طباعة

دار حراء.. خطوة على طريق تعاون إسلامي في نشر الثقافة الدينية المستنيرة بين مصر وتركيا

كتب بواسطة: محمود حبيب نشط . شارك في محمود حبيب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

"لقد قَدِمْنَا إليكم لعرض مجلّتِنا "حِرَاءَ" على أنظار حضراتكم، مستنصحين ومسترشدين. فهذا مجالٌ لكم فيه فضل السبق والريادة والتأسيس، ونحن لكم فيه تَبَعٌ. قدمنا إليكم في عهد طالت به السنوات الشِّدَاد، فلا زرعٌ ولا ضَرْع، وأكلت بَقَرَاتُهُ العِجَافُ سِمَانَهَا، حتى حللنا بمصر بلد الكيل الكريم، والخير العميم، وموطن خزائن العلم والأدب. ورغم أننا جئنا ببضاعةٍ مُزْجَاةٍ من الثقافة والفكر فإننا نرجو أن نَمِيرَ أهلَنا، ونحفظَ مجلتَنا، ونزدادَ كَيْلَ بعير".

بهذه الكلمات التي ألقيت في أحد المحافل بالقاهرة مؤخرا أراد ملقيها الداعية الإسلامي التركي الصوفي الكبير السيد "محمد فتح الله كولن" أن يؤسس لمرحلة خاصة من العلاقات الإسلامية الممتدة بين مصر قلب الأمة الإسلامية النابض وبين تركيا منبت الفكر الإسلامي الواعي المستنير، ليس فقط على مستوى الحكومات والأنظمة ولكن أيضا على مستوى الفكر والثقافة والإبداع المستنير، وفي سبيل دعم هذه العلاقات الثقافية الخاصة جاءتني دعوة كريمة من "مجلة حراء" الفكرية لزيارة مقرّها بمدينة إسطنبول التركية، والوقوف على أهم ما تصدره دار حراء من نتاج فكري ثقافي إسلامي. و"محمد فتح الله كولن" هو أحد كبار المفكرين الإسلاميين في تركيا منذ ستينيات القرن الماضي، وواحد من العلماء الأجلاء الذين تصدوا لموجات الإلحاد ونجح بدروسه وشروحه أن يقاوم هذه الموجات وأن يثبت أفئدة الناس على الإيمان.

ولد الشيخ محمد فتح الله كولن في قرية صغيرة في الأناضول يستمر فيها موسم الشتاء تسعة أشهر في السنة، هي قرية كوروجك. وكان بعض أحفاد الرسول قد لجأوا إلى منطقة وادي "بِتْلِيس" هربا من ظلم الأمويين والعباسيين، وأصبحوا مرشدين معنويين في المنطقة، وامتزجت الروح الإسلامية في نفوس القبائل التركية الموجودة في هذه المنطقة.

وفتَح محمد فتح الله عينيه في بيت يشيع في أرجائه الروح الإسلامية. وتعلّم حفظ القرآن في طفولته، وراح يمتص إشعاعات الإيمان ويخزنها في ذاكرته منذ أن تفتح وعيه على الحياة.

وذكر عن الشيخ كولن أنّ بيت والده كان مضيفاً لجميع العلماء والمتصوفين المعروفين في تلك المنطقة، لذا تعوّد محمد فتح الله مجالسة الكبار والاستماع إلى أحاديثهم. وقام والده بتعليمه اللغة العربية والفارسية.

وقد درس في المدرسة الدينية في طفولته وصباه، وكان يتردد إلي "التكية" أيضاً؛ أي تلقي تربية روحية إلى جانب العلوم الدينية التي بدأ يتلقاها أيضاً من علماء معروفين من أبرزهم "عثمان بكتاش" الذي كان من أبرز فقهاء عهده، حيث درس عليه النحو والبلاغة والفقه وأصول الفقه والعقائد. ولم يهمل دراسة العلوم الوضعية والفلسفة أيضاً. في أثناء أعوام دراسته تعرف برسائل النور وتأثر بها كثيراً، فقد كانت حركة تجديدية وإحيائية شاملة بدأها وقادها العلامة بديع الزمان سعيد النورسي مؤلف "رسائل النور".

وعندما بلغ محمد فتح الله العشرين من عمره عُيّن إماماً في جامع أُوجْ شرفَلي في مدينة أدِرنة حيث قضى فيها مدة سنَتَين ونصف سنة في جو من الزهد ورياضة النفس. وقرر المبيت في الجامع وعدم الخروج إلى الشارع إلا لضرورة.

بدأ عمله الدعوي في أزمير في جامع "كستانه بازاري" في مدرسة تحفيظ القرآن التابعة للجامع. ثم عمل واعظاً متجولاً، فطاف في جميع أنحاء غربي الأناضول.

وفي خطبه ومواعظه كان يربي النفوس ويطهرها من أدرانها، ويذكرها بخالقها وربّها ويرجعها إليه. كانت النفوس عطشى، والأرواح ظمآى إلى مثل هذا المرشد الذي ينير أمامها الطريق إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم.

