طباعة

التراث الخطابي

كتب بواسطة: محمد أنس أركنه نشط . شارك في فتح الله كولن.. جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إن فهم حركة فتح الله كولن وهدفِها مرتبط بإدراك مفهوم ثقافة "الصحبة" (أي الدروس الدعوية) والخطابة والحديث الشفوي في العالم الإسلامي، وإدراكِ طبيعة هذه التقاليد وهذه العادات.

إذ كانت المحادثة والخطابة من أهم وسائل نقل الثقافة منذ ظهور الإسلام. وكانت منظومة الفكر الإسلامي الموضوعةُ من قِبل المدارس التقليدية تُنقل عن طريق الخطابة والمواعظ و"المجالس الدعوية" والمساجد إلى الجماهير العريضة. وكانت المساجد هي المراكز الطبيعية لهذه الوسائل، حيث كانت بمثابة مراكز إنتاج الثقافة الإسلامية على المستوى الجماهيري والشعبي، فظهر فن الخطابة بخطوطه الأصيلة في هذه الأماكن. كما كانت المساجد أهم عنصر في الحضارة الإسلامية وفي ثقافة المدينة، لأنها كانت نقطة الْتقاء جماهير المدينة وجماهير السوق، أي كانت تقوم بدور مهم في تشكيل الثقافة الإسلامية وعجنها.

إذن، فإن البيئة التي نشأ فيها فتح الله كولن، هي هذه البيئة. فهو كان -قبل كل شيء- خرّيجَ المدرسة الدينية، وكان يعيش حياة متداخلة مع الجامع ومع الجماهير الواسعة التي يؤمها. وكان الانعكاس الاجتماعي للفكر الديني ولطراز الحياة والعقيدة يدور حول هذا المحور. وهو يقول بأنه في السنوات الأولى من دوامه في المدرسة الدينية، عندما صعد كرسي الوعظ ليلقي أول موعظة له، كان الكرسي أطول من قامته.

عاش منذ صغره حياة يطبعها طابع الحيوية والحركية والحساسية والدقة، وقد انعكس هذه الحماسة على خطبه التي كان لها طابعها الخاص به. وعندما صعد المنبر اكتشف التأثير الإيجابي للوعظ على الجماهير منذ عصور عدة. وقد نذر نفسه وهمته لاستعمال فن الخطابة كواسطة للإرشاد والتبليغ، ولإثارة مشاعر الجماهير فيما يخدم المجتمع والدين والملّة. وأظهر بقابليته الفذة في الخطابة، مدى فاعلية "الكلمة" وتأثيرها، حيث كانت هذه الفاعلية تاريخية وعاشت عصورًا عدة.

لعل الخطابة كانت أهم جوانبه انعكاسًا إلى الخارج. فالعديد من الناس لا يعرفون عنه سوى أنه خطيب مفوه. ولسنوات طويلة قد ظلت جوانبه الأخرى كالعلم والعرفان وقريحته الواسعة معمورة في ظل هذه القدرة الفذّة على الخطابة. بينما كان يملك معرفة واسعة في العلوم الإسلامية وفي العلوم الغربية المعاصرة. ولكن هذه القابليات بقيت في السنوات الأولى من نشاطه كجوانب غير معروفة. ثم بدأت مقالاته وأشعاره تظهر في مجلات مختلفة. واهتم لسنوات طويلة -إلى جانب العلوم الدينية- بالعلوم الحديثة أيضًا كالتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأدب والفن. وكان يستعمل هذه العلوم بنسبة حاجة الجماهير للتثقيف والإرشاد أي استعمل هذه العلوم كواسطة للتبليغ.

هناك الشيء الكثير الذي يمكن أن يُذكر حول قابلية الخطابة لدى الأستاذ فتح الله كولن، ولكن نستطيع أن نقول باختصار بأن "قوة الكلمة" التي همدت منذ زمن ونامت، قد بُعثت من جديد واستيقظت بفضل أسلوبه الحماسي الجديد وطابع إخلاصه.

بدأت وظيفته الرسمية للمرة الأولى في عام 1959م، عندما فاز بالامتحان الذي رَتَّبَتْه "مديرية الشؤون الدينية". ودامت هذه المرحلة ثلاثين عامًا قضاها إمامًا واعظًا ومدرسًا للقرآن الكريم وإداريًّا. فقد عمل واعظًا في محافظات؛ "أَدِرْنَة"، و"كِيركْلارْ أَلِي"، و"إزمير"، و"أدرَمِيتْ"، و"مانيسا"، و"جَنَقْ قَلْعَة" وغيرها. وفي هذه المرحلة من وظيفته الرسمية كواعظ، تشكلت تجربته الأولى وممارساته وحواره وعلاقاته مع الجماهير.

وبفضل قابليته الفذّة في فن الخطابة وإخلاصه وقدرته في تحريك المشاعر الدينية والملية لدى الجماهير، وبفضل هذه الخطب والمواعظ، تجددت آمالُ وحماسةُ الجماهير التي كانت قد همدت منذ زمن طويل. لقد رجع الآلافُ بل عشرات الآلاف من الناس إلى وعيهم في جو هذه الخطب الدينية، واكتسبوا الثقة بقيم حضارتهم.

