طباعة

9-القدر في ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في القدر في ضوء الكتاب والسنة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

لا يكون تناول مسألة القدر موافقاً لمذهب السنة والجماعة ما لم تؤخذ في ضوء الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة -التي سنذكرها- وإلاّ لا ننجو من الإنحراف إلى مفاهيم الاعتزال أو الجبر. ولهذا نحاول تحليل الآيات والأحاديث التي تتعلق بالموضوع في هذا القسم من البحث.

قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في اْلأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾(الحديد: 22).

نعم، إن كل شيء قد سُجّل قبل أن يكون، ولا يجري شيء إلاّ وفق ما سُجّل. إن الطريق المحمديّ يلزم هذا الاعتقاد. أما الانحرافات فهي زلاّت وضلالات حسب صغَرها وكبرها.

لقد ذكرنا الآيات الكريمة في مستهل الكتاب ونورد الآن بعضاً من الأحاديث الشريفة المفسّرة لها:

1) «يروي عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كتَبَ اللهُ مَقاديرَ الخلائق قبل أن يَخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وعرشُه على الماء».[1]

والحقيقة أننا لا نعلم ما القياس أو الميزان الذي توزن به هذه الخمسون ألف سنة؛ ولربما يكون قياساً بزمان دنيانا خمسين ألف سنة أو خمسين مليون سنة، وربما هي كناية عن الكثرة، فلا نجزم بشيء. نعم، فلقد قُدّر وعُيّن كل شيء قبل أن تُخلق السموات والأرض وقبل خلق ثمرت الكون الإنسان بخمسين ألف سنة.

أما "الماء" الوارد في الحديث فربما هو "العماء"[2] وربما هو "الأثير". أي أن عرش الله كان على الأثير الذي هو أصل مادة أجزاء الذرة. وربما الموجودات كانت على شكل وجودات أثيرية. ولا علم لنا بأي شكل من الأشكال ولا/ ولن يمكننا ذلك، لأننا وأبانا آدم لم نكن موجودين بعدُ، بل الكون برمته لم يكن موجوداً.

2) أودع عبادة بن الصامت أمانة "الإيمان بالقدر" ولده قائلاً: «يا بنيّ، إنك لن تجد طعم حقيقةِ الإِيمان حتى تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئَك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ أول ما خلق اللّه تعالى القلمَ، فقال له: اكتبْ فقال: ربِّ وماذا أكتبُ؟ قال: اكتب مقادير كلِّ شيء حتى تقوم الساعة". يا بنيَّ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات على غير هذا فليس منِّي».[3]

3) الحديث الذي يرويه عبد الله بن عباس له أهمية بالغة لموضوعنا "القدر" والذي يفسّر الآية المذكورة آنفاً.

«عن ابن عباس قال: كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: يا غلامُ، إني أعلمك كلمات، احفظِ اللهَ يحفظك، احفظِ اللهَ تجدْه تُجاهك. إذا سألت فاسأل اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك بشيء إلا قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليكَ، رُفعت الأقلام وجَفّت الصحفُ».[4]

أي أعط أوامر الله حقها، كي تكون مرسِلاً إلى العالم الآخر ما ينفعك. وإذا ما سألت شيئاً فلا تسأل أحداً غير الله، ولا تتذلل لغيره تعالى، ولا تخضع لغيره ولا تراجع غيره، لأن الذي يحل مسألتك هو الله وحده. إذنْ فإذا طلبت فاطلب منه، فلو طلبت ممن تريد أن تطلب فالنتيجة تؤول إليه وحده فلا يقضي مسألتك إلاّ هو سبحانه؛ لذا لا تشتت جهدك سدًى بالوسائط والوسائل الموجودة بينك وبينه تعالى، بل ارفع جميع ما بينك وبينه تعالى وتوجه إليه بحوائجك. وافعل هذا قولاً وعملاً، واعلم أن جميع الوسائط عاجزة مثلك. فهو وحده سبحانه القادر على إنجاز ما تريده وتطلبه. فمقاليد السموات والأرض بيده، فلا مقدّر لشيء ولا معيّن له إلاّ هو. فهو الخالق وحده، وهو الذي يُضحك ويُبكي، يعزّ من يشاء ويذل من يشاء. بل حتى لو تسابق الناس جميعهم لينفعوك أو ليسعفوك وينقذوك مما أنت فيه من بلاء، فأعمالهم الحسنة جميعها ضمن تقديره جلّ وعلا. لأن القلم قد كتب ما كتب، فجفّت الصحف على ما كتب، أي لا يتغير ولا يتبدل ما كُتب فيها.

إن هذا الحديث الشريف "الذي هو من جوامع الكلم، يفهّم به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حَبْرَ الأمة وعلاّمتها عبدَ الله بن عباس أعمق مسائل القدر.

وهكذا يكون إدراك "المنتهِي" للقدر.

نعم، إن القدر مسألة وجدانية وحالية، يشعر بها كل إنسان بجميع هذه الحقائق المذكورة في وجدانه، بل يطفح بها. حتى يصح القول: إن موضوع القدر هو أكثر المسائل التي ركّز عليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. والكتب الستة زاخرة بمثل هذه الأحاديث. فينبغي أن يُبحث موضوع القدر في ضوئها إذ يستحق هذا الموضوع أن يُبحث بحثاً مستفيضاً بل يلزم ذلك.

فالمجوس يعتقدون بوجود قوّتين متغايرتين، إحداها للخير والأخرى للشر. فهذا النمط من الإيمان يجعل الله سبحانه وتعالى في صراع مع الشيطان، وعدم مداخلة أحدهما بفعل الآخر (حاشا). غير أن الإسلام على النقيض من هذه العقيدة كلياً، بل أعلن الجهاد على أمثال هذه الأفكار. نحن نؤمن بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له في ذاته وفي أفعاله، فلا رب سواه، يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولا سلطان إلاّ هو، والقوة كلها بيده.

