طباعة

سـورة النمل

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في أضواء قرانية في سماء الوجدان

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾(النَّمْل:19)

هناك أهمية كبيرة للكلمات وللأفعال وللأساليب التي يختارها القرآن لبيان قصده وهدفه. فقد يأتي بمعانٍ يحتاج بيانها إلى صفحات كما هو وارد في هذه الآيات. فمثلا تم استعمال فعل "أنعمت" هنا، ويقصد منه "إلهي! لقد وهبت لي نعما عديدة، وطوقت عنقي بإحسانك".

أي: "إلهي!... لم أبق سجيناً، في سجن العدم بل خرجت إلى الوجود... وجدت... لبست قالب الوجود ولباسه، وأصبحت مرآة مجلوة لك.. من يشاهدني، ومن ينظر إليّ يدرك أنني إشارة إليك، وعلامة منك... لقد أنعمت علي إذ رفعتني لهذا المستوى. وعندما وهبت لي الحياة يسرت لي إمكانية أوسع للأفصاح عنك. أصبحت أحياناً ناياً يئن، وأحياناً وتراً صادحاً، أو عوداً يرسل نغماته للإشارة إليك. ثم جعلتني إنساناً... ولم تكتف بهذا بل رفعتني وجعلتني إنساناً مؤمناً. فيسرت لي مشاهدة الوجود ومعرفته من زاوية النظرة الإنسانية، كمن يشاهد معرضاً، أو يقرأ صفحات هذا المعرض كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً... لقد كان هذا تشريفاً كبيراً لي. أجل!... إن النظر إلى الكون مثل هذه النظرة لا يمكن أن تتم إلا بالقابليات والاستعدادات الخاصة بالإنسان... ربِّ!.. إن هذه النظرة التي أنعمت بها عليّ جعلتني لا أتقيد بمكان، بل بتحريك قابلية التفكير أستطيع التجول في ساحات الذات والصفات والأسماء الحسنى، وفي تجولي في هذه الدائرة الواسعة أقف مبهوراً أمامك ومذهولاً".

أجل!.. كان سليمان عليه السلام يقصد كل هذا، "بل أكثر بكثير من هذه المعاني باعتبار مقامه الرفيع والسامي" عندما استعمل كلمة "أنعمت".

والأمر الثاني في هذا الصدد هو استعطاف النبي سليمان عليه السلام بفعل "أنعمت فكأنه يقول: "يا رب! إن ما سأطلبه بعد قليل ليس مغايراً لعادتك السبحانية، فكم من لطف تلطفت به علي دون أن أسألك إياه، لذا أعتقد بأنك ستعطيني ما أطلبه منك الآن لأنك قادر على العطاء وعلى الإجابة". وهو يحاول استدرار رحمته وشفقته. ولو قمنا بالتعبير عن هذا بأسلوب الإمام "آلوارلي أفه" لكان الطلب كما يأتي "ماذا يحدث يا رب لو استجبت؟... ماذا يحدث؟... لن ينقص منك شيء يا رب!". وبتعبير آخر: "لقد أعطيتني حتى الآن على الدوام... الهبة صفة من صفات مجدك. لذا لا أطلب منك شيئا خارج ما أعطيته ووهبته حتى الآن، بل أدعو فقط لإتمام نعمك".

في مثل هذا الدعاء كان نسيان أو إهمال الدعاء للوالدين جحوداً، وغفلة عن رؤية الأشياء التي أنعمها عليه بواسطتهما. أجل! كان النبي داود عليه السلام هو والد النبي سليمان عليه السلام، وكان نبيا وصل إلى الذروة ضمن خط النبي إبراهيم عليه السلام، ومظهرا للمدح الذي ذكره الله في القرآن حول بعض الأنبياء، وهو "إنه أواب". لقد وصل إلى هذا المقام الرفيع. أي كان من عباد الله الأجلاء المتوجهين بكل كيانهم نحو الله. ولو قيل له -من هذه الزاوية- إنه النبي "الأوّاه" لكان هذا في محله. لذا كان من غير المنتظر أبدا من النبي سليمان عليه السلام الذي جاء من صلب مثل هذا النبي ونشأ في حضنه أن ينسى أن لوالديه نصيبا في هذا المقام الذي وصل إليه. وإذا كان لنا أن نعبر بعبارة أوضح لقلنا بأن سليمان عليه السلام كان يدرك أنه لو لم ينشأ في جو مثل هذه العائلة ولم ير تربية كتربية هذه العائلة لكان سليماناً اعتيادياً وفرداً كأفراد آخرين. لذا لم يهمل الدعاء لوالديه.