بدأت النشاطات الأولى لـ"فتح الله كولن"، كشخص واعظ متنقّل يجوب المحافظات، إذ اعتُبر جانبه الخطابي واتصاله مع الجماهير ولقائه بهم من أهم السمات التي انعكست على الخارج منه. كان طعامه وشرابه وملبسه منسجمًا مع الموقف الاجتماعي والنفسي للجماهير التي يخاطبها. عاش وهو يهتم جدًّا بكل حركة تبدر منه، وبكل كلمة تخرج من فمه، ويتصرف بشعورِ شخص موضوع تحت المراقبة. لذا فهو يقظ على الدوام. ولا ينبع هذا من رغبته في الاحتفاظ بحسن ظن الجماهير المتدينة، إنما هو تصرفُ شخصٍ يشعر برقابة الله تعالى على كل حركة من حركاته، وكل كلمة من كلماته. فهو شخص زاهد وعابد و"درويش" على النمط الحديث. فالشعور بالعبودية هو الدافع وراء جميع تفاصيل سلوكه وتصرفاته ومشاعره وأحاسيسه العميقة، ووراء وقاره وهدوئه. فكل حركة من حركاته وكل طور من أطواره وكل تصرف من تصرفاته.. مدروس تمامًا ومنضبط ومعتدل.

بعد رياضة نفسية شاقة استغرقت أعوامًا عدة، تطهرت عنده جميع حالات الانفعالات البشرية غير المنضبطة وتصفت، ومرت جميع مشاعره من مصفاة هذه التربية. فنراه وهو في ذروة الحماسة في خطبه، وَقورًا مسيطرًا على نفسه، بينما نرى الكثير من الخطباء يفقدون السيطرة على أنفسهم في خضم شعورهم الحماسي وفي جو حماس الجماهير، وبعد أن تنحسر الحماسة تبقى هناك العبارات غير المناسبة التي تفوهوا بها، وتكون مصدرًا لإثارة المشاكل لهم؛ بينما كان الشيخ فتح الله كولن، حين يرتقي المنبر ينشر جوًّا من الوقار والجدّية فيما حوله، فلا يسمح لنفسه ولا للجماهير أن تبدر منه أو منها كلمة أو تصرف غير لائق. كان يشعر قبل خروجه أمام الجماهير بآلام تشبه آلام المخاض. وبالتالي يعتني عناية فائقة ألا يخرج من فمه أيّ فكر أو كلام لم يأت أوانُ ولادته. فمالم نفهم مدى قدرته على الخطابة، ومالم نستوعب أسلوب حياته الحساسة التي تشكلت حولها، فلن ندرك مدى تأثير هذا التراث الخطابي على مقومات الجماعة.

إن حركة فتح الله كولن شكلت منهجها وطريقتها المستقلة في نشاطها الديني والاجتماعي. والملامح الثقافية التي شكلتها هذه الجماعة ملامح أصيلة نابعة من نفسها مع كونها مرتبطة بالتراث.

وكلما زاد ارتباط فتح الله كولن بالجماهير ازداد اندماجه وترابطه بها، وتَعَرَّفَ على مشاكلها الدينية والاجتماعية والثقافية، حيث صَبَّ جل اهتمامه على إيجاد طرقٍ تُنقذ الجماهيرَ من الضيق أو الفوضى التي تعاني منها. وأدت هذه العلاقة الحميمة القريبة من الجماهير ومن مشاكلها الأساسية، إلى بحوث عميقة وجدية لإيجاد حلولٍ تخلص الجماهير من هذا الغموض الذي هي فيه. في هذه الأثناء اطلع على جميع التيارات الفكرية والسياسية في البلد وعلى الحلول المطروحة، حيث أمعن فيها النظر لمعرفة درجة صلاحيتها وواقعيتها. فتأملَها وفكّر فيها بعمق، ثم اتجه إلى مشاكل العالم الإسلامي ووجد الفرصة لتوجيه قريحته نحو عالم أوسع. ونتيجةً لرحلته الفكرية هذه، وَجد أن المشكلة في بلده وفي العالم الإسلامي أو في الحضارة الحالية كلها، هي "الإنسان" بحد ذاته وتعليمُه وتربيته وتدريبه.

وفي بداية السبْعينات حاول تطبيق خطته في التعليم والتربية على الطلاب الشباب، ثم في المدارس التي شجّع على إنشائها في معظم بلدان العالم. فانتقل بذلك من النظرية إلى التطبيق العملي.

