الفصل الثاني: المعمار وشخصية الأستاذ النهضوي

فهرس المقال

الفصل الثاني: المعمار وشخصية الأستاذ النهضوي

الأمكنة غير المعمورة بالإنسان -سيد الكائنات- فضاءات صماء، مجردة من الروح، لا هوية لها، إلا ما يطلقه الإنسان عليها من أسماء.وغالبًا ما تكون التسمية وصفًا للبعد التضاريسي، أو الموقع، أو القيمة والوظيفة، لكن ارتياد الإنسان للمكان، واستقراره فيه، يهيئ لظهور علاقة أُلْفَة مع ذلك المكان. وهذه الألفة تتعمق تبعًا لدرجة التواصل ونوعيته؛ إذ من ألوان التواصل ما هو حميمي، وما هو حاجيّ، وما هو كمالي، أو نفعي مادي، أو طقوسي روحي، إلى ما هنالك من أنواع الصلات التي تربط الإنسان بالمكان.

وإن الألفة مع المكان تولّد قابلية التماهي في المكان. وما أكثرها مشاهد الصالحين التي هي في حقيقتها مجرد مواقع اعتاد أولئك الصالحون على ارتيادها، أو الصلاة فيها، أو الاعتكاف داخلها؛ بل إننا نجد الناس يشيدون أضرحة لصالحين وزهاد ليسوا مدفونين على الحقيقة بتلك الأضرحة، إنما الاعتقاد فقط هو الذي يجعلهم يعطون تلك المواضع تلك الهالة والاحترام، فلكأنهم أودعوا هناك الروح أو آثارها الباقية التي تصوروا أنها علقت بتلك الرحبة.

إن هذا السلوك يؤكد الاعتقاد الذي يسود الثقافات، وهو أن أثر الروح ينطبع في البقعة والموقع والمعتكف الذي يلازمه الإنسان، فهي -من ثمة- باقية بذلك المعتكف حتى بعد أن تبرحه إلى بارئها.

وإن ظاهرة تحويل بيوت المشاهير من أهل الفكر والفن وغيرهم، إلى متاحف، إنما هو تقليد يترجم هذا الاعتقاد الذي يقطع بوجود علاقة من التماهي بين الإنسان ومتبوئه.

وكما يُسقِط الإنسانُ ظلالاً من نفسيته وروحه على المكان، كذلك يؤثر المكانُ بطبيعته الفيزيكية والوظيفية على الإنسان، ويترك عليه بعض صفاته، والفرقُ واضح بين إمام مسجد مثلاً، وبين عسكري. فالإمام يحمل شيئًا من سيمياء المسجد ووقاره، والعسكري يتصف بانضباط جو الثكنة وانغلاقها، والمتعامل يجد من الأحاسيس، ما يميز شخصية ذا عن ذاك.

ولا تزال أنواع التطور المادي والترقي الروحي تجد سبيلها من خلال التحولات التي يحدثها المكان في الإنسان، فالبدوي في استقراره بالمدينة يفقد خصائص كثيرة من بداوته لحساب التمدن، وساكن العشوائيات يتغير ولو على نحو شكلي، حين يُكتب له أن يسكن العمارة المهَيَّأة، بل إن القبائل في ماضيها تحولت من خلال الانخراط في حياة الروح، والتمرس بإنشاء المساجد وتعميرها، إلى أمم متحضرة ومحضِّرة. ولقد كان العرب أمة غير ذات شأن في التعمير، لكن الإسلام صهرها في بوتقة المسجد، (مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان في أول أمره سياجًا من أعواد الجريد)؛ إذ سلك بها طريق البناء والتشييد، ولم تلبث أن مَصَّرت الأمصارَ، وأنشأت الحواضر، وتبعها بعد ذلك أمم أخرى كانت في الأصل شعوبًا بدوية كما هو حال الترك؛ إذ ما إن دخلت تلك المجاميع القبلية الآسيوية في الدين المحمدي، حتى تحولت إلى أمة تنجز الحضارة، وتنشر التحضير في بقاع الأرض، وعلى مدار عهود العصر الوسيط.

وشأن الأفراد شأن الشعوب؛ إذ الإنسان حين يتخذ من الأمكنة المقدسة مثوًى ومثابة للإقامة، فلا ريب يكون قد هيَّأ نفسه ووجدانه للتحول النوعي، والترقي الجذري، والانصهار الراسخ في عوالم الروح، وذلك ما عاشه كولن بصورة معمقة ولا مراء فيها.

صلة فتح الله كولن بالمعمار صلة مداخلة وتحاور، وعلاقته به علاقة تواصل عضوي حميم، بل إن المعمار بالنسبة إلى الفرد التركي المعاصر بصفة عامة، ظل يمثل أظهر شرط وجداني حضاري، وأبرز مقومات التجسير بين الأجيال المعاصرة وبين ماضيها وأصولها وأصالتها.. وكما لبثت الفرعونية حاضرة عبر الزمن في الخَلَد الجمعي المصري من خلال شخوص الأهرامات، ومثلما استمر حضور تراث أثينا الأركيولوجي يغذي عزة الأجيال اليونانية إلى اليوم وإلى الغد، وعلى نحو ما تجد كل قومية دواعي شموخها وامتلائها المعنوي في ما ينتصب حيال أجيالها من مآثر ومنجزات تجسد عراقتها في التاريخ، كذلك ظلت المساجد والتكايا والقصبات العثمانية، بفن معمارها العظيم، مصدر إشعاع وبثٍّ، تُفاعل بواطن الأتراك ومشاعرهم، وتوطّن فيهم روح الانتماء، وتعزّز لديهم آصرة النسب المحمدي الذي سعت الردة إلى الحيلولة بينهم وبينه.

  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.