فهذه الحقيقة نفهمها من الذكر الوارد في السنة، الذي يُقرأ صباح مساء: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».[5]

فنحن نعتقد في ضوء هذا الحديث الشريف بتوحيد الأُلوهية وتوحيد الصفات الجليلة وتوحيد الأفعال الحكيمة. وتفويض كل أمر إلى الواحد الأحد قضية مهمة جداً في إيماننا بل يشكل لبّه وخلاصته.

4) ولننظر إلى المسألة في ضوء ما يرويه الإمام علي رضي الله عنه:

«عن علي رضي الله عنهكنا في جنازة في بَقِيع الغَرْقَدِ. فأتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مِخْصَرَةٌ. فنكَّسَ فجعلَ ينكُتُ بِمِخْصَرتِه ثم قال: "ما منكم منْ أحد ما مِنْ نفْسٍ مَنْفُوسة إلا وقد كَتب اللهُ مكانَها مِن الجنةِ والنار وإلا وقد كُتبتْ شَقيّةً أو سعيدةً" قال فقال رجلٌ: يا رسول الله! أفلا نَمْكُث على كتابنا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ فقال: "مَن كان مِن أهل السَّعادةِ، فسيَصيرُ إلى عمَل أهل السعادة ومَنْ كان من أهل الشَّقاوة، فسَيَصيرُ إلى عمَل أهل الشَّقاوة" فقال "اعْمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ،[6] أمّا أهلُ السعادة فيُيَسَّرون لعمل أهل السعادة. وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمَل أهل الشقاوة". ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾(الليل:5-10)».[7]

نعم، فمن خُلق للجنّة فسيمتلئ قلبه بنشوة العبادة، وينفر نفوراً شديداً من النواهي، لذا يُيسّر له طريق المسجد ويُعسّر عليه طريق النواهي.

نعم اعملوا، فكل ميسّر لما خُلق له، فطريق الجنة يمر من المسجد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي لم يسجد لله سجدة ولم يجعل قلبه ووجدانه مرآة عاكسة لأوامر خالقه تعالى لا يقال له أنه في طريق الجنة. أي إن كان الإنسان من أهل السعادة فهو في النتيجة يقوم بأعمال تؤهله للجنة، وإن كان من أهل الشقاوة من حيث النتيجة فيقوم بأعمال يستحق بها النار. ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ صباح مساء «اللهم أحسِنْ عاقبتَنا في الأمورِ كلّها وأجِرْنا من خِزْي الدنيا وعذاب الآخرة».[8] ونجد أنه صلى الله عليه وسلم يورد آيات من سورة الليل[9] دليلاً على قوله الكريم، مما يذكّرنا بالمعاني الجليلة الآتية:

إن من بذل ماله ونفسه في سبيل الله وضَحّى بما يملك في تلك السبيل يدخل دائرة التقوى وينتفع من قوانين الله، أي سيمتلئ قلبه بالتقوى والتوقير بل يطفح بهما، فيلتجئ إلى حمايته تعالى، ويعلم أن ملاذه هو الله سبحانه وتعالى. أي إذا وثق الإنسان بالله في شؤونه كلها واعتمد عليه واستند إليه مصدّقاً بأسمائه الحسنى وكل ما هو معلوم بالضرورة من الإيمان، فالله سبحانه ييسّر له الصراط السوي ويبلغه الهدف كما يبلغ السيل الجاري إلى مصبّه. وهو بدوره يتلذذ بعمله في الصلاة والزكاة والحج والجهاد. حتى ينظر إليه من لا يدرك نشوة هذه الأمور إما بحيرة وإعجاب أو يقولون: إنه "مجنون". فتعجب الألسنة من عدم مبالاته بالموت ومن سخائه الفائق، بل حتى أعماله اليومية وتركه الأذواق الشخصية تعدّ من الخوارق. كل ذلك لأنه تعالى قد يسّر له السبيل إلى الأفضل.

ولكن بخلاف هذا، أي إذا أصبح الإنسان بخيلاً لا يبذل شيئاً ولا يعطي شيئاً لأحد، فليعلم أنه لا يُعطى لمن لا يعطي، فلو أعطى لأعطاه الله.. تُرى ماذا يعطيه الله سبحانه؟. يعطيه الحسنى.. العاقبة الحسنى. فمن لم يعطِ واستغنى، أي شعر في نفسه بوجوده واستغنى عن الله، بدلاً من الاعتماد عليه، أي اغتر بنفسه كقارون الذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78) وعدّ الذهاب إلى المسجد رجعية مستحقراً أهله مكذباً بالحسنى، أي منكراً المسمى بتلك الأسماء وهو الله سبحانه، غير مصدق بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي هو بؤرة تجليات الأسماء الحسنى، غير مكترث بالقرآن الكريم الذي هو الترجمة الأزلية لتجليات الأسماء الحسنى. فيُيسّر هذا الإنسان للعسرى، وربما تكون له أحياناً حياة دينية كالصلاة والصوم، ولكن يؤديها ضجراً متكاسلاً غير راغب في مغادرة الفراش لصلاة الصبح، وبمرور الزمن يترك الجماعة والعبادة. بل قد يَرى نفسه كالمغشي عليه إذا ما وجد أمامه أمراً إلهياً فيزيغ بصره حتى يعمل بخلاف ما أُمر، فيسأم ويسخط لدى أقل تكليف إلهي، إذ هو مُيسّر للعسرى، مثلَه كمثل الصاعد إلى الجبل المرهق بحمل ثقيل، كما تصفه الآية الكريمة ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾(المدثر: 17).

نعم، هناك من يجد منجم الفحم ويبحث عنه دوماً، وآخر يجد منجم الفضة وآخر النحاس وآخر الذهب، وهناك الكثيرون يغرقون في مجاري المياه القذرة.

إن الذي ييسر الطريق هو حفظ القلب على صحته، والإلتزام بالصدق والتوجه التام إليه تعالى، والبذل في سبيله وانتظار الإستجابة منه تعالى والإيمان بالأسماء الحسنى وعدم الاستغناء عنه تعالى وعدم الإغترار بإرادته الشخصية الضعيفة وعلمه القليل، مع الاعتقاد بأن كل شيء منه تعالى مع التضحية بماله ونفسه في سبيله.. نعم! إن هذا مما ييسّر الطريق. وبخلاف هذا يعني جعل الطريق شاقاً صعباً لا يمكن اجتيازه.

