طباعة

3-جزئيات الإرادة وكلياتها

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في القدر في ضوء الكتاب والسنة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

السؤال: لقد بيّن القرآن الكريم أن الإرادة الكلية خاصة بالله وحده. ومن المعلوم أن للإنسان إرادة جزئية، فالذي يرتكب الآثام هل يرتكبها بناء على إرادته أم أن إرادة الله الكلية هي التي تدفعه لارتكاب الإثم؟

الجواب: نلخص المسألة بالآتي: إن الإنسان له إرادة، ونحن نطلق عليها "الإرادة الجزئية" أو "المشيئة البشرية"، أو "قدرة الكسب البشري". ونطلق على خلق الله سبحانه "الإرادة الكلية"، "قوة الخلق أو القدرة"، "الإرادة"، "التكوين" (وهذه صفات الله جل جلاله). فإذا أخذت المسألة من جهتها التي تعود إلى الله تُفهم كأن الله يدفع الأشياء إلى الإيجاد اضطراراً فتظهر في الوجود. وهكذا تدخل في مسألة "الجبر". وإذا ما أخذت المسألة من جهتها التي تعود إلى الإنسان تُفهم أن الإنسان هو الذي يفعل فعله، وعند ذلك يدخل فكر "القدرية-المعتزلة" المؤسس على قولهم "العبد خالق لأفعاله".

إن الله سبحانه خالق كل شيء في الوجود، فالإرادة الكلية الواردة في السـؤال هي هذه. حتى أن الآية الكريمة: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: 96) تبيّن أن الله خالقكم وخالق أعمالكم الصادرة منكم. فمثلاً: إذا صنعتم سيارة، أو أنشأتم بناءً فالله هو خالق هذه الأشياء، وأنتم وأفعالكم تعودون إلى الله. ولكن هناك أمر يخصّكم، وهو الكسب والمباشرة البشرية، وهذا هو شرط عادي وشيء كالميل، كلمس مفتاح شبكة الكهرباء التي تنير العوالم، فكما لا يمكن القول في هذا الموقف: لا دخْل لكم في الأمر قطعاً، كذلك لا يمكن أن يعود كل شيء إليكم.

فالعمل بتمامه يعود إلى الله، ولكنه سبحانه وتعالى عندما يخلق هذه الأشياء قد قَبِل مُداخلتكم الجزئية شرطاً عادياً في خلقها، وأنشأ كل ما يعمله على ذلك الجزء الاختياري.

فمثلاً: إن نظام الكهرباء في هذا الجامع قد خلقه الله سبحانه، وإضاءته مجدداً يخص الله أيضاً؛ فإيجاد ضوء من سيل الألكترونات وإضاءة الجامع كلٌّ منه فِعْل بذاته، وهذه الأفعال تعود إلى الله الذي هو نور النور منوّر النور مصوّر النور. ولكن لكم حصة ومداخلة في إضاءة هذا الجامع ومباشرة بالفعل، وهو ما وضعه الله سبحانه من نظام في الكهرباء، وهو مجرد لمسكم المفتاح يتنور الجامع. ووظيفة إضاءة الجامع بنظام الكهرباء تخص الله سبحانه وهي وظيفة تفوق كثيراً طاقاتكم وإرادتكم.

ولنوضح الأمر أكثر... مثلاً: مكنة مهيأة للعمل وللسير، أُعطيت لكم وظيفة لمس مفتاح العمل. فتحريك تلك الماكنة يخص الذي أنشأها، لذا نقول لهذه المباشرة الجزئية التي تخص الإنسان بـ"الكسب" أو "الإرادة الجزئية"، أما ما يخص الله سبحانه بـ"الخلق" و "الإيجاد". وبهذا تنقسم الإرادة إلى قسمين:

أ- الإرادة الكلية

بـ- الإرادة الجزئية

فالإرادة أو المشيئة تخص الله وحده ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾ (الإنسان: 30). ولكن لئلا يفهم الأمر خطأ؛ إننا عندما نقول هذا الكلام نقول إن للعبد أيضاً وظيفة لمس المفتاح، فله إرادة أيضاً، وذلك لئلا نقع في التضاد الذي في مذهب الجبرية. وعندما نقول إن الذي أوجد الشيء هو الله نبين به أننا لا ننظر إلى الأمور بنظر المعتزلة، وبهذا لا ندّعي الشرك بالله لا في ألوهيته ولا في ربوبيته تعالى. فكما أن الله سبحانه واحد أحد في ذاته فهو واحد أحد في إجراءاته، لا يُحمل عملُه على غيره، فهو خالق كل شيء بذاته. ولكن لأجل التكليف وأمثاله من الأسرار والحكم قد قَبل مباشرة البشر شرطاً عادياً.

ولأجل الإيضاح نورد مثالاً يذكره رائد عظيم:

"إذا أخذت طفلاً عاجزاً ضعيفاً على عاتقك، وخيّرته قائلاً: إلى أين تريد الذهاب، فسآخذك إليه. وطلب الطفل الصعود على جبلٍ عالٍ، وأنت أخذته إلى هناك، ولكن الطفل تمرض أو سقط. فلا شك أنك ستقول له: أنت الذي طلبت! وتعاقبه، وتزيده لطمة تأديب. وهكذا -ولله المثل الأعلى- فهو سبحانه أحكم الحاكمين جعل إرادة عبده الذي هو في منتهى الضعف شرطاً عادياً لإرادته الكلية".[1]

ففي هذا المثال هل يمكن إنكار إرادة الطفل؟ لا شك أن الجواب: كلا، لأنه هو الذي طلب وأراد. أما الذي أوصله إلى ذلك المكان العالي فهو أنت، والمرض كذلك لم يفعله الطفل، وربما لم يصدر منه غير الطلب، لذا فلا بد من التمييز بين الذي مرّض وأوصل الطفل إلى هناك والذي طلب هذا الفعل. فنحن ننظر إلى القدر وإرادة الإنسان من هذا المعنى والفهم. ولا يعلم حقيقة الشيء إلاّ الله المقدّر.

الهوامش

[1] الكلمات لبديع الزمان سعيد النورسي، الكلمة السادسة والعشرون / المبحث الثاني / المثال السابع.