طباعة

البحث عن فرس إسطنبول

كتب بواسطة: أ.د. فريد الأنصاري نشط . شارك في فريد الأنصاري

تقييم المستخدم:  / 6
سيئجيد 

  إلى وارث السر الأستاذ "فتح الله گولن"  

هل غادر الغديرُ نبضَ صخرهِ؟
أم هل جفاه غاضبا سناءُ برقهِ؟
فأيْنَها.. تلك التي كانت هنا
ما بَين مائه وعطره؟
تشرب من أشعّة الندى...
وتلثم الثَّمر..!
أليس ههنا رأيتُها تسكن في معابر الشَّجر؟
وذات غفوةٍ.. تبددتْ أطيافُها خلف الرّبى..
كأنما امتطت شعاعَ الشمس ثم غربت
فأصبحت أفئدة الأشجار فارغة!
وأرسل الغديرُ بينها أغرودةَ الحَزَنْ!
قيل لي: مرّت بها الخُيول عند بابة السُّرى
وركضت يسكنها الصهيلْ!

وقيل لي: قد رُئِيَتْ عند المساء عاريةْ
تدخل بحر "مَرمَرَة"،
وتركتْ على الرمال حافراً مُرَقَّماً
وأثرا يشبه غصن شَجَرة..

يا سيدي البوسفور!
بِرَبِّكَ الذي بَرَاكَ بَين خافقَين!
تَنْقُلُ من رسائل المحبة السلامْ
أقسمتُ أن تضمّني إليكْ!
مرجانةً من نورْ
أو صَدْفَةً تُخرِج من لُؤلُئها
هديةً لها؛ لعلها تعرفني
فتشرق "إستطنبول" من جديد!
وقيل لي: قد خرجت من متحف قديمْ
واخترقت -يا عجبا- كلَّ العيون
وأنشدت على "أبي أيّوب" حزنَها
حتى بكى الحمامُ حولَها
واصَّدَّع السورُ القديم!
فلم يُعِرْهَا أحدٌ بعضَ الأسى..! ثم اختفتْ!
وقيل لي: قد رحلتْ.
وزعموا أن فتىً شاهدها تركض في "إِزمِيرْ"
ثم اختفت بين الكرومْ!
وَيْحي، أنا المعذب المجنونْ!
أكُلَّمَا التقطتُ من أخبارها خيطَ السّنَا
خطفه الظلامْ..؟
"وَلِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ من يبيعني
بها كَبِداً لَيْسَتْ بِذَاتِ قُروحِ؟"
"أبَاهَا عَلَيَّ النَّاسُ لا يشترونها
ومَنْ يشتري ذا عِلَّةٍ بِصَحِيحِ؟"

يا سيدي البوسفورْ!
تلك الرياح مزّقتني بين شاطئَيك موجةً
أو حيرةً من رجفة الخريفْ...
فأخْبِرَنِّي عن سفينةٍ
قد قيلَ لي: مرت هنا تحمل غابةً صنوبريةً
فلم تزل تمخر حُزْنَ البحرْ
حتى رست على مساء "التلّة العليا"
ثم ارتقت معراجَ ريحٍ عابرٍ..
واندثرتْ!
وقيل لي: بل غادرت إلى غروب "الدَّرْدَنيلْ!"
حيث الشموسُ لا تنام أبداً..!
وإنني أَذْكُرُ من غرامها حبَّ الشعاعْ
فلم تزل تقطف من سنائه وَرْدَ الصباحْ
حتى أضعتُ طيفَها وَاحَسرتي..!
بغفوتي!
يا سيدي البوسفور!

وذات ليلة رأيتها تصلّي فَجْرَهَا..
فقمتُ كالحصان راكضاً
حَتى أتيتُ حيَّ "فاتحٍ"
وقلت للإمام: سيّدي أنا المريدُ دُلَّني!
فقال لي: أفي الصلاة؟
يا سيدي! قلبي الذي قد كان وحدةً
مزَّقه حُبُّ البحار خفقةً فخَفقةً!
يا سيدي أنا المريضُ دلّني!
فقال لي: وَيْحك يا وجه الردى!
أأنت من يجيء من "فاسٍ" مهاجرا؟
يحمل في عينيه مَهْرَها؟
قلت: نعم؛ فأينَها؟
فقال لي: قدَرُكَ الأسفارُ تَتْرَى دونها يا ولدي..!
مآذنُ "إسطنبولَ" أيقظتْ دموعهَا...
فرحلتْ..!
وما لنا من أثَرٍ سوى الذي ترى!
وقال لي: ما من دواءٍ غيرُ دائها!

فاركبْ خيولَ الحزن إنها هناكْ
تعيش في "بَارْلاَ" وتشدو وَجْدَها
على غصون القَطرَانْ
فلم تزل بخلوة الأشجارْ
تَشْهَدُ ذَوْبَ الشمسِ في بحيرة الأسرارْ!

وقيل لي لربما تكون غادرتْ سرّاً إلى "إزميرْ"
لتقرأ الحروفَ خُفْيَةً
على سنَا الأقمارْ
في أسطر الكُرومْ
والتين والزيتون
يا سيدي الإمام دُلَّنِي!
فإنني أنا الحيرانُ بين أنجم السَّفَرْ!

وقيل لي -يا سيدي البوسفور- ربما تجيء من طريق "وَانْ"
تحمل من عبيرها ذكرى انجذاب الرُّوحْ
وتنثر الأزهار في الطريق للرياحْ
وقيل: بَلْ لِغَابَةِ "إسْبَارطا" جمالٌ يجذب الأطيارَ والأمطارْ..
فاركبْ لهاثَ القلب نحوها
فربما لَيْلاَكَ في سفوحها تحوطها الغزلانْ
مخطوفةَ الأبصارِ من جمالها..
وقيل لي: بل هي في "بُورْصَه"
تلتقط النجومَ والحجارةَ الكريمةْ
تَخُطُّ فوقَ قِمَّةِ الثلوجِ (نُون
وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)

يا سيدي البوسفور!
ها غيمُك الجليلُ يزدهي بِدُرِّه الجميل
فاقْرَأْ سلاَمَ البرق للشطآنِ في مدائن الأحزانْ،
وقل لهم: سنلتقي بموعد الأذانْ!
إذا تحرك الحجيجُ في مسيرة النخيلْ
يُكَبِّرُ الإمامُ أولاً
...........
ويَشْرَعُ الصهيلْ...!

المصدر: مجلة حراء، العدد:4 (يوليو - سبتمبر 2006).