وفي رواية «قام سراقة بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت أعمالنا التي نعمل أمأخوذون بها ثم الحافر خير فخير وشر فشر أو شئ قد سبقت به المقادير وجفت به الاقلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سراقة قد سبقت به المقادير وجفت به الأقلام. قال فعلى ما نعمل يا رسول الله؟ قال: اعمل يا سراقة فكل عامل ميسر لما خلق له، يا سراقة الآن تجهد».[10] وفي رواية «فقال رجل من القوم ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال يعمل كل قوم ما خلقوا له أهل الجنة بعمل أهل الجنة وأهل النار بعمل أهل النار. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أرأيت أعمالنا هذه أشيء نبتدعه أو شيء قد فرغ منه؟ قال على شيء قد فرغ منه. قال فالآن نجتهد في العبادة».[11]

فبعد هذا نجد الصحابة قد بَلَغوا في العبادة مبلغاً، حيث شمّروا عن ساق الجد، فَعَبَدوا الله ليلا نهارا، أي إنهم أدركوا أن الإنسان أيّما طريق سلكه وصل نهايته، بمعنى مَن سار وصل.

نعم، هكذا كان فَهْم الصحابة للقدر. فهذا الإيمان لا يدفع إلى الكسل بل إلى السعي المتواصل. حيث إنهم أدركوا أيَّما طريق نسلكه فإن نتيجة ذلك الطريق، إذن قد قُدّرت لنا. فكانوا يسعون دائماً لبلوغ نهاية ذلك الطريق. إذاً فيا ويح من لا يكون في طريق المسجد، ويا ويح من لم يسجد لله سجدة ولم يسلك سبيل المؤمنين، ويقضي أوقاته وأعياده في المقاهي والملاهي والحانات. فطريقهم هذا طريق الضلال وينتهي إلى ﴿سَقَر﴾(المدثر: 26-30).

فحمداً لله حمداً كثيراً لما يسّر لنا طريق الإسلام ووضعنا في المساجد كما يضع الندى على الأوراق الطرية. وجعل قلوبنا مرآة عاكسة لأنوار القرآن الكريم شمس الشموس، وأنعم علينا بفضله وكرمه اتِّباع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم نسأله تعالى تمام النعمة ودوام النعمة والشكر على النعمة.

5) يروي عبد الله بن عمرو بن العاص قال :«خرجَ علينا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وفي يدهِ كتابان فقال: "أتَدْرون ما هذان الكتابان؟" فقلنا: لا يا رسولَ الله إلاّ أنْ تُخبرنا. فقال لِلذي في يدهِ اليُمنى: "هذا كتابٌ من رب العالمينَ فيه أسماءُ أهلِ الجنّة وأسماءُ آبائهِمْ وقبائلِهِمْ ثُم أُجملَ على آخرهِمْ فلا يُزادُ فيهم ولا يُنقص منهم أبدا". ثُمَّ قال لِلذي في شِماله: "هذا كتابٌ من رب العالمينَ فيهِ أسماءُ أهلِ النَّارِ وأسماءُ آبائهِم وقبائلهِم ثُمَّ أُجملَ على آخرهِمْ فلا يُزاد فيهِم ولا يُنقصُ منهم أبدا". فقال أصحابُهُ: ففِيمَ العمَلُ يا رسولَ اللهِ إنْ كانَ أمرٌ قد فُرِغَ منه؟ فقال: "سَدِّدوا وقارِبُوا فإنَّ صاحبَ الجنَّةِ يُختَم لهُ بعمَل أهل الجنّةِ وإنْ عمِلَ أيَّ عمَلٍ، وإنَّ صاحبَ النَّارِ يُختم لـه بعملِ أهلِ النـارِ وإنْ عمِلَ أيَّ عملٍ". ثم قال رسـولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدَيْه فنَبذَهُما ثم قال: "فرَغَ ربُّكم من العباد فريقٌ من الجنـة وفريقٌ في السّعير».[12]

سأحاول توضيح هذه المسألة بحادثة عشتُها فعلاً:

كنت على رأس مَن أُحبه وهو يحتضر من مرض التشمع الكبدي الذي ألمّ به، فكان يتلوى من شدة الألم، وقد انتفخ لسانه بحيث لا يدور في فمه إلاَّ أنه كان يردد شيئاً، قربتُ أُذني إليه منصتاً فكأن قلبه يقول: "لا إله إلاَّ الله"، بدلاً من لسانه؛ إذ أمضى حياتَه بنـزاهة وطُهر وكان في تلك الأثناء يعيش عيش الغرباء، وتعرّض في الغربة لمرض يحرزه مرتبة الشهادة، ولسان محبيه رطب بالدعاء له، وهم يحيطون به. فكأن الله سبحانه قد هيّأ له جميع الأسباب لإدخاله الجنة. إذ قد مَرِضَ في أثناء أدائه لفريضة الحج، وبعد عودته رقد في مستشفى "إزمير" قبل لقائه بأقربائه. إن فوزاً عظيماً كان ينتظره رغم أن ظاهره ينم عن أنه مظلوم. وأنا شخصياً أشهد على إيمانه من معرفتي بظاهر حاله، وعلى استعداد بالشهادة له يوم القيامة إن سمح لي ذلك. نعم، إن كان الشخص من أهل الجنة فالله سبحانه يختم أعماله بعمل أهل الجنة. بينما لو كان الأمر خلاف ذلك فالعاقبة تكون خلاف الأولى. حفظنا الله من خيبة العمل ورزقنا عمل أهل الجنة.. آمين.

