طباعة

التجارب الأولى في طريق الحوار والتفاهم

كتب بواسطة: محمد أنس أركنه نشط . شارك في فتح الله كولن.. جذوره الفكرية واستشرافاته الحضارية

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

قام فتح الله كولن بعد ذلك بمحاولات وتجارب أولية لمشروعه الكبير لإرساء قواعد الحوار بين الحضارات. فقام بعقد اجتماعات بين ممثّلي مختلف الأفكار، وبين ممثلي مختلف أنماط المجتمع وأديانه، ومع الذين دخلوا في صراعات عملية فيما بينهم في الستّينات وفي السبعينات، والذين استمرت خلافاتهم في الساحات الفكرية والاجتماعية، وانقسموا إلى معسكرات مختلفة.. وَجد هؤلاء أنفسَهم يجلسون لأوّل مرة حول مائدة واحدة مع مخالفيهم في الرأي والأيدولوجية. وللمرة الأولى كانوا يرون مخالفيهم عن قرب ويتحدثون معهم. كان هؤلاء من الذين ربما شهر أحدهم السلاح في وجه الآخر في السابق، أو على الأقل قادوا تيارات مختلفة ومتعارضة من الحركات الشبابية. جلسوا حول مائدة واحدة وجهًا لوجه يتناولون الطعام ويسأل أحدهم عن أحوال الآخر.

صحيح أن الحديث كان في هذه اللقاءات الأولى لا يتجاوز كلمات المجاملة، ولكن كان هناك من بين الحاضرين من أعجب بهذه الاجتماعات، وبدت عنده أمارات الرغبة في إرساء القواعد الفكرية والفلسفية والاجتماعية لهذه الاجتماعات. وبمرور الزمن نتجت عن هذه الرغبة اجتماعاتُ مدينةِ "أَبَنْتْ" (Abant)، أو ما أطلق عليه اسم "مِنْبر أَبَنْت للحوار".

لم تعد هذه الاجتماعات اجتماعاتِ مجاملة، فقد شُكل هنا كادر علمي جاء أعضاؤه من مختلف الجامعات ومختلف الاختصاصات ومختلف المدارس الفكرية. وانقلب الصراع هنا إلى صراع فكري وعلمي.

لقد جاء هذا الكادر العلمي الذي ينتمي كل منهم إلى مدرسة فكرية مختلفة إلى هذه الاجتماعات لتأسيس ساحة مشتركة من التفاهم والعيش معًا في تركيا دون صراع. كان هذا دون شك مشروعًا كبيرًا لا شبيه له. كان فتح الله كولن ومحبّوه في أول الأمر هم الذين يديرون هذا المنبر، ولكن ما إن اتسع مجال هذه الاجتماعات ونطاقها حتى انقلب هذا المنبر -نتيجة اشتراك عدد كبير من المفكرين والعلماء في ساحات الفكر والعلم والقانون والسياسة- إلى منبر مشترك وإلى برنامج عمل. ولا يشغل فتح الله كولن سوى الرئاسة الفخرية لوقْف (جمعيّة) "الكتّاب والصحفيين" التي يقوم بترتيب هذه الاجتماعات وتمويلها، أي إن اجتماعات الحوار هذه أخذت قالبها المؤسساتي على يد هؤلاء الأكاديميين وأصبحت تحت تصرفهم.

وقْف (جمعية) الكتّاب والصحفيين: نحو حوار بين الأديان والحضارات

تأسس وقْف (جمعية) الكتّاب والصحفيين عام 1994. وكان لافتتاحه صدى كبير في وسائل الإعلام. حيث تأسس في البداية لتفعيلِ وتنشيطِ جو من الحوار وحسن النية. وكان هذا هو رأسمال الوقف في البداية. ولكن سرعان ما أعقبت اللقاءات على موائد الطعام فعالياتٌ اجتماعية وثقافية مختلفة. فقد امتلك الوقفُ مجلّتين ودارَ نشرٍ لإرساء القواعد الفكرية لاجتماعات "أَبَنْت".

إلى جانب هذا، بدأ الحاضرون في المآدب من مختلف الاتجاهات والانتماءات بتأسيس صداقات جديدة. ظهر -ولأول مرة- أن الفروق والاتجاهات المختلفة تملك جاذبية خاصة وسحرا متميزا، لأنه سرعان ما أدرك جميع الأطراف كيف أن الفروق والاختلافات ليست سوى وجه من أوجه الغنى والثراء. فأصبح ثمة تلاؤم وانسجام تام بين معتنقي مختلف الأديان. كان هذا أول حوار حار بين هؤلاء، لأنهم لم يروا منذ سنوات عديدة -بل ربما منذ عدة عصور- أرضيةً مشتركة للحوار مثل هذه الأرضية. لذا فقد أيّدوا هذه الحوارات بحرارة. ولعلهم لم يتوقعوا في البداية أن ينشأ جو كمثل هذا الجو الحار، ولم يتوقعوا أيضًا تحول هذه الحوارات التي جرت على موائد الطعام إلى حوارات بين الأديان والحضارات.

لقد مهدت الحياة العصرية للإنسان سبلا وتسهيلات كثيرة، ولكنها في الوقت نفسه زادت من مشاكله. ولعل من أهم هذه المشاكل هي التحريضات السياسية والإمبريالية التي تثير الخلافات بين الأديان والحضارات. وكانت العلاقات الدولية تتأثر سلبيًّا بهذه التحريضات. وأصبح السلام العالمي -الذي لم يتحقق أبدًا على الرغم من كثرة الحديث حوله- في خطر مستمر. لذا بدا أن الحوار بين الحضارات والأديان هو الأمل الوحيد للإنسانية.

هذه هي باختصار حصيلة خطب الأستاذ فتح الله كولن ومواعظه الجيّاشة التي وجهها إلى الجماهير الشعبية. ولا شك أنه لولا أُفقه الواسع، وحدسه القوي، وأسلوبه اللين الداعي إلى التعايش معًا دون نزاع، لَما حدثت هذه الموجة من الانبعاث والحركية. ولا نستطيع -طبعًا- إهمالَ التأثير القوي للتديّن الصحيح وللثقافة الدينية على كتل الجماهير.

وقد جرت نقاشات عديدة في وسائل الإعلام وفي الأوساط السياسية حول الهوية الدينية لـ"فتح الله كولن". لأنه لم يخطر على بال أحد أن يقوم شخصٌ محافظ ومتدين بمثل هذه الفعاليات وبمثل هذا الانفتاح الاجتماعي. ومَن يدري، فلعلهم لم يهضموا بعدُ مثلَ هذه الهوية الدينية. ولكن الخطأ الرئيسي لهؤلاء يكمن في أنهم حسبوا أن فتح الله كولن واعظ تقليدي مثل غيره من الوعّاظ الاعتياديين، لأنهم لم يكونوا يعلمون أنه -إلى جانب إلمامه بالعلوم الإسلامية الأساسية- كان ملمًّا بالفلسفة الغربية وبالعلوم الاجتماعية، ولا يعلمون قدرته على مزج الثقافات المختلفة في بَوتقة واحدة من أجل الوصول إلى حلول للمشاكل الاجتماعية للمجتمع المعاصر.

والخلاصة أن الأستاذ فتح الله كولن أصبح -وبشكل تدريجي- بنشاطه الإسلامي الاجتماعي وبقريحته النفاذة، مادة للدراسة من قِبل علماء الاجتماع والأكاديميين.