طباعة

محمد فتح الله كولن... هذا الحضاري الكبير

كتب بواسطة: أديب إبراهيم الدباغ نشط . شارك في الضاربون في الأرض

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

1-قارئ فكر

منذ قدومي إلى "إسطنبول" قبل سنوات وأنا أقرأ ما تُرجم إلى "العربية" من كتب الأستاذ "فتح الله كولن"، وأصغي بمزيد من الانتباه إلى تلامذته ورواده وخلصائه، وهم يستذكرون فيما بينهم ألمع أقواله وأفكاره، ويستشهدون بالكثير من أحداث سيرته فيما بينهم. فشغفهم به، وتعلُّقهم بفكره، يكاد يجاوز العادي والمألوف.

فخطبه ومحاضراته المسموعة منه شفاهًا أو المسجّلة على أشرطة "الكاسيت" تشكل مصدرًا من مصادر المعرفة الإيمانية عندهم، ونبعًا ثرًّا دائم الدفق والعطاء، يروون منه ظمأ أرواحهم وأذهانهم.

ولا أزعم -وأنا الغريب وطنًا ولغةً- أني قد أحطتُ بفكر الرجل الإحاطة المطلوبة، أو فهمتُ عنه الفهم الذي يغريني بالقول عنه دون التوجس من الإفراط هنا أو التفريط هناك، ومع ذلك أجد في نفسي دافعًا يدفعني لكي أحاول جهدي أن أرسم بعض ملامح فكره مهْما بدت هذه الملامح قاصرة أو دون الغاية المرجوة.

2-حضارة مهجورة

وإن أنا أردتُ أن أصفه بكلمات قليلة أحرص أن تكون صادقة ومعبرة أقول: إن هذا الرجل إنما هو لسان حضارة مهجورة ومغيبة تبين عن نفسها بواسطة قلمه، وإن فكر هذه الحضارة، وعقلها الباطن، وعالم وجدانها، وزمانها المفجع والموجع، كلُّ هذه الصور يمكن مشاهدتها منعكسة في كتاباته ومقالاته وخطبه ومحاضراته، وهو يرى أن ما بين الجوهر الإنساني النقي وجوهر هذه الحضارة ارتباطًا حميميًّا ومصيريًّا، بحيث إذا مات أحدهما مات الآخر، فهما يحييان معًا ويموتان معًا.

3-آلام العبقرية

و"فتح الله كولن" عبقرية غلاّبة لا شك في ذلك، ولكنها عبقرية حزينة بعض الشيء غير أن حزنها عذْبٌ وبنَّاء ومعطاء؛ فأي يقظة ذهنية إذا ما اتّسعت وأخذت أعظم مدياتها صاحبتها آلام روحية وجسدية عانى منها "فتح الله كولن" السنين الطوال. ومع كل هذه الآلام فإن تفكيره في ارتفاع دائم، وشعوره بالقوة والحيوية لا يوصف، ومغالبته لأوجاعه وآلامه أمر يكاد لا يُصَدّق... فحيويته العظيمة ناجمة من غبطته بإنجازاته في الفكر والحياة، وشعوره بأنه يستنهض حضارة من تحت ركامات القرون، وأنه يبعثها بقيمها الروحية الجديدة على ما هو سائد في هذا العصر من قيم.

لقد كان من همِّ أرباب الفكر والقلم بالأمس واليوم تشخيص أمراض هذه الحضارة وبيان أسباب ما أصابها من ضعف وهزال، أما "فتح الله كولن" فقد كان يعرف أن قوة عظيمة موجودة في أعماقها، وأنّ مِن واجبه وواجب كل صاحب قلم أن ينبش التاريخ ليبحث عنها ويستخرجها من بين مدافنه إلى نور الشمس والحياة.