لقد تطرقنا إلى إرادة الإنسان وخلق الله للأفعال. وفي الحقيقة أن الذي نطلق عليه "الإرادة" لا نعلم كنهها، بل كيفيتها مجهولة بالنسبة لنا، إذ هي موجودة وجوداً نسبياً إضافياً، ولكن هذه الإرادة أصبحت شرطاً عادياً لخلق الله سبحانه، لذا كسبت أهمية من هذه الجهة. ولكن ما وظائف الإرادة ودورها في الأفعال الصادرة من الإنسان؟ فهذا الأمر لم يُجزم به بأبعاده جزماً قاطعاً. بيد أن الذي نقرره هو: أن الله سبحانه يدخلنا الجنة بحسناتنا، ويسوقنا إلى النار -حفظنا الله منها- بسيئاتنا. فكما يكون الأبرار بإرادتهم أهلاً لدخول الجنة، يدخل الفجار بإرادتهم أيضاً جهنم، كما ورد في سورة الانفطار (الآية 13-14).

ولكن ما عَمَلُ الإنسان في هذه النقطة؟ وما مقدار مداخلته في الخير أو الشر؟ وما مقدار عدّه سبباً في الخلق حيث إن الله هو الخالق؟.. وأمثالها من الأمور والأسئلة نحيلها مضطرين إلى علاّم الغيوب جل وعلا.

ولكننا نقول: إن كتاباً قد سبق، وهذا الكتاب مَرّ بأشكال وأنماط مختلفة. إذ قد قُررت خطة عامة قبل خلق السموات والأرض، ثم استنسخت الخطط الخاصة بكل فرد من هذا الكتاب العام، وعُلّقت مقدرات الأفراد في أعناقهم. إننا لا يمكننا أن نفكر في أنفسنا وإرادتنا خارج الأشياء والحوادث، لذا عندما يُقال "القدر" فنحن موجودون فعلاً مع إرادتنا ورغباتنا في تلك الدائرة نتهاوى مع الأشياء والحوادث، حيث إن كل ما له علاقة بنا يأتي إلى الوجود ضمن الحوادث مرتبطاً بإرادتنا. فرغم أننا لا نستطيع أن نضع مقياساً لتلك الإرادة إلاّ أننا لا نشك قطعاً في وجودها.

فالقدَر هو نظر الله سبحانه وتعالى إلى الأمور كلها -وبضمنها إرادتنا- بمنظر علوي ورؤيته البداية والنهاية كرؤيته الحال. والقدر بهذا المفهوم لا محل فيه لمفهوم الاعتزال ولا الجبر. بمعنى أنه معلوم ومقدر عنده سبحانه جميع الأفعال المتعلقة بإرادتنا كجميع الأفعال الأُخرى التي لا علاقة لها بإرادتنا. إلاّ أن الأفعال الإرادية -مهما كانت سعتها- قد أُخذت فيها بنظر الاعتبار الإرادة والميل، وقدّرت التقديرات الإلهية وفقها وعلى قدرها.

قلنا إن لله سبحانه كتابات متنوعة، فالأمور التي يسجلها قلمُ القدر في اللوح المحفوظ يستنسخها الملائكة المكرمون بأقلامهم. فهذه الكتب التي يكتبها الملائكة معلقة في عنق كل فرد. أي أن جميع أفعالهم -قبل القيام بها- وجميع تفاصيل حياتهم مكتوبة في هذا الكتاب. أين تنجز وكيف ومتى؟.. ومعلوم أن إرادة الإنسان ليست مفصولة عن هذه الكتابة بل في ضمنها. أي أن جميع الأفعال المكتوبة هناك ينجزها الإنسان بإرادته، ثم يسجل الملائكة الأفعال المنجزة،[13]وستتطابق الكتابتان إذا ما قُورِنَتا. فالكتاب الذي كتبه العليم الخبير المحيط بـ"علمه بكل شيء في الوجود" لا يتناقض حتماً مع الكتاب الذي كتبه الملائكة، حيث إنه قد كتب في الكتاب الأول كل ما سنفعله لأنه معلوم مُسبَقاً في العلم الإلهي. أما الكتاب الثاني فقد كتب في أثناء إنجازنا للفعل. فالكتابان مطابقان تماماً حتى في أصغر حرف. إننا نؤكد المسألة هكذا لئلا نكون سبباً إلى أي فهم غير مقصود من قبَلنا.

لقد كتبتْ إحدى جهات هذه الكتابة على صورة ميثاق وعهدٍ أُخذ منا ونحن في عالم الأرواح وعالم المثال أو عالم الذرات، فنحن نشعر دوماً بانعكاسات هذه الكتابة في وجداننا. فلقد أراد الله سبحانه أن يقرر حكماً فوق الزمان. ونحن قد استجبنا بـ﴿بَلَى﴾ لهذا الحكم، فالآية الكريمة توضح لنا الأمر:

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَآؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾(الأعراف: 172-173).

فإذن قد أخذ العهد من الإنسان، وهو ما زال في صلب آبائه، بل هو ما زال في حالة الجينات في كروموسوماتهم أو هو بعد يجول في عالم الأرواح ولمّا يأت بعد إلى عالم الحيوانات المنوية أو عالم الذرات، وربما أُخذ الميثاق هذا في أثناء نـزول المنى في الرحم وبداية تكوين الجنين بنفخ الملائكة. أي يمكن أن يكون أخذ الميثاق وهو في أحد المنازل التي لا بد أن يمر بها الإنسان، أو في كل منها، والشاهد على هذا هو وجدان الإنسان.

