طباعة

المأزق الكبير للعلمانية التركية

كتب بواسطة: أ.د. إبراهيم البيومي غانم نشط . شارك في إبراهيم البيومي غانم

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

كلما اقترب موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا (يوم 12 سبتمبر 2010) شعرت العلمانية التركية السلبية (الكارهة للإسلام، والحرية) أنها في مأزق كبير، وتصاعدت حدة الجدل السياسي والفكري بينها وبين بقية القوى والتيارات المتنافسة على الساحة التركية. ورغم الفشل الذريع لهذه للعلمانية، فإنها تستميت للمحافظة على ما تبقى بيدها من قوة الدولة التي احتكرتها ثمانية عقود تقريباً منذ نشأة الجمهورية سنة 1924.

قوى العلمانية التركية السلبية تستهدف بهجماتها جبهتين، وتركز عليهما: الأولى هي جبهة حزب العدالة والتنمية وحكومته، والثانية هي الشيخ محمد فتح الله كولن وجماعته (كولن كلمة تركية تعني بالعربية: البسام). والجبهتان تعيدان إنتاج صورة تركيا داخلياً وخارجياً على نحو جديد وغير مسبوق في تاريخها الحديث والمعاصر.

معرفتنا بمعارك العلمانية السلبية مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا لا بأس بها اليوم؛ نظراً لكثرتها، ولكونها باتت تحظى بقدر كبير من التغطية الإعلامية بسبب كثرة القضايا والمؤامرات التي تحوكها هذه القوى ضد الحكومة المنتخبة وضد النظام الديمقراطي في تركيا برمته. أما معارك هذه العلمانية السلبية مع الشيخ فتح الله كولن وجماعته فلا تزال مجهولة لدى الكثيرين في العالم العربي، بل لا تزال معرفتنا بالشيخ فتح الله وجماعته قليلة جداً حتى الآن. هنا سنلقي بعض الأضواء على هذا الجانب غير الظاهر، ولكن المؤثر جداً، في الشؤون السياسية والاجتماعية في تركيا الجديدة.

قبل سنوات قليلة كان اسم "محمد فتح الله كولن" لا يذكر إلا نادراً، وبشكل متقطع، وعلى نحو عابر؛ لدى أعداد قليلة من النخب الدعوية والفكرية والثقافية العربية الإسلامية عامة، والمصرية خاصة. ولا يزال هذا الاسم إلى اليوم غير معروف بما فيه الكفاية عند النخب العربية، بالرغم من اتساع دائرة الذين باتوا يسمعون عنه، أو يقرؤون بعض كتاباته، أو يعرفون بعض تلامذته، أو يتعاملون مع بعض المؤسسات التعليمية، والصحية، والإعلامية، والاقتصادية التي نشأت نتيجة لتوجيهاته، وبلغ عددها عشرات المئات عبر العالم.

معرفة النخب العربية والمصرية بالشيخ وبأفكاره وحركته، لا تزال محدودة جداً مقارنة بمعرفة النخب العلمية والثقافية والإعلامية به في البلدان الأوروبية والأمريكية. يشهد على ذلك كثرة الندوات الفكرية، والمؤتمرات العلمية، والبحوث والدراسات والرسائل الجامعية التي درست شخصيته، وتناولت آراءه واجتهاداته، وكشفت عن عوامل كفاءتها ونجاحها في الاستجابة لمشكلات الواقع وتحدياته، إضافة إلى الاهتمام باستشراف المسارات المستقبلية التي يمكن أن تؤول إليها؛ ليس فقط داخل بلده تركيا، وإنما خارجها أيضاً على امتداد الساحة العالمية.

هناك كثيرٌ من الأسباب التي تقف خلف نقص معرفتنا ـ في مصر وأغلبية البلدان العربية والإسلامية ـ بأحوال المجتمع والدولة والنخب الفكرية والعلمية والثقافية في تركيا، وليس فقط بالشيخ "محمد فتح الله كولن" ومنهجه في التجديد، وحركته في ميادين الواقع.

