الفصل الأول: الوعي بالتاريخ ودوره في إحداث النهضة

فهرس المقال

الفصل الأول: الوعي بالتاريخ ودوره في إحداث النهضة

ليس كولن قارئًا للتاريخ، ومتأملاً لوقائعه ونواميسه وحسب، ولكن هو-بالإضافة إلى ذلك- مفاعل عضوي، متوغل في تفاصيل الواقع الاجتماعي والثقافي والروحي للأمة، وقائد منخرط بلا هوادة في عملية صوغ راهنها ومستقبلها، يصبح ويمسي على همومها، يهيب بالرأي، ويستجيب بالمقترح، ويسعف بالدعاء، ويدعم بالتعبئة والمدد، يقتدح الزند، ويولد الفكرة التي تسد الثغرة، وتملأ الفراغ، وتشد الأزر، وتنتصب إنجازًا يسهم في تسريع الانطلاقة.

لقد صار بهذا التجند المحض شحنةً من صميم ذرات التيار، تشق المجرى، وتصنع التاريخ، لا مجرد حجرة مغمورة في الأرض يدحرجها السيل، أو يلفظها على الضفة.

يختلف كولن عن دعاة العصر في كونه يتموضع ضمن صفوف الجماهير، وفي الآن نفسه يتموقع طليعة الحداة، بعيدًا عن الأضواء، يعارك في صمت القانتين، ويناجز في صبر المجاهدين، يتساءل غيره من دعاة الماركوتنغ: كيف مرت الحصة المتلفزة، وكم كان عدد مشاهديها، ويسأل هو: كم مسلمًا استفاد من المنشأة؟ وكم فردًا استفاد من المنجز؟ وكم علينا أن نبذل وننشئ وننفذ لنؤدي حق الأمة والإنسانية علينا في هذا الصقع القصي، أو في تلك البقعة المجهولة.. منشؤه في تركيا، هيّأه لأن يكون بهذا الحجم من الإحساس بالتاريخ، والانجذاب إلى قراءة صحائفه، والاتعاظ بعِبَره ووقائعه.

والحقيقة أن تركيا ليست إلا جغرافية وجدانية مفتوحة على التاريخ، تنتصب عبر حواضرها وأرجائها معالم الماضي المجيد، ومفاخر الأمس التليد، شامخة عازمة كأنها توقيعات سلطانية على قرطاس. أضرحة الأولياء، ومساجد الصلاة، ومزارات العُبَّاد، ودُور التكايا والكتاتيب، ومنازل العلماء، ومراسم الصالحين.. آلاف المشاهد والمواقع الناطقة ترسو على السطح، وتتجذر في تربة ذلك الوطن المفتاح.. فلا عجب أن تشتحن روح الداعية كولن بكل هذا الإكبار للتاريخ، ولأهميته في صنع الهوية ووسم الذات.

لا بد أن الاستعداد والقابليات التي هيأته للنبوغ، قد انصقلت بذلك التراث العارم للحضارة الإسلامية، الماثل على أرض تركيا، والمؤثر بقوة سلطانه المعنوي على شخصية الأتراك.. فمادة ذلك الرصيد الفذّ، ظلت بمثابة الصوت القدسي المنبعث من خلف أستار الزمن، يرنُّ في سمع كولن ويملأ جنبات كيانه؛ إنه صوت الرُّفْقة الميامين، رفقة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- المنبثة أضرحتهم في الفضاء من حوله، علامات سُنّية تحيل على زمن النبوة، فحيثما سِرْت في أرجاء الأناضول واجهتك المواقع تترى، ترتل عليك صفحات من الاستبسال والفداء، سطّرها الصحابة ومِن بعدهم التابعون، نشرًا للإسلام وبثًّا لدعوته في الآفاق.

ولقد كان من قَدَر بلاد الأناضول أن تكون الجسر الذي طفقت ترابط عنده الجيوش الإسلامية منذ العهد الأول للدعوة، سواء في توسعاتها نحو مناطق شرقي آسيا وآسيا الوسطى، أو حين راهنت على بلوغ أوروبا، وتخطِّي شواطئ البحر الأسود، متطلعةً إلى تلك البلاد التي ظلت حدودها مصدر تعدٍّ وتهديد للإسلام.

لقد تناثرت مجالي الحضارة وآثارها الرائعة عبر أرجاء تركيا، الأمر الذي جعل للإسلام حضورًا ذا سلطان على نفوس الأتراك؛ بحيث تتابعت الأجيال وشعورهم بالانتماء يتقوى، والرابطة العضوية تتأصل، وهو ما عبَّأَ الروحَ التركية بعقيدة تجاوزت مستوى الانتساب إلى مستوى الوصاية، لا تفتأ علاقة التماهي تتعتق وتتجلى مع القرون؛ إذ قامت المعالم والتُّرَبُ والقبور بدور الذاكرة الحية التي تفتأ تشحن الأجيال بحرارة الإسلام، وتمكن لديها العقيدة.

كما هناك تلك السمة السيميائية المتمثلة في هذه المنظومة من المساجد والجوامع العتيدة التي تشامخت، وتربعت على رُبَى وهِضَاب المدن والحواضر التركية، كتقاطيع حُسْن أصلية ازدادت بها الطلعة بهاءً ورونقًا.

  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.