وتُلْمح الآية الكريمة بكلمة ﴿رَبُّكَ﴾ إلى معانٍ عديدة، منها: الذي يربيك، ويسوقك إلى الكمال، وأوجد من الأثير ذرات وجودك، وركب جزئياتك، ومنها مركباتك. وهو الذي خلق من الأم البيضة ومن الأب المني، وهيأ المكان الملائم لنموك ضمن مسيرك في ظلمات متعاقبة. حتى جعلك تتنفس بهواء الأم في محيط لا هواء فيه، وغذّاك بغذائها، ويدفع فضلات وجودك بدمها، وهو الذي ساقك إلى مرتبة أعلى عليين بعد اجتيازك مراحل معينة، وجعل الحيوانات محصورة ضمن فطرتها. أما أنت فبتربيته جعلك تعرج إليه، وعمّر قلبك بالإيمان كي تكتمل مادةً ومعنى. ونوّر -بعملك الصالحات- ظاهرَك وباطنك، وهداك الصراط المستقيم الذي يوصلك إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وضَمِنَ لك الانضواء تحت جناح تربيته، وفوق كل هذا أنعم عليك بالمضي بخطوات اتباعه وتربيته حتى أبلغك ذروة درجة الولاية... وهكذا يربيك خطوة خطوة، مُظْهِراً ربوبيته لك. فهو الرب الرحيم الذي أخذ منك ميثاقاً في بداية الأمر وأشهدك على نفسه أنه الرب.

﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أتشهدون أنني أنا الرب وليس غيري خالق هذه الأحوال والأمور المتداخلة، وليس غيري يقدر على موازنة هذه الأحداث بدايةً ونهاية، وليس غيري خالق هذا الإنسان -ساكن الجنة- من تراب كثيف وأودع فيه استعدادا يمكنه من التقدم على الملائكة.

بمعنى: أيها الناس! اُنظروا إلى أنفسكم من قمة رأسكم إلى أخمص قدمكم هل من خالق غيري يقْدر أن يخلقكم على هذه الصورة؟ هل لغيري قدرة على الخلق كقدرتي فيتدخل في الخلق؟ هل يقدر غيري أن يمنحكم هذا الكمال في الخلقة هذا التقويم الأحسن؟ فهلاّ نظرتم إلى ملامح وجوهكم حيث وضعت فيها من العلامات الفارقة ما تميزكم عن مليارات من البشر بينما الوجه لا يتجاوز قدر كف واحد؟ فمن يقدر أن يخلق هذه المعجزات؟ حتى بصمات الأصابع متميزة في مليارات من الناس... فمن يقدر على هذا التمييز والتفريق؟.. وهكذا بعد ما يذكّر الرّب سبحانه الناس أنه الرّب، يُشهدهم على هذه الربوبية قائلاً: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾(الأعراف: 172) فأيّاً كان المخاطب بهذا السؤال، الروح، أو الذرات، أو المنيّ، أو الجنين في رحم الأم، أو المادة الأثيرية، فلا يكون الجواب إلاّ: ﴿بَلَى﴾.

إنك أنت الرّب الحق يا ربنا! وليس غيرك الذي يربّينا ويبلغنا الكمال، ونحن نشهد على هذا.

وهكذا تسجل هذه الشهادة، وتدوّن في الوجدان وتقرّ فيه بما لا يمكن محْوَه، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الكتابة بقوله: «ما من موْلود إلا يُولَد على الفطرة، فأَبَواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه».[14]

نعم، كل مولود يولد على الفطرة وهو مستعد وجدانياً للإيمان بالله سبحانه. فهو كالصحيفة البيضاء التي لم يُكتب عليها حرف بعدُ، وعلى استعداد لكتابة أنـزه العبارات، أو أبيات شعر تحير العقول.

إنه يولد هكذا ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ فمن أقرب الأقربين إليه من أب وأم وعم وخال ومن أبعدهم إليه يؤثر فيه، فيهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه. وإذا استعملنا التعابير المستعملة في وقتنا الحاضر فهم الذين يدفعونه إلى أحضان الشيوعية والماسونية أو الرأسمالية.. الخ. أي أنهم يؤثرون فيه حتى يصرفوه عن دين الله ويسوقوه إلى شتى السبل ويلوثوه.

إن كل صاحب فطرة سليمة يسمع في وجدانه صوت هذه الشهادة على ربوبيته تعالى، ونحن نستشعر بهذا الميثاق في أي صحيفة كان من صفحات وجودنا وكياننا، فنسمعه دوماً في أعمق أعماق أرواحنا، ومن هنا نَعُدّ الوجدان أحد الأسس الكلية الأربعة التي تُعرّفنا بخالقنا، ونقبله دليلاً قائماً وحده على وجوده سبحانه.

نعم، إن الكون كتاب: يعرّفنا بالله تعالى. وكذا القرآن الكريم كتاب: يعرفنا بالله تعالى. وكذا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم دليل ناطق: يعرفنا بالله تعالى.

وهناك كتاب صامت لا ينطق، ولا يكذب، إلاّ أن نداءه يرِد من الأعماق -مثلما يربط "كانت" (Kant) و"برجسون" (Bergson) وأمثالهم من الفلاسفة معرفة الله إلى ما وراء الكتب والأفكار والطبيعة- هذا الكتاب هو الوجدان، هذا الشاهد الصادق الذي رطّب لسانه بحلاوة وطلاوة كلمة: ﴿بلى﴾، وهو دليل واضح على الله سبحانه بحيث من تمكّن منه وأحسّه واستشعر به فلا حاجة له إلى دليل آخر، هذا الوجدان الذي لا يقر له قرار ولا يطمئن إلاّ بالله، فلا يجد السكينة والطمأنينة إلاّ بوجدانه الله تعالى كما هو في معناه.

وهكذا فكل مولود يولد ومعه هذا الشاهد.

ومن هنا فإننا نميل إلى فهم "من عرف نفسه فقد عرف ربه"[15] بهذا المعنى، أي من كان يعرف لغة وجدانه ولسانه فقد عرف ربّه. وقد عبّر عن ذلك "نيازي المصري"[16] شعراً بما معناه:

"كنت أصول وأجول الفيافي والقفار حاسراً حافياً باحثاً عنه وحده، ولكن ما أن رُفع الحجاب حتى شاهدت أن كل شيء مطوي في وجداني".

إن هذا الفكر قد بلغ الذروة فانتظم وانعقد بأبيات نيازي المصري.. نعم لقد قطع ملايين الأولياء مسافات لا نهاية لها بدلالة هذا الكتاب المشحون بالأسرار "الوجدان".