وكان "كُولن" يلجأ لأسلوب سقراط وهو أسلوب المحاورة والأسئلة والأجوبة. وكانت كلماته ثمرات تحمل من الحرارة النابضة والتدفق الحيوي والعطف والحنان شيئا كثيرا. وأعادت هذه الكلمات كثيرا من الناس إلى رشدهم.

وكان يجوب البلاد طولاً وعرضاً كواعظ متجول يلقي خطبه ومواعظه على الناس في الجوامع. كما كان يرتب المحاضرات العلمية والدينية والاجتماعية والفلسفية والفكرية.

وقد بدأ فتح الله كولن -ولاسيما بعد عام 1990- بحركة رائدة في الحوار والتفاهم بين الأديان وبين الأفكار الأخرى متسمة بالمرونة والبعد عن التعصب والتشنج. ووجدت هذه الحركة صداها في تركيا ثم في خارجها. ووصلت هذه الحركة إلى ذروتها في الاجتماع الذي تم عقده في الفاتيكان بين الشيخ فتح الله وبين البابا إثر دعوة البابا له. لقد آمن بأن العالم أصبح -بعد تقدم وسائل الاتصالات- قرية عالمية، لذا فإن أي حركة قائمة على الخصومة والعداء لن تؤدي إلى أي نتيجة إيجابية، وأنه يجب الانفتاح على العالم بأسره، وإبلاغ العالم كله بأن الإسلام ليس قائماً على الإرهاب -كما يصوره أعداؤه- وأن هناك مجالات واسعة للتعاون بين الإسلام وبين الأديان الأخرى.

وعن الشيخ محمد فتح الله كولن قال الكاتب أحمد بهجت: "يعتبر فتح الله كولن مفكرا رفيع المستوى، وقد لفت إليه جميع الأنظار بما قدمه من خدمات كانت بداية لعهد جديد ومرحلة جديدة. وهو رجل متواضع يحب ألا يُنسب إليه أي فضل أو زعامة".

وكان لتوجيهات وتعاليم الداعية التركي الصوفي الشهير محمد فتح الله كولن، أن أصبح مصدر القوة المعنوية لكثير من رجال الأعمال الأتراك في فعل الخير ونشر الثقافة الدينية المستنيرة. وقد عمل العديد من رجال الأعمال الأتراك على تحويل تلك التعاليم من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي، حيث يرون ضرورة توصيل مفهوم "الإسلام المعتدل" للعالم.

وبخلاف مجموعة رجال الأعمال البالغ عددهم حوالي 14 ألفا الذين تجمعوا تحت مسمي "الأصناف" أو "النخبة" التي أنشأَت مدرسة "صلاح الدين" بالقاهرة، هناك مجموعات أخري تركية -تنكر نفسها- تملك وتدير "مستشفي سما" بإسطنبول وحوالي ألف مدرسة ومؤسسة تعليمية غير ربحية في العراق وأستراليا وآسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وألمانيا، حيث تقدم ما يعادل "الربع" من ربحها بغرض التعليم أو العلاج بدون مقابل، وهذه التجربة تعد تطورا في التطبيق لمفهوم "الأوقاف" في الفكر الإسلامي.

ولعلي حين أعود بقارئي العزيز إلى ما وقفنا عليه في زيارتنا إلى "مجلة حراء"، فقد استوقفني كثيرا ذلك المنحي الفكري العام الذي تتخذه هذه المجلة؛ فهي مجلة علمية ثقافية فصلية تعنى بالعلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، وتحاور أسرار النفس البشرية وآفاق الكون الشاسعة بالمنظور القرآني الإيماني في تآلف وتناسب بين العلم والإيمان، والعقل والقلب، والفكر والواقع. وتؤكد على التوافق بين الإسلام كمنهج حياة والفطرة البشرية والسنن الكونية، وتبرز التوافق بين كتاب الله المسطور وكتاب الكون المنظور، نافية الفصل أو الصدام بينهما. والمجلة قرآنية الصبغة عصرية الصياغة، تسعي إلى تحويل الإيمان الساكن في القلوب إلى إيمان فعال معيش.

وهي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتعتمد الوسطية في فهم الإسلام وفهم الواقع، مع البعد عن الإفراط والتفريط. والمجلة تُفضّل البحوث والمقالات التي تتّسم بالروح الإيجابية والعمل الإيجابي، والتي تثير روح العلم والرغبة في البحث لدي القارئ، وتعمل على ترسيخ وصيانة القيم الأخلاقية على مستوي الفرد والأسرة والمجتمع، وتؤمن بالانفتاح على الآخر، والحوار البنّاء والهادئ فيما يصبّ لصالح الإنسانية. وتسعى إلى الموازنة بين العلمية في المضمون والجمالية في الشكل وأسلوب العرض، ومن ثم تحث أصحاب القلم على معالجة المواد بمهنية عالية مع التبسيط ومراعاة الجوانب الأدبية والجمالية في الكتابة. ولعلي لا يفوتني وأنا في زيارة مجلة حراء أن أقدم للقارئ العزيز أهم محاور هذه المجلة، فهي ذات النـزوع الحضاري المتسامح تسعى إلى استيعاب روافد كل الأفكار الثقافات ونتاج الحضارات ذات الأصول الإيمانية.

المصدر: جريدة "الأخبار" المصرية، 3 يوليو 2009.