بعض هذه الأسباب يرجع إلى ضعف التواصل الفكري والثقافي والعلمي بين العرب والأتراك نتيجة عوامل سياسية تراكمت في نهاية الدولة العثمانية، ثم تكرست منذ بدايات عهد الجمهورية التركية؛ حيث سادت نظرية "الانسلاخ المتبادل" بين الجانبين، وتحميل كل منهما مسؤولية تأخره للآخر

والبعض الآخر من الأسباب يرجع إلى "صورة نمطية" موروثة من أزمنة سابقة تؤكد على أن شهرة العثمانيين/الأتراك هي في ميادين الحرب والبطولات العسكرية، أكثر منها في ميادين العلم والفقه، ناهيك عن التجديد والاجتهاد في أمور الدين والحياة. ولا تزال هذه الصورة النمطية موجودة في الذهنية العربية إلى اليوم؛ إذ لا يسهل على "العربي" أن يستحضر أسماء "علماء" في الشريعة أو دعاة مشهورين، بينما يسهل عليه أن يذكر بعض أسماء سلاطين آل عثمان أمثال: سليمان القانوني، وسليم الأول، ومحمد الفاتح، وعبد الحميد الثاني، كما يسهل ـ على العربي أيضاً ـ أن يستحضر بعض أسماء قادة وزعماء سياسيين في عهد "الجمهورية التركية": من أتاتورك، إلى أربكان، وعبد الله جول، ورجب أردوجان، وأخيراً وليس آخراً؛ أحمد داوود أوغلو.

أغلب تلك الأسباب التي أضعفت التواصل العربي التركي في مراحل سابقة بدأ يزول منذ عقد من الزمان أو أكثر قليلاً. فقد حدث تحول أساسي في الرؤية الرسمية والشعبية المتبادلة بين العرب والأتراك ـ بشكل إيجابي ـ قرب نهاية القرن العشرين الماضي. وتضافرت عوامل محلية وإقليمية ودولية، لتهيئة المناخ لهذا التحول. وإذا كانت معظم هذه "التحولات" الإيجابية قد جاءت من الجانب التركي، أكثر مما جاءت من الجانب العربي في السنوات الأخيرة؛ إلا أن محصلتها العامة من الجانبين قد أسهمت، ولا تزال تسهم، في تغيير "الصور النمطية السلبية المتبادلة" التي سادت لفترات طويلة سابقة.

لا تزال معرفتنا محدودة بأعلام الفكر ورواد النهضة في العالم التركي بشكل عام. وكلما قلبنا في سيرة الشيخ محمد فتح الله كولن، عثرنا على أسماء أعلام من هؤلاء الذين غيبتهم النعرة القومية عن وعينا في العالم العربي طيلة القرن الماضي. ففيما عدا الشاعر الخالد محمد عاكف، وشيخ الإسلام مصطفى صبري، والأديب الكبير نجيب فاضل، والعلامة سعيد النورسي، يكاد أغلب العرب، وكثيرون من نظرائهم الأتراك ـ المهتمون بشؤون الفكر والثقافة والإصلاح ـ لا يعرفون شيئاً عن بقية الأسماء التي تحدث عنها الشيخ فتح الله في كتاباته التي جاوزت الخمسين كتاباً في مختلف قضايا الإصلاح والتربية والدعوة إلى الحياة في ظلال الإسلام الوارفة. في كتاباته تلك نجده ينوه إلى إسهامات عدد كبير من رجال الفكر والثقافة والسياسة، ومن يسميهم "أبطال الحقيقة" الذين أفنوا أعمارهم في حمل هموم الدعوة والإصلاح. وهذا التنويه مسألة بالغة الأهمية؛ لأن معالم خريطة الفكر والمفكرين المعاصرين في تركيا ستظل ناقصة مال تتضمن أسماء وأعمال هؤلاء وأمثالهم ممن انطلقوا من المرجعية الإسلامية، وضحوا من أجل استعادتها إلى الواقع المعاصر.