إن هذا الركن العظيم للطيفة الربانية، الوجدان، حالما ينبعث في قلبنا بهويته التي تحل كل معضلة، إذا بنا نشاهد الجنة تبرز وتهب نفحاتُها حتى ندرك ونشاهد جلوات الحضور الإلهي تتمثل فيه، ونستشعر في الوقت نفسه نفوراً من جهنم ومن كل ما يؤدي إليها من عمل. ويكبر هذا النفور يوماً بعد يوم، حتى يصبح الوجدان مرشداً ودليلاً يأخذ بأيدينا إلى كل زاوية من الكون ويُشهد أبصارنا المعاني المنطوية فيها.

إن كل إنسان ما إنْ يأتي إلى الدنيا إلاّ ومعه هذا الدليل الذي يُبلغه المعالي والذرى. ولكن الغافل الغارق في المادة، الباحث عن الله في المختبر، الذي يصمّ أذنه عن الوجدان، ولا يُذكي جذْوته ويفجّر طاقته حتى يَضمُر فسوف لا يعرف حقيقة هذا الدليل بلا شك ولا يستطيع أن يفيد منه الفائدة المرجوة.

والآية الكريمة ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وضّحتها أحاديث شريفة كثيرة رواها ما يقرب من ثلاثين من أجلّة الصحابة الكرام منهم ساداتنا علي وأبو سعيد الخدري وسراقة بن مالك وأمنا عائشة وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عمرو y. نذكر منها الحديث الآتي:

«قال عمرُ رضي الله عنه سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق آدم ثم مسح ظهرَه بيمينه واستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء لِلجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: يا رسول الله، ففيمَ العملُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل إذا خلق العبدَ للجنّة استعملَه بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلَق العبدَ للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار فيدخله به النارَ..». [17]

وفي رواية أُبيّ بن كعب في قول الله عز وجل ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾... الآية. قال: «جَمَعهم فجعَلهم أرْواحا ثم صوَّرهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذ عليهم العهدَ والميثاقَ وأَشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾.. الخ» الحديث. [18]

6) حديث آخر يروى عن عبد الله بن مسعود وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشقيُّ مَن شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطنها».[19]

نعم، إن السعيد والشقي هو من سعد أو شقي وهو بعدُ في بطن أمه. ولكن سبْق الكتاب هذا لا يحصل من غير إرادة الإنسان، وإلى أي جهة من الشقاوة أو السعادة تدفع به...

7) وفي حديث متفق عليه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو الحوار الذي جرى بين سيدنا آدم عليه السلام وسيدنا موسى عليه السلام يتوضح فيه "سبق الكتاب" الذي نحن بصدده.

«عن طاوسٍ، سمعتُ أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احتجَّ آدمُ وموسى، فقال له موسى: يا آدمُ أنت أبونا، خَيَّبْتَنا وأحرجتَنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه وخَطَّ لك بيَده، أتلُومُني على أمرٍ قدَّره اللهُ عليَّ قبلَ أن يخلُقَني بأربعين سنةً؟ فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى، .. (ثلاثا)». [20]

وقد فسر السلف هذه المحاججة ووضحوها منذ القدم، نلخص هنا ما قالوه:

· حجّ آدم موسى لأنه أبوه.

· إن آدم وموسى صاحبا شريعة خاصة لكل منهما. فلربما لا يكون ذنباً لأحدهما ما هو ذنب للآخر، ولهذا حجّ آدم موسى.

· الجنة ليست دار تكليف، بخلاف الدنيا فهي دار تكليف. فآدم ليس مكلَّفاً في الجنة. بينما موسى حاججه بقاعدة تخص دار الدنيا. ولهذا قُبلت حجة آدم.

· أراد آدم أن يُفهم أن الخير والشر كلاهما من الله سبحانه، وهو الصواب، ولهذا حجّ موسى.

وأمثال هذه الإيضاحات والشروحات. [21]

فإننا لا نناقش هذه التوجيهات في شرح الحديث الشريف المذكور لتوقيرنا أقوال السلف، فضلاً عن أن هذه التوجيهات ليست من جنس الأمور التي يمكن أن توزن وتقاس. إلاّ أننا لا نغادر هذا البحث دون الإشارة إلى حكمة دقيقة فيه؛ إذ الحديث يفهمنا مسألة دقيقة خفية من مسائل القدر وهي سبق الكتاب؛ أي كتابة كل شيء قبل وجوده، وفيه مقارنة بين حجة آدم وحجة موسى عليهما السلام، ثم تعقيب الرسول صلى الله عليه وسلم عليها بقوله: "فحجّ آدمُ موسى"، ويكررها ثلاثاً. ولا يقول الرسول الكريم أن كلام موسى خطأ. بل يلفت النظر الى شمولية حجة آدم عليه السلام.

في القدر جهتان:

الأولى: جهة تقديره سبحانه وتعيينه لكل شيء بعلمه المحيط، أي الجهة المتوجهة إلى الله سبحانه.

والثانية: هي الجهة المتعلقة بإرادة الإنسان.

فسيدنا موسى عليه السلام قد أخذ بجهة القدر المتعلقة بإرادة الإنسان فحسب، لدى تقييمه إخراج آدم من الجنة، بينما آدم قد نظر إلى المسألة من زاوية الجهتين معاً، أي جهة تقدير الله سبحانه وجهة إرادة الإنسان، أي حاور من مقام الجمع بين الجهتين. وحيث إن وجهة نظره أشمل فكانت الحجة له على موسى عليهما السلام.

ومع أن إرادة الإنسان ليس لها وجود خارجي، فإنها مرجع للسيئات التي تُرتكب، حيث إنها شرط في خلق الله لها. فالآية الكريمة تعطينا الميزان في هذا: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ ومَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء: 79). ولكن هناك جانب آخر من المسألة وهو المشيئة الإلهية كما هو في الآية الكريمة ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾(الإنسان:30).

