهاة ولا تاريخ.!

فنفس هذا المسلم المثالي الطموح إذا ما تثقفت بالإسلام، وترقت واستنارت، علتْ على التوافه والصغائر، وطمحت إلى البطولة في الفكر والسلوك والعمل، فصارت محصنة عصية على الاقتحام، عصية على الاستلاب، فلا يمكن أن تهوي من هذا الشاهق البطولي إلى أي درك من دركات الهبوط.

فحقيق بصاحب هذه النفس أن يحرص على وجودها معه، فلا يفقدها أبدا، لأنها ستظل ملازمة له حتى دخوله عالم الخلود، لأنها هي النفس التي خاطبها ربّ النفوس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(الفجر:27-30).

فتاريخ هذه النفس على هذه الأرض إنما هو سجل حافل بوقائع كفاحها البطولي للخلاص من الفناء المطلق للعودة من جديد إلى ذروة الوجود المطلق، من البصر إلى البصيرة، ومن عينين محدودتي النظر إلى عينين روحيتين مطلقتي النظر، من المادي إلى غير المادي، من التقليدي إلى الإبداعي، من التسطح إلى التعمق، من سكونية الشواطئ إلى فوران الأعماق، من غلاظة الحس إلى رهافته، ومن تشتت المشاعر إلى توحدها... هذه هي النفس العميقة والشمولية التي يحفها الجلال ويغشاها الجمال، وهي وحدها الجديرة بالخطاب الرباني آنف الذكر.!