وبينما استمر في عمله ومهنته واعظًا، بدأ من جهة أخرى بالقيام بترتيب دورات تعليمية ومخيّمات صيفية للطلاّب. وبدأ يؤكد في خطبه ومواعظه على أن الحاجة إلى بناء المدارس في هذا العصر، أمسُّ من بناء الجوامع، وذلك ليستنهض هممَ الناس إلى بناء المدارس والتعليم. ولكن سرعان ما جاءته انتقادات من بعض الأوساط المحافِظة، لأن هذه الأوساط كانت تهتم بالمشاريع ذات الأمد القصير، بينما كانت مشاريع التربية والتعليم ذات أمد بعيد. كما لم تكن هذه المشاريع من المشاريع التي تهتم بها هذه الأوساطُ بشكل مباشر. لذا فلم تكن على وعي بالآثار الاجتماعية العميقة لها على المدى البعيد. ونظرت أوساطٌ محافِظة أخرى إلى هذه المشاريع باستخفاف ولم تأخذها مأخذ الجد.

وقد حاول الأستاذ فتح الله كولن لسنوات عديدة في خطبه ومواعظه بشكل مباشر أو غير مباشر، إقناعَ الأوساط المحافظة بفائدةِ مشاريع التربية والتعليم، وخطا خطوات فعلية في هذا المجال ليكون قدوة لهم. كما بذل جهدًا كبيرًا في إقناع الأوساط الحكومية الرسمية أيضًا بأنه لا يستهدف من هذه المشاريع سوى مصلحة الجماهير وخدمة الروح والهوية الملّية، ولا يحمل أي هدف سياسي أو أيدولوجي. وقد كانت المؤسسة التي أنشأها لهذا الغرض مؤسسة مدنية أفرزها النشاط المدني. إذ لم يكن يوجد فيها أيّ تجمع أو أي معارضة سياسية. ولم تتوجَّه هذه المؤسسة إلى أي هدف يتعارض مع أهداف الدولة القائمة، ولا إلى أي غاية تتصادم مع القيم الرسمية للدولة. لأن الجهود كلها كانت موجهة نحو تعليم الشباب والجماهير وتربيتهم.

وقد بدا فتح الله كولن شخصًا من الأشخاص النادرين في التاريخ الإسلامي، الذي تَستمع لخطبهم ومواعظهم كتلٌ كبيرة من الجماهير من مختلف الثقافات والمشارب والأطياف.

وفي التسعينات قامت هذه المدارس -الابتدائية والثانوية- التي شجع على إنشائها في تركيا بالاشتراك في المسابقات العلمية العالمية، حيث أثبتت جدارتها في مدة قصيرة بالنتائج الجيدة التي حصلت عليها، والنجاحات الرائعة التي سجّلتها. كان هذا دليلاً على أن هذه المدارس أُرسيت على قواعد علمية رصينة. وبتعبير آخر كانت هنا إشارة إلى مدى نجاح مشروع التربية والتعليم الذي بدأه الأستاذ فتح الله كولن وَوَضَعَ على عاتقه مهمة إنجازه.

أصبح فتح الله كولن بفعالياته هذه ونشاطاته حديث الساعة في تركيا، وبؤرة اهتمام كبار موظفي الدولة ورجال السياسة المحايدين، والأكاديميين والأوساط المثقفة ووسائل الإعلام. وأصبحت أعوامُ التسعينات أعوامَ الانفتاح على العالم الخارجي من جهة، وأعوامَ إجراء الحوارات مع مختلف الفئات وبشكل واسع من جهة أخرى. فبدأ عهد حوار لم يحدث مثيل له في التاريخ الحديث لتركيا. بينما كانت تركيا قبل الثمانينات مسرحًا لنـزاعِ وصدام العديد من الحركات ومن التيارات الأيدولوجية. وقد قُتل الآلاف من الشباب في أثناء الصدامات التي جرت بين الحركات الشبابية. واهتزت تركيا من أعماقها بتأثير النـزاعات الأيدولوجية التي عمّت أيضا العالم كله. ولكن فتح الله كولن استطاع أن ينقذ محبّيه والجماهير العريضة التي كان يخاطبها، من الانزلاق إلى هذه النـزاعات والخصومات ويبعدَهم عنها. وأبدى في هذا الأمر عناية خاصة بصبر وتأنٍّ. وفي عام 1980م حدث انقلاب عسكري شاع في أعقابه هدوء كبير لفّ البلد.

لقد خسر البلد في الستينات والسبعينات ثلاثة أجيال، واستولى التعب واليأس على الناس. أما أعوام الثمانينات، فكانت أعوام قيام الحركات الفكرية والأيدولوجية بمراجعة نفسها ومحاسبتها. ولكن النـزاعات انتهت في الشوارع والساحات فقط، أما الرؤوس والأذهان فكانت لا تزال مملوءة ومقسمة بالحواجز الأيدولوجية. في مثل هذا الوضع الاجتماعي بدأ فتح الله كولن بإرساء ثقافة الحوار وقبول الآخر، وبثقافة إبداء المرونة والابتعاد عن التعصب. واستطاع أن يكون مقنعًا، لأنه كان معماريَ مشروعٍ على النطاق العالمي، لذا أصبح محط الاهتمام وموضوع الساعة.