نعم، إن الله سبحانه حاكم مطلق الحكم يجري حكمه وإرادته فوق جميع الإرادات، وما تطلقون عليه "إرادة الإنسان" ما هي إلاّ كقطرة صغيرة، لا تظهر ماهيتها إذا اختلطت ببحر زاخر، فهي لا شيء بذاتها، إلاّ أن الله سبحانه قد أنشأ الكون على هذا اللاّشَيْء. ومن هنا كسبت "الإرادة" اللاشَيْء أهمية عظيمة بقدر الكون.

ولهذا ينبغي النظر إلى القدَر بهذه الشمولية. فهذه النظرة هي نظرة مَقام الجمْع. والآيات الكريمة الآتية توضح المسألة: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ اِلاَّ اَنْ يَشَآءَ الله هُوَ اََهْلُ التَّقْوَى واَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾(المدثر: 54-56).

وعندما قيل للإمام الغزالي: "إننا لا نفعل بل نُريد.." أجاب: "حسَناً، فمن الذي أعطى الإرادة؟".

إننا مكلَّفون بلا شك، ونفعل وكأننا نحن الفاعلون، ولكن حدود هذا التكليف وكُنهه لا يعلمه حق العلم إلاّ الذي كلّفنا به. فلقد أعطى لنا شيئاً يمكن أن يكون مصدراً للخير أو الشر، فلا علمَ لنا حقاً أهذا الشيء بطانة أم وجه؟ ولكن يُشاهد أن أفخر الأقمشة يُنسج عليها ومن يملكه يتوّج بتاج الملوك. فهذا الشيء -من جهة- لا شيء، ومن جهة أخرى شيء عظيم. وهذا ما يقتضيه الجمع لدى النظر إلى المسألة. فمن تناول المسألة بجهتَيْها فقد جمع مسألة القدر، أما الذين لم يتناولوها بهذا النمط من التفكير فقد أصبحوا جبريِّين أو معتزلة.

نعم، إن كتاباً قد سبق، ولكن بجنب هذا الكتاب المجهول بالنسبة لنا كتاب آخر معلق في أعناقنا، كيفيته مجهولة أيضاً بالنسبة لنا. إن خالق الخير والشر هو الله، ولكن لا يرضى بالشر، والخير يرضاه. مريد الشر هو الإنسان، بينما سبحانه لا يريد أن يرتكب الإنسان الشر، ولكن حينما يريد فهو سبحانه وتعالى يخلقه.

8) لنذكر أمثلة أخرى لتوضيح المسألة أكثر:

عندما نـزلت الآية الكريمة: ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لهَا وَارِدُونَ﴾(الأنبياء: 98) اختلط الأمر على المشركين وحاروا، حيث الآية تخاطبهم قائلة: أنتم وما جعلتموه آلهة من أصنام، وما تعبدونه وتسندون إليه من مفاخر وبطولات فتنفخون فيه الانتصارات والإنجازات... أي كل ما تعبدون من دون الله، ليس إلاَّ حطب جهنم.

والآية خطاب موجَّه أولاً ومباشرة إلى الأصنام التي تملأ الكعبة المشرَّفة والبالغ عددها ثلاثمائة وستين صنماً. فالآية الكريمة تهدد مدار فخر المشركين واعتزازهم بنار جهنم. فلا شك أنهم ما كانوا ليبقوا ساكتين أمام هذا التهديد، ولا بد أن يقولوا شيئاً إزاء هذا التحدّي الواضح. ولكن لا حيلة لهم، إذ ما كانوا يجدون في أنفسهم قدرة على المعارضة. ثم خطر على بالهم عبد الله بن الزِّبَعْري[22] صاحب القدرة الفائقة في الإقناع والمنطق، مع التأكيد عليه أن يُسكت الرسول صلى الله عليه وسلم قائلين: إن شرفنا وعزّنا بيدك!. وفعلاً فكَّر ابن الزبعرى بأن يداور الرسول صلى الله عليه وسلم بلعبة منطقية، فقال له: تزعم أن الله أنـزل عليك هذه الآية: ﴿إنَّكُم وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وقد عُبدت الشمس والقمر والملائكة وعُزيْر وعيسى ابن مريم. كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنـزلت الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾(الأنبياء: 101). [23]

نعم، إن الذين لم تلوَّث ثيابهم بغبار الدنيا، بَعيدون عن جهنم، وإن الملائكة الذين لم يغفلوا عن الله طرفة عين بَعيدون عن جهنم.

فالمسيح عليه السلام روح الله وكلمته، الذي نفخ الحياة في الإنسانية وأحيا القلوب الميتة، وعزير عليه السلام ذلك النبي العظيم، بعيدان عن جهنم بُعد الأزل عن الأبد. فالذين يعتقدون اعتقاداً خاطئاًً سيروْن وَبال أمرهم، لأن الكتاب سبق للأنبياء والملائكة بالحسنى. وأن هذا التعبير القرآني "السبق بالحسنى" هو الجهة المتعلقة بموضوعنا.

9) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: أُغمي على عبد الرحمن بن عوف ثم أفاق فقال: «"أُغشي عليّ؟" قالوا نعم. قال: "صدقتم، إنه أتاني ملَكان هذه فقالا ألا تنطلق فنحاكمك إلى العزيز الأمين. فقال ملَك فإن هذا ممن كتبت له السعادة وهم في بطون أمهاتهم وسيمتّع الله بن بَنيه ما شاء الله. قال فعاش شهرا»[24]

والحديث الشريف الآتي -الذي سنحاول إيضاحه مفصلاً- يوضح الحادثة المذكورة آنفاً، أما الحديث الشريف فهو: «..فوالله إن أحدكم أو الرجلَ يعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكونُ بينُه وبينها غيرُ باعٍ أو ذراعٍ فيَسْبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل الجنة فيدخُلُها، وإن الرجلَ لَيعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكونُ بينَه وبينَها غيرُ ذراعٍ أو ذراعين فيسبقُ عليه الكتاب فيعملُ بعمل أهل النار فيدخُلها. قال آدم: إلا ذراعٌ».[25]

ومعلوم أن عبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة. والذي يهمنا في الحادثة هو "سبق الكتاب".

