طباعة

فتح الله كولن: داعية الإيمان ورجل الأمن والسلام

كتب بواسطة: أديب إبراهيم الدباغ نشط . شارك في الضاربون في الأرض

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

"فتح الله كولن"، مفكر تركي معاصر؛ رفيع الفكر، وَضَّاء الروح، سامي الضمير، يقظ الفؤاد، مَوَّار الذكاء، خصب العطاء، ذو روحية دينية عميقة وواسعة، غير تقليدية ولا نمطية... ترتفع مصعدة حتى تلامس أصفى ما في سماوات التصوف من نقاء، ثمَّ تعود لتتسلق أعلى درجات الفكر، وأسمى ما وصل إليه العقل عن علاقة الإنسان بالكون والطبيعة والحياة. إشعاع قواه النفسية والفكرية إلى مَن حوله يزيدهم ثقةً به، والتفاتًا إليه، وتقربًا منه؛ وعلى الرغم من أنَّ أعماقه فوَّارة بالأسى على حال المسلمين غير أن فكره يفيض دومًا بالضياء الهادئ الجميل ليصبح أنسَ الخائفين، وهديَ التائهين، وقوتًا لجوعى الأرواح، واصطلاءً لمقروري الأنفس، ونورًا لديجور القلوب، وفجرًا لليالي العقول..

ذو ملكة إيمانية تملك عليه أقطار نفسه، وجوانب فكره، تجدها ظاهرة واضحة الظهور في كتاباته إذا كتب، وفي أقواله إذا قال، أو تحدث أو وعظ... إننا نستطيع أنْ نتخيله مجردًا من كثير من خلائقه، ولكن يستحيل علينا أَنْ نتخيله مسلوبًا من ملكته الإيمانية، لأنها جزء من نفسه، وقطعة من كيانه، وشطر من قلبه، وفلذة من فلذات روحه، مفطور عليها، ومولود بها، تصحبه ويصحبها.. إذا حزبه أمر، ونزلت به النوازل، وادلهمتْ عليه الخطوب، آوى إليها، وبها اعتصم؛ فإِذا به رابط الجأش، واسع الصبر، قوي الاحتمال، مع إمعان نظر، وعِظَم ثقة، وطيب نفس، وبسمة أسف وأسى.. ركين لا تهزه العواصف، ولا توهنه الأزمات.. عنه يأخذ الآخرون العزائم، فيشدُّ عضدهم، ويزيد من صلابة إراداتهم.

في طوايا روحه قوة خافية لا تنكشف إلاَّ عند الحاجة إليها، إنها قدرة وقوة محيرة، فلا نعرف أيَّ أنواع من القدرة هي، أهي قدرة على الخلق والإبداع، أم قدرة على العزيمة والمَضاء، أم هي قدرة جَذَّابة تجذب البعيد حتى يقترب، وتطوي القريب حتى يلتحم؟! وهي في كل الأحوال تشي بعبقرية الرجل، وتنبّئ عن عظيم إنسانيته.

والأستاذ "كولن" شمولي الفكر، وسيع النظر، عميق الإدراك، مستقبلي التوجه، عظيم الرجاء.. يرى في "الدين" لبَّ الحقائق كلها، وعصارة روح الكون، ونبضات قلب الوجود، ومرايا لعرش الله تعالى.. إنَّ من حق هذه الحقيقة على الإنسانية -وهي بهذا الشأن العظيم- أنْ تلزم الكفاح من أجلها، والدفاع عنها، وإحاطتها بالقداسة والتعظيم، وأنْ تجعل منها نبراسًا ومنارًا يهديها إلى الحق ويأخذ بيدها إلى الصراط المستقيم، والطريق القويم.

فما مِن أحد غالب اليأس مغالبته إيَّاه، وما من أحد ابتعث أسباب الرجاء ابتعاثَهُ لها... لا يُساوِمُ ولا يُسَاوَمُ، يُجَدِّدُ ولا يُجَدِّفُ، لا يرفو المعثوث، ولا يرقِّـعُ المخروق، بل يصهر الإنسان في بوتقة فكره ثمَّ يشكل من المعدن البشري المصهور إنسانًا جديدًا هو فوق الإنسان، ودون الملاك.

إنَّه إنساني النـزعة، يحب الإنسانَ من حيث كونه إنسانًا، ويشفق عليه، ويخدمه، ويبكيه مُرَّ البكاء، ويسعى للتخفيف من آلامه وأحزانه، ويَدُلُّهُ على مناحي عظمته الغائبة عنه، ويربأ به أن يعادي نفسه، ويحطم ذاته، ويشتت شمل فكره.

والأستاذ "كولن" وَقَّافٌ عند "النَّص الديني"، لا يغادره حتى يشبعه درسًا وتفسيرًا وتأويلاً... المنقول والمعقول عنده متلازمان، يقيس الغائب على الشاهد، والمعنوي على الحِسِّي، وما وراء العالم على شبيهه ومثاله من العالم نفسه... إنَّه يَمُدُّ الإنسانَ بمَجَسَّات جديدة، يَتَحَسَّسُ بها حقائق الأشياء في ذاته، وذات الكون والحياة، وهذا الذي نقوله نلمسه في أكبر كتبه وأصغرها على حدٍّ سواء... فقد كان يعالج قضايا غاية في التعقيد، وغاية في الانحراف، غير أَنَّ انفعاله لم يؤثر على اتّزانه العقلي، وعلى ركانة قلمه، ومع ذلك لم يمنعه من انحدار دمعه الذي يحمل من الإشفاق والرثاء للإنسان ما تحمله قطرات البحار من ثراء شجي، وحزن أسيف، على غرقاها من بني البشر.

ففي كتابه الشهير "طرق الإرشاد في الفكر والحياة" يعزو "كولن" غالب إحباطاتنا إلى ضعف قدراتنا على الفهم الواسع والعميق لما ننوي القيام به من عمل... فأيُّ عمل لا يصح ما لم يصح الفهم عنه أولاً، فعسر الفهم يولد عسر العمل، ومن إشكالية ضعف الفهم تتولد أحلام اليقظة المفضية إلى التهويم في غمرة مشاريع خيالية لا تُسمن ولا تُغْني من جوع... وهكذا تتناسل الإحباطات بعضها من بعض، إلى أنْ يأتي اليوم الذي يفقد فيه صاحبها الثقة بنفسه وأنه لم يعد ينفع لفهم أو عمل.

لقد غدا واجبًا على المفكرين -كما يرى "كولن"- أن يستخدم كُلُّ واحد منهم فكره من أجل تنشيط القوة الإبداعية في روح الأمة من جديد؛ ففقْدان هذه القوة يجعل الأمة تفقد رغبتها في الإنشاء الفكري والبناء الإعماري، فيميل أبناؤها إلى الدَّعة والتبطل، والركون إلى التسلية والمجون، فلا يبنون ولا ينشؤون... فالفكر الحق لا يبلغ أسمى أهدافه إلاَّ بخدمة هذه القوة الإبداعية وتفعيلها في كيانات الأمة، لكي تستطيع مسابقة الزمن، ومسايرة العصر... فالحياة المَعِيشة ينبغي أن تشكل لنا سؤالاً مؤلمًا وقاطعًا يتطلب منّا جوابًا قبل ممارستنا لأسباب الحياة، وهذا الجواب هو ما يحاول "كولن" الدعوة إليه من خلال كتبه وأفكاره..

فهو يرى أنَّ الأمة التي تخاف تبعات وجودها أمة لا تستحق أنْ توجد، لأنها تظلُّ منكفئة على نفسها، تستذكر الخوالي من أيامها، والأمجاد من ماضيها، دون محاولة منها للإضافة والتجديد... فأيُّ صاحب قلَم إذا لم يكن قادرًا على الإتيان بما يؤجج الحيوية الخامدة في قرّائه فأَولى به أن يكسر قلَمه، ويهريق مداد دواته، لأنه يضر أكثر مما ينفع... فالأقلام التي لا تدفع قرّاءها إلى اقتحام غمرات المجاهيل في الفكر والحياة، والمضي إلى أبعد مناطق الروح، وقارَّات النفس، فإنها أقلام مثلوّمة كسْرها أنفع من جبْرها..!