طارق البشري القاضي والمفكر الإسلامي الأشهر، شرح لنا هذا النوع من النقص، أو التحيز ضد أعلام الفكر ورواد الإصلاح الذين تبنوا المرجعية الإسلامية وانطلقوا منها. هو يرى أن هناك تغييباً متعمداً لرموز التجديد الإسلامي من شجرة الفكر المعاصر التي تحوز رضا الباحثين والمؤرخين المعاصرين. وهو يرى أن هذه الشجرة التي تحوز اعترافهم تكاد تقتصر على مدرسة واحدة فقط من مدارس الفكر، وهي التي يسميها أصحابها بمدرسة الفكر الحديث، ويسميها الإسلاميون مدرسة الفكر العلماني أو الفكر الوافد. ويرى البشري أيضاً أن هذا التحيز، أو الإقصاء المتعمد، هو الذي يفسر عدم القدرة على فهم أوضاع مجتمعاتنا، ويحول دون توقع ما تسفر عنه التفاعلات الفكرية والاجتماعية، ويفسر أيضاً العجز عن معالجة المشكلات، واقتراح البدائل، وتزكية الحلول. ويضرب مثلاً فيقول: "ألم يكن المراقبون يحللون أوضاع المجتمع المصري في الستينيات (من القرن الماضي) بين بديلين؛ هما القومية والماركسية، ثم إذا بهم يفاجؤون بأن لا هذه ولا تلك، وأن تصورهم كان قاصراً، وأتاهم الإسلام من أقصى مدينة وعيهم يسعى..، وسبب المفاجأة هو أن العنصر الفاعل يأتيهم من خارج النسق الذي كونوه، وهم يشعرون بالغربة إزاء ما يجحدون كونه من معطيات الواقع المعيش".

المسألة نفسها نجدها متكررة في حالة تركيا، والنتيجة نفسها تصدق عليها أيضاً؛ إذ بينما كانت التوقعات تدور بين البديل الماركسي المتطرف، والبديل القومي المتشدد؛ إذا بالمجتمع التركي يشهد خلال العقدين الأخيرين تحولات جذرية باتجاه التصالح مع هويته الإسلامية وتراثه العريق، مع تسخير منجزات التقدم في العلوم والتكنولوجيا لمصلحة هذا التحول. ولعل أحد أسرار هذه النتيجة، هو أن أمثال أولئك الرواد و"أبطال الفكر والحركية" الذين تحدث عنهم محمد فتح الله، وأشاد بدورهم، بقيت أفكارهم واجتهاداتهم طازجة، ومكثت في الأرض؛ لأنها نفعت الناس ولا تزال تنفعهم، ونمت واشتد عودها؛ لأنها تتغذى من معين الشريعة الذي لا ينضب، ولا تزال تتمدد في كل الاتجاهات، في الوقت الذي تذوي فيه أغصان الشجرة الأخرى، ويتوارى الذين احتكروا الوقوف عليها إلى زوايا النسيان، بعد أن أصابها الضمور في أصل جذعها.

"خوجة أفندي"؛ كما يسميه أنصاره ومحبوه الأتراك، أو "الشيخ محمد فتح الله البسام" كما نسميه نحن، هو واحد من كبار مجددي الدعوة إلى الله في عالمنا المعاصر، ولم يعد من اللائق بنا في العالم العربي أن تظل معرفتنا به وبأفكاره شاحبة أو سطحية كما هي اليوم. فمن حقه علينا، ومن واجبنا نحوه أن نعرفه وأن نتعلم من تجربته التي تحقق نجاحات نوعية وخاصة في ميادين التربية والتعليم والخدمات المدنية، ومشروعات "الخدمة" التي يقدمها محبوه وأنصاره باتت تغطي 150 دولة، وترفع رأس الإسلام عالياً، وتبرهن كل يوم وبشكل عملي أن هذا الدين "رحمة للعالمين".