10) يروي لنا عامر بن سعد بن أبي وقاص هذه الحادثة عن أبيه:

«بينما سعد رضي الله عنه يمشي إذ مرّ برجل وهو يشتم عليّاً وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فقال له سعد: إنّك تشتم أقواماً قد سبق لهم من الله ما سبق، والله لتكُفَنّ عن شتمهم أو لأدعُوَنَّ الله عز وجل عليك، قال: "يخوّفني كأنه نبي!" فقال سعد: اللّهم إن كان يشتم أقواماً قد سبق لهم منك ما سبق، فاجعله اليوم أنكالاً!" فجاءت بُختيّة (الأنثى من الجمل) فأفرج الناس لها فتخبطته، فرأيت الناس يتبعون سعداً يقولون: اسـتجاب الله لك يا أبا إسحاق!». [26]

نعم إن أولئك الصحابة الكرام قد سبقت لهم من الله الحسنى: فسيدنا علي رضي الله عنه هو الحيْدر الكرّار، وسيد الرجال، وصهر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ثناءً جميلاً.

وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه دافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أُحُد ويده مشلولة، حتى حظي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسعوا لطلحة».[27]

والزبير بن العوام رضي الله عنه وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه حواريه قائلاً: «إن لِكلّ نبيّ حواريّا وإنّ حواريَّ الزبيْرُ بن العوام».[28]

وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي لم يتحمل الكلام البذيء الذي سمعه حول أولئك الأبرار هو ابن خال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد دافع عنه في أُحُد وقال صلى الله عليه وسلم بحقه: «ارم فداك أبي وأمي»[29] و «اللّهم استجب لسعد إذا دعاك».[30] ولهذا كان الناس يرهبون من دعاء سعد. فهؤلاء جميعاً قد سبقت لهم من الله الحسنى، أي أنهم يدخلون الجنة من باب الرحمة بلطف إلهي دون استئذان.

فالعبد مهما فعل فالكتاب يسبقه، له أو عليه، ولكن يجب ألاّ يفهم مِنْ "سبْق الكتاب" الإكراه والجبر الخارجي.

وسبق أن قلنا آنفاً إن الله سبحانه كتب مقدرات العبد وما سيفعله وفق علمه الأزلي، فالذين سبقت لهم منه الحسنى لا يختلف أمرهم عن هذا، حيث إن الله سبحانه يعلم ما يعملون بإرادتهم -حسنات كانت أم سيئات-. فقدّر سبحانه مثل هذه العاقبة، الحسنى لهم. فلا جرم أنه علاّم الغيوب، العالم بالجهر والخفي، بل علمه محيط بكل شيء قبل وجوده وبعده. ويظهر علمه هذا في سجلّ القدر، ثم يعمل العبد وفق ما جرى عليه الكتاب، ويسجل الملائكة هذه الأعمال، ثم يتجلى السجلان معاً ويُظهران التطابق التام.

اللّهم ألحقنا بالذين سبقت لهم منك الحسنى.. آمين.

الهوامش

[1] مسلم، القدر 16.

[2] العماء: السحاب. وقد قيل أن ذلك (العمى) مقصور وليس ممدوداً. والعمى إذا كان مقصوراً فمعناه: لا شيء ثابت. لأنه مما عمي عن الخلق لكونه غير شيء. أي (كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/240 هامش. (المترجم)

[3] أبو داود، السنة 16.

[4] الترمذي، القيامة 59؛ المسند للإمام أحمد، 1/293، 303-307.

[5] البخاري، التهجد 21، الأذان 155.

[6] وفي رواية زيادة "لِما خُلق له".

[7] مسلم، القدر 6-8. البخاري، تفسير (92) 7، القدر 6، التوحيد 54.

[8] المسند للإمام أحمد، 4/181.

[9] انظر: الايات الكريمة (5-10) منها.

[10] المعجم الأوسط للطبراني، 4/144.

[11] المعجم الأوسط للطبراني، 7/326.

[12] الترمذي، القدر 8؛ المسند للإمام أحمد، 2/167.

[13] انظر سوَر: الكهف: 49؛ الجاثية: 29؛ ق: 18؛ الإنفطار: 11-12.

[14] البخاري، الجنائز 93؛ أبو داود، السنة 17؛ الترمذي، القدر 5.

[15] كشف الخفاء للعجلوني، 2/343.

[16] نيازي المصري: شاعر تركي صوفي (1618-1694 م) ولد في قرية قريبة لولاية (ملاطْيه). أكمل دراسته في الأزهر الشريف، فلُقّب بـ(المصري). له ديوان شعر ومؤلفات، تولّى الإرشاد في مدارس إستطنبول العلمية. (المترجم)

[17] المسند للإمام أحمد، 1/272؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 2/503.

[18] مجمع الزوائد للهيثمي، 7/25.

[19] مجمع الزوائد للهيثمي 7/193؛ المعجم الكبير للطبراني، 3/176.

[20] البخاري، تفسير (20) 1/30، القدر 11، الانبياء 31، التوحيد 37؛ مسلم القدر 13.

[21] انظر: شرح صحيح مسلم للنووي، 16/201-202.

[22] وقد أسلم عبد الله بن الزبعري بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، وأنشد شعراً معتذراً عن فعلته (تفسير القران العظيم لابن كثير، 5/376). (المترجم)

[23] تفسير القران العظيم لابن كثير، 5/374-375.

[24] الجامع لمعمر بن راشد، 11/112.

[25] البخاري، القدر 1؛ مسلم، القدر 1.

[26] المعجم الكبير للطبراني 1/140؛ مجمع الزوائد للهيثمي، 9/154؛ حياة الصحابة للكاندهلوي، 2/469.

[27] البداية والنهاية لابن كثير 4/33،34.

[28] البخاري، الجهاد 40، 41، 135، فضائل الصحابة 13، المغازي 29؛ مسلم، فضائل الصحابة 48.

[29] البخاري، جهاد 80؛ مسلم، فضائل الصحابة 41،42.

[30] الترمذي، المناقب 26.