ويمكن الاقتراب من الموضوع هكذا أيضاً: إن الوالدين هما أقرب الناس إلى الإنسان، ولهما الأولوية في صلة الرحم. والقرآن الكريم يعلمنا هـذا الأدب بالأدعية التي يختارها ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لي وَلِوَالِديَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: 41).

إذن تأتي نفس الإنسان أولا ثم الوالدان. وهذا في الحقيقة شرط من شروط الإنسانية وشرط من شروط التزين بالصفات الإنسانية. والإنسان الحقيقي هو من يتلذذ بتلذذ الآخرين -حسب درجة قربهم منه- ويتألم لألمهم. فهذا شرط من شروط كونه إنسانا. تأملوا مثلا حال النبي إبراهيم عليه السلام فهو -كما ورد في الأحاديث- متألم من حال والده في الدنيا وفي الآخرة.[1] لذا نجد النبي سليمان عليه السلام يتبع جده الأمجد في هذا الأمر ويشرك والديه في دعائه وكأنه يقول: "إن سعادتهم من سعادتي".

ونقطة أخرى، وهي كما أن استغفار الشخص لوالديه وارد -مثلما سجلنا في الدعاء أعلاه- كذلك يكون شكره للسعادة التي يصل إليها والداه وارداً. أي أن الإنسان إن لم يستطع إيفاء حق والديه في حياتهما، فهناك شيء أخير يستطيع القيام به وهو استعمال لسانه في الخير في حقهما مثل: "اللهم اجعل لوالدي نصيبا من التسبيحات والحمد والاستغفار الذي أقوم به". ونبي مثل سليمان عليه السلام الذي كان يعرف حتى لغة الطير "وعلمنا منطق الطير" كان يستطيع إيفاء هذا الأمر حَقّه على أحسن وجه.

﴿وأن أعمل صالحاً ترضاه﴾: يجب أن ننظر إلى هذه الآية من زاوية مدى ثقة الأنبياء العظام بمصيرهم وعاقبتهم. إنهم يخشون الله حق خشيته، ولكنهم مطمئنون من ناحية صيانتهم بالرحمة الإلهية. أو إنه قال هذا بإلهام من الله تعالى. والنبي سليمان عليه السلام يؤكد هنا بأن الوصول إلى رضا الله يكون بالعمل الصالح، لذا يدعو الله أن يوفقه للعمل الصالح. وهو يعلم بأن العمل الصالح سيولد عملا صالحا آخر في الغالب. ولكن هناك بعض الأعمال التي تبدو صالحة ولكنها لا توصل صاحبها على مقام الرضا الإلهي، ولا تستطيع ذلك أبدا.

والخلاصة أن سليمان عليه السلام عندما مر من وادي النملة وسمع كلام النملة وتبسم منه وشعر بسعة دائرة الإنعام الإلهي المهداة له قال ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصّالِحِينَ﴾ فكان مثل النبي يوسف عليه السلام عندما اشتاق إلى لقاء الله وهو في ذروة المقامات المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة. وكذلك النبي سليمان عليه السلام الذي وصل إلى مقام النبوة وسخر له كل شيء من الإنسان إلى النمل... في هذه اللحظة توجه بكيانه كله إلى الله، ووسيلته في هذا التوجه هي الشكر الذي هو التعبير الجامع للعبودية، والعمل الصالح الذي يرضى عنه مولاه الحق ليدخله الله تعالى برحمته في عباده الصالحين. وقد عبر بهذا عن شوقه للقاء ربه.

