طباعة

7-وظيفة الإرادة

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في القدر في ضوء الكتاب والسنة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إننا لا ننظر إلى إرادة الإنسان على أنَّ لها وجوداً؛ وهذا ما يعتقده أهل السنة والجماعة الذين يمثلون معظم عقيدة الأمة. فنحن نعتقد أن كل عضو من أعضائنا موجود فعلاً ومخلوق بخلق الله له. فمثلاً: لي رأس، فهو موجود، وقد خُلق من قبل الله. ولي أنف وهذا أيضاً مخلوق من قبل الله. ولي رجلان، ولي ذراعان، ولي عينان وهكذا جميع الجوارح والأعضاء خلقت من قبل الله تعالى. أما الإرادة فلا يمكننا أن نعبّر عنها بنفس العبارة. نعم، إن لنا إرادة، وهذا صحيح، ولكن ليس لها وجود خارجي فهي ليست مخلوقة، ولهذا لا يمكننا أن ننظر إلى إرادتنا أنها موجودة. فالأشياء غير الموجودة هي التي لم تُخلق، إلاّ أنها معلومة في علم الله سبحانه؛ أي أن لها وجوداً علمياً، ولكن لم تتعلق بها الإرادة والقدرة الإلهيتان. ولو كان الأمر خلاف هذا النظر؛ أي لو كان للإرادة وجود خارجي -كما لأعضائنا- فالأمر يؤول إلى الجبر. فلو كانت إرادتنا مخلوقة كخلقة أعضائنا حيث إننا لم نخَيّر ونُسْأل في ذلك؛ فما كان لفعل من أفعالنا أية مسؤولية، وما كان لأحد أن يطلب ثواباً على حسناته، إذ لم يكن له بدّ من ذلك، فلا خيار له بين الحسنات والسيئات. علماً أن الأمر ليس هكذا. فإرادة الإنسان إذن لم تخلق بذاتها خلقاً، ولم توجد إيجاداً، بل أعطي لها وجود اعتباري، كما للخطوط الهندسية وجود اعتباري وفرضي. فإرادة الإنسان وجزؤه الاختياري لهما وجود اعتباري فرضي، أي لا يمكن أن يقاس أو يوزن وجود مثل هذا بأي مقياس أو ميزان. وهكذا فالإرادة تملك وجوداً نسبياً إضافياً لا وزن له ولا ثقل، إلاّ أنها شرط عادي لإجراءات الله في خلقه، وعندما يفعل الإنسان ما يخصّه -ميلاً أو تصرفاً- فإن الله سبحانه يخلق له الأداة التي