4-هذه الحضارة

وهذه الحضارة التي ينشدها "كولن" ويبشر بها، جديدة كل الجدّة على السلوك الإنساني المعاصر في تنكره لعملية "الخَلْقِ والخُلُق" في مصدرهما الإلهي، فهو -أي هذا السلوك- غارق في الحسيّات إلى حدّ مخيف مما يشكل نوعًا من الحجر على انطلاقات الفكر والروح إلى ما وراء هذا العالم، بينما لا يرى "كولن" حدًّا فاصلاً بين المعرفة بالإنسان والطبيعة وما وراء الإنسان والطبيعة، وهو يرى أن علماء الطبيعة مرشحون دومًا ليكونوا في طليعة المستجيبين لنداء الروح والإيمان إذا ما صدقوا مع أنفسهم وأصغَوا جيدًا إلى فطرهم. ولن نكون مغالين إذا قلنا: "كولن" صوت حضاري يبشر بقدوم عصر حضاري جديد يتربّع على القمة منه فكر إيماني، يسعى "كولن" اليوم لترسيخه في الأذهان فيما يكتب ويقول.

ويرى "كولن" أننا نموت مرتين، مرةً عندما يحين أجَلنا المقدَّر والمكتوب، ومرة أخرى عندما يموت أيُّ معلمٍ من معالم حضارتنا الإسلامية، فيموت معه جانب من جوانب الوجدان الديني في دواخلنا، فنزداد بؤسًا عقليًّا وافتقارًا حضاريًّا.

إن اللهب الحضاري الذي كان يتعالى ويتألق في آفاق الدنيا، أطفأتْه -للأسف الشديد- نفخات هائلة ومتتابعة من أفواه كثيرة من الداخل والخارج، فأقفرت هذه الحضارة من المعاني الكبرى والعظيمة التي كانت تزخر بها وتفيض بها على الآخرين... فالعقلانية الحضارية لا يبعثها من مواتها من جديد فينا إلا بارق روحي حارق وخارق يزلزلها ويبتعثها من عالمها الدفين.

5-العقل السليم

و"العقل" الذي تمدّه الروح بطاقات التفكير، هو الذي يصنع "العلم"، لأنه هو وحده يستطيع أن يستكشف ماهية الأشياء وعللها ومن أجل هذا "العقل السليم" ومن أجل الإشراف على تربيته وتدريبه على التفكير... تبنّى "كولن" مشروع بناء حاضنات لهذا العقل، وهذه الحاضنات هي المدارس التي يشجّع على إنشاء الكثير منها في "تُركيا" وخارجها، ولكنه يأبى لهذا العقل المسلم البِكر أن يُطعَّم بعتيق من أفكار ما يُسمى بـ "عصر التنوير" الذي يضع حدًّا فاصلاً بين الدين والعلم، بل لا بد لهذه الحاضنات أن تبدأ مع هذا العقل بداية جديدة كل الجدّة. فتزوّده بنظرة شمولية ترى في الدين والعلم وجْهين لعمْلة إلهية واحدة لا تنقسم... وعلى هذا المفهوم يريد "كولن" أن يُقام صرحنا الحضاري الآتي:

6-الإسلام والانبعاث الحضاري

و"كولن" يعتبر الإسلام مصدرًا من مصادر التنوير الفكري فضلاً عن كونه دينًا من الأديان؛ وأنه انبعاث حضاري، لأن من أعظم خصائصه تدريب المؤمنين به على التفكير بالعالم واستقرائه واستبطانه كشاهد على الله تعالى. وليس كالمسلم أحد يدفعه تدينه إلى مناقشة الطبيعة والكون لإدراك مراميهما والفهم عنهما، فصِلاتنا بهما -كمسلمين- عملية مستمرة يأمرنا القرآن بعدم الانقطاع عنهما ما دمنا ندرج على هذه الأرض.

و"كولن" يريد من وراء ما يكتب أن يعطي "نفس المسلم" شكلاً معينًا ومتميزًا ومرنًا، بحيث لا يجد حرجًا في التناغم مع روح أي فكر حضاري يمكن أن يقدم البشرية خُطًى إلى الأمام من دون أن يَمَسَّ أصول عقيدته ودينه، فلا يغدو في نظر الآخرين روحًا غامضة شبحية تثير التوجس والرعب والاستنكار من قِبَلهم... إنه يخاطب أهم جزء فينا، ألا وهو الجزء الخلاَّق الذي تعطل عن العطاء منذ زمن بعيد لتجنّبه العذابات الذهنية المؤججة للأفكار، والباعثة للإرادات.

كما أنه لم يتوقف لحظة عن السعي من أجل توطيد مفهوم "اللانهاية" و"الخلود" في الأذهان القلقة والمترددة من الذين سقطوا في هاوية فوضوية روحية مفجعة.

7-التاريخ عند "كولن"

فالتاريخ عند "كولن" ليس بمجرد أحداث ووقائع، بل هو نوع من أنواع التربية الروحية والسلوكية، يحتاج المسلم أن يتعمقها ويتعقلها ويعتبرها...فالاستعانة بتجارب الماضي ليس من أجل الإشادة به فحسب، بل من أجل البرهنة على أن الإنسان هو المحراب الكبير الذي يتعبد فيه التاريخ لخالق الزمان، وأن ما يعانيه المرء من محدوديات عقلية وروحية يمكن التخلص منها بتحوله إلى رحالة جَوّال في لاَنِهائيات العالم والتاريخ، فيزداد خصبًا وسعة وإدراكًا. فالنفاذ في هذه اللاّنِهائيات تعينه على تلمس عمل الأقدار في رسم خارطة الزمان البشري على هذه الأرض، وهذا هو ما حاول "كولن" البرهنة عليه من خلال كتبه.

فالتاريخ -عنده- ليس من صنع الإرادة البشرية وحدها، بل لا زال "فلاسفة التاريخ" يتلمسون من خلال أحداثه الكبرى أصابع القدر وهي تعمل في الخفاء جنبًا إلى جنب مع هذه الإرادة، فلا يستطيع رصدها إلا أصحاب الأرواح الكبيرة من كتّاب التاريخ... كما أن الحضارة لا تدرك الهوة التي تردّت فيها إلا عندما تكتشف قصورها المعيب في الحفاظ على إنسانية الإنسان من الهجمات التي تتعرض لها من أصحاب الهمجيات الفكرية والروحية التي تعيث في الأرض فسادًا.

8-المستوى الإدراكي لدى المسلم

إن إدراكاتنا الذهنية تظلُّ في مستويات من التسطح والضحالة ما لم نتعلم كيف نلازم الأفكار السامية التي ينهضنا إليها الدين.

ففكْر "كولن" بمجمله محاولة جادّة من أجل إعادة بناء الهيكل العقلي والروحي للمسلم الجديد. إنه يريد تأهيله ليصبح الطليعة المرتقبة للزحف الحضاري القادم. فبذَل جهدًا كبيرًا ليُعرّف المسلم بنفسه التي عمل الآخرون على إخفائها عنه، وتغييبها في "المحدوديات" و"الحسيات"... بينما يريد منه "كولن" أن يكون وثّاب العقل والروح، فلا تشدّه الحواس، ولا تستنزفه "العاديات" من الأشياء.

لقد أقفر فكر المسلم وتسطح عندما انكفأ ليعيش في أضيق زوايا وجوده، ولم يعش بشكل جيد وجوده العريض المضاهي للوجود الأكبر في امتداده وحيويته واتساعه واحتوائه على عوالم فكرية وفضائيات روحية لو عاشها كما ينبغي لسابق الزمن وسبقه، ولارتقى على كل فانٍ ومحدود، ولأتى أبواب الأبدية والخلود.

فـ "كولن" يرى في التأكيد على الذات، والكشف عن الهوية الحضارية للأمة، مفتاح كل عمل نهضوي، وكل جهد فكري من دونهما باطل ووهم وخداع... فهو ينبّهنا إلى أننا نعيش في خطر عظيم حين نُدفع إلى خضم فكرٍ موّاجٍ لا يقودنا إليه رجل حضاري ورساليّ في الوقت نفسه ليكشف لنا عن مستويات من الهدفية الإلهية أعمق وأوسع بكثير مما عرفناه عنها، ومن أجل هذه الهدفية التي تشعرنا بمغزى وجودنا، لكي نُصْهر في بوتقة التطهير الإدراكي لنتشكل من جديد كطلائع حضارية قادرة على تحمل مسؤوليات التغيير الحضاري المنتظر.

9-التغيير المنتظر

غير أن "كولن" يرى أن التفكير العقلي الخالص ليس بكافٍ وحده لإجراء هذا التغيير المنتظر، بل لا بد من الإيمان بأننا -نحن البشر- ننتمي إلى نظام كوني محكم ودقيق، وأننا جزء لا نتجزأ منه، وإلا سهل وقوعنا في مصائد من يريد أن يسلبنا شخصيتنا ويفرغنا من هويتنا، فكما لا يستطيع أحد أن يسلب الكون شخصيته المتفردة، أو يفرغه من هويته الإلهية، هكذا ينبغي أن يكون المسلم مستعصيًا على أي عمليات استلابية يمارسها الآخرون تجاهه.

لقد عشنا حقبًا كثيرة من تاريخنا ونحن نعاني من لصوصيات فكرية تعمل على استلاب جوهرياتنا الإيمانية والإنسانية حتى أُفْرِغْنا من ثقلنا الإسلامي الذي كان يحسب له العالم ألف حساب لقرون عدة، وصرنا -للأسف الشديد- هشيمًا تذروه رياح التغيير من أينما هبّتْ وفي أي مكان صبَّتْ. وإنه لأمرٌ بالغ الخطورة أن نبقى نعاني من غثيانات روحية لعدم قدرتنا على تنقية الأجزاء الأعماقية من وجودنا مما تراكم فيها من نفايات العقول وغسلين الأرواح الميتة.

10-الجبال البشرية

إن الجبال البشرية ذات الامتدادات الكونية، هي الأوتاد النورانية التي تمسك الأرض من أن تصاب بـ "هستريا" "اللاّمبالاة"، وتمنعها من الانفلات والذهاب في الفضاء إلى غير غاية. فالأرض قد تبدو جنونًا محضًا إذا هي خلت من هؤلاء الأوتاد الذين يأتون بالدرجة الثانية بعد الأنبياء عليهم السلام، فعليهم تعول البشرية في تصحيح مساراتها والتأشير إلى أخطائها، وحلّ عقد مشاكلها وإبقائها على قيد الحياة العقلانية المنضبطة.

وإني لأظن أن "كولن" واحد من هؤلاء الأوتاد في "تركيا" اليوم، ولا أزكّيه على الله، فالله تعالى هو المزكي وهو الأعلم بمن يأتمنه على دينه ورسالته ليؤديها كاملة غير منقوصة إلى العالمين. غير أن تأثري بعظمة روح الرجل -وبيني وبينه مسافة آلاف الكيلومترات- أشدُّ وأعمق من تأثّري بكتاباته. لقد كنت أتابع حركة روحه من خلال الأسطر والكلمات وأتلمس ما يحدثه هذا الروح العظيم من أثر في كياني الروحي، فأجدني منجذبًا إليه انجذاب الساقية الضحلة إلى البحر الكبير والعظيم...![1]

[1] أحيل القارئ الكريم إلى كتابيه العظيمين "ونحن نقيم صرح الروح" و "ونحن نبني حضارتنا"، فقد كان تعويلي عليهما في كتابة أفكار هذا المقال.