إذا كان العمل الصالح هو العمل الذي أمر به الحق تعالى، وفي سبيله ومن أجله فقط، ولم يقصد منه سوى الدار الآخرة فهو العمل الذي طلبه يوسف عليه السلام وطلبه كذلك سليمان عليه السلام.

ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى عبادك المخلصين وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين وصلّ وسلم على من أرسلته رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾(النَّمْل:19)

كلمة الضحك الواردة في الآية الكريمة لا تعني القهقهة بصوت عال، بل تفيد التبسم، أي ظهور خطوط تبسم على شفتيه لبرهة قصيرة من الوقت.

أولاً جرى حوار إعجازي بين النبي سليمان عليه السلام وبين النمل، وذلك بفضل ما وهبه الله تعالى من لطف ومرتبة عالية. لذا نراه يبتسم ابتسامة الشكر، للتعبير عن امتنانه لهذه النعمة. أي قام بالتحدث بنعم الله عليه.

ثانياً قامت النملة بواسطة بعض الإشارات والإشعارات للنبي سليمان عليه السلام ببيان فكرها حول تعيين الحدود النهائية للعدل وللتعامل بالحق فقالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18).

أي قالت هذه النملة لرفيقاتها: إن هؤلاء الناس قد يقومون بالإضرار بكم دون قصد أو تفكير منهم حسب الطبيعة المركبة فيهم. وتبسم سليمان عليه السلام بسبب هذا اللطف الإلهي الممنوح له، وفتح مثل هذا الباب أمامه. لأنه كان لطفاً خاصاً لنبوته. وكان هذا يقتضي منه شكراً حالاً وقولاً، وهذا ما قام به بتبسمه وبشكره.

ومثل هذا التبسم المعبر عن الرضا نجده في السيرة السنية لرسولنا صلى الله عليه وسلم أيضاً. "عن أنس قال أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يخطبنا يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاءُ فادع الله أن يسقينا، فمد صلى الله عليه وسلم يديه ودعا. قال أنس وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابة ثم اجتمعت ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله أن يحبسه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال حوالينا ولا علينا فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل"[2] وفي رواية "رفع رسول الله e يديه بحذاء وجهه فقال: اللهم اسقنا"[3] أي تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم كعنوان شكر لله تعالى وكتصديق لرسالته وكونه نبيا مستجاب الدعوة.[4]

وقد عبر عن كلتا الابتسامتين بـ"الضحك".لم تكن هذه قهقهة من النبي سليمان عليه السلام، بل ابتسامة خفيفة بدت فوق شفتيه، ويجوز أن أحدا ممن كان حواليه لم ينتبه إليها.

ويمكن النظر إلى آية ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ (النمل: 18) من زاوية أخرى وهي أن النملة تسجل وتقول بأن شخصاً في مستوى النبي سليمان عليه السلام ليس مكلفاً بإقامة العدل بين الناس فقط، بل عليه أن يعدل حتى مع النمل. وبينما تبين النملة صعوبة تحقيق الإنسان للعدل التام فيما بينهم تحذر طائفتها فتقول بأن وجودهم على طريق الجنود شيء محفوف بالمخاطر وبالتهلكة. بينما كان الهدهد الطائر فوق الرؤوس يخبر النبي سليمان عليه السلام عن ملكة سبأ وعن قومها وعبادتهم للشمس. ويبدي عجبه ودهشته من قيامهم بهذه العبادة قائلاً ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (النمل: 25){س}، يتعجب من عبادتهم للشمس التي ليست سوى مخلوق من مخلوقات الله تعالى.

والشيء الذي يجلب النظر أن كلا من النملة والملكة بلقيس التي جاء الهدهد بخبرها... كلا منهما أنثى. والأنوثـة رمز للخصب. وبجانب كون النملة إشارة إلى ملكة سبأ، فإن كثرة زوجات النبي سليمان عليه السلام واستهدافه كثرة الأبناء من أجل الجهاد وإعلاء كلمة الله أمر جدير بالوقوف عنده.

وأحسب هنا وجود إشارة إلى أن الإنسان الكامل يهتم بعالم الحيوان أيضاً. وقد يكون هذا مهما من زاوية أخرى. فلو كنا على صلة بعالم الحيوان وقدرنا إدراك بعض الحقائق المتعلقة بهذا العالم، لكان هناك الكثير من الحقائق التي كانت المخلوقات توصلها إلينا بلغتها الخاصة بها. وأنا أعتقد أن تسمية بعض سور القرآن بأسماء الحيوانات "مثل: النمل، النحل" إشارة إلى أهمية وجود العلاقة بين عالم الإنسان وعالم الحيوان. فلا بد أن لأحياء كالنمل والنحل -التي تعيش في نظام جمهوري- بعض الحقائق التي تستطيع إلهامها لنا. غير أن هذه العلاقة الدقيقة لا يمكن تحقيقها وشرحها إلا من قبل شُعُورٍ مُدْرِكٍ لإنسانٍ مؤمنٍ.

لقد بين الله تعالى في القرآن إمكانية تخاطب الإنسان مع حيوان تخاطباً مباشراً وتفاهمه معه بمعجزة نبوية. وأن لغة التخاطب هذه لغة فصيحة وبليغة وإنْ لم يتم استعمال الكلمات فيها، وأنها كافية لتكون وسيلة حوار مفتوح بينهما.

وقد يكون أحد أسباب تبسم النبي سليمان عليه السلام هو أن هذا التسخير بـ"القوة" قابل للانقلاب إلى تسخير بـ"الفعل"، وأنه سيتحقق عندما يأتي أوانه المناسب. الله أعلم بحقيقة الحال والصواب، وإليه المرجع والمآب...

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ﴾(النَّمْل:41)

قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: "سنرى هل ستهتدي الملكة إلى الإيمان أم تبقى ضالة وبعيدة عن الهداية". وأنا أرى أن هذا غير منسجم مع سياق الآية. وتفسير الآية كما أرى هو: غيروا معالم عرشها لنرى هل ستعرف أنه عرشها أم لا".

ولكن كلمة "الهداية" هنا لا تعني مجرد معرفة بسيطة بأن المعروض أمامها هو عرشها. فالسياق لا يلائم هذا. فهل هذا العرش -الذي تعرض للتبديل- هو عرشها، أم عرش جديد؟… كان من الممكن أن يقوم النبي سليمان عليه السلام بقياس فطنتها بهذا الامتحان. ولكن الظاهر أن المسألة لم تكن محصورة في هذا فقط. تأملوا امرأة وثنية أو عابدة للشمس، وقد صنعت لنفسها عرشا وحسب عقيدتها. إذن فلا بد أن مثل هذه المرأة زينت عرشها بصور للشمس ولما تعبد من دون الله من نجوم أو قمر… الخ. وقام النبي سليمان عليه السلام بإجراء تغييرات وتبديلات وتزيينات تهيؤها للهداية وتقربها لها. ولا يذكر القرآن الكريم أن النبي سليمان عليه السلام أجرى زيادات أو نقصانا في عرشها وإنما قال: ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾. فماذا نفهم من هذا؟ أنفهم أنه أمرهم بتغيير شكل عرشها أم تزيينه بإضافة بعض الزينات الإسلامية؟... نرى أن الاحتمال الثاني هو الأقوى، وهو إزالة كل ما يشير إلى الوثنية من صور وزينات. ثم الانتظار ومشاهدة عما إن كانت ستفهم الرسالة والإشارة الموجهة لها عندما ترى عرشها وتهتدي أم لا... وفي النتيجة نرى أن بلقيس عندما ترى عرشها تهتدي لكونها تملك فطرة سليمة وذات ذكاء وفطنة وفكر رحب. لأنها ما أن ترى عرشها لا تملك نفسها من العجب، وتفهم الرسالة والإيماءة الموجودة هنا وتعلن هدايتها وإسلامها لرب العالمين.

لا شك أنها كانت بفطرة مهيأة لتلقي رسائل الوحدانية الموجودة في هذا الكون. ولكن ملكة سبأ هذه على الرغم من فطرتها السليمة وذكائها وبصيرتها لم تكن قد اهتدت من قبل، لأنها نشأت وترعرعت بين قوم وثنيين وتشربت بالعقائد الباطلة لقومها، مما كان حائل بينها وبين الهداية وتقييم رسائل التوحيد المبثوثة في العالم.

لا شك أن إحضار هذا العرش إلى هناك يعد معجزة لسليمان عليه السلام، وكرامة لفرد من أفراد أمته أوتي علماً لدُنّياً. وكانت هذه كافية لها للإيمان وللتصديق بالنبي سليمان عليه السلام. ولكن كان الأصل في الإيمان هو إعمال العقل واستخدامه والتفكر الآفاقي والأنفسي* والمشيئة الإلهية الخاصة. لقد كانت هذه هي وسائل الإيمان حتى ذلك اليوم، وما كان لها أن تتبدل في عهد النبي سليمان عليه السلام ولا من بعده.

اللهم صل وسلم وبارك على من أرسلته رحمة للعالمين وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى أصحابه والتابعين أجمعين.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾(النَّمْل:45)

قيام القرآن بإيراد قصة ثمود بعد قصة سليمان عليه السلام مباشرة قد تكون للأسباب الآتية:

1- إن العرب كانوا يعرفون قوم ثمود حق المعرفة.

2- من المحتمل أنهم كانوا يعرفون مدى قوة قوم ثمود، وهذا جانب آخر له أهميته من حيث التأثير على قوم سليمان عليه السلام.

3- مثلما كان قوم "اورارتو" خلفاً لقوم إرم، فمن المحتمل أن قوم ثمود كانوا خلفاً لقوم سليمان عليه السلام. لذا رجح القرآن ذكر أحدهما بعد ذكر الآخر.

4- قد يكون التشابه بين خلقي القومين وتصرفاتهما وطبيعتهما سبباً في ذكرهما معاً.

ومع أن النـزاع بين من يستجيبون للرسل عند قيامهم بدعوة الأمة وبين المنكرين لهم نـزاع متكرر في التاريخ ﴿فَإذَا هُمَا فَرِيقَان يَخْتَصِمُون﴾ (النمل: 45)، غير أنه يوجد هنا خط جامع بين تيار الضلال الكبير الذي ظهر بين الموسوبين بعد سليمان عليه السلام، وبين انحراف قوم ثمود وضلالهم. فمقابل نداء صالح عليه السلام لقومه وقوله لهم: ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ (النمل: 46) كان جواب قومه ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ (النمل: 47).. قالوا له هذا واستمروا في غيهم وفي ضلالهم. وهذا القول أو الزعم سبق وإن قيل للنبي موسى عليه السلام في التاريخ الإسرائيلي ثم تكرر ضد العديد من الأنبياء والرسل منهم عيسى عليه السلام أن قالوا له أيضاً: ﴿قَالُوا إنّا تَطَيَّرْنَا بِكُم﴾ (يس: 18) وعدا هذا فهناك أيضاً وجوه تشابه عديدة ومشتركة بين هذه الانحرافات المستندة إلى الطغيان والجبروت وإلى انتشار الظلم والتعسف، وطلب الخوارق والمعجزات، بل طلب رؤية الله تعالى عياناً.

والقرآن الكريم يورد ذكر هؤلاء الأقوام، من الذين عصوا رسلهم، قوماً من بعد قوم وبشكل متتالٍ في أكثر الأحيان وهذا الجزء من السورة مثال منه.

الهوامش

[1] البخاري، الأنبياء 8.

[2] البخاري، المناقب 22.

[3] البخاري، الجمعة 33.

[4] البخاري، الاستسقاء 14؛ أبو داود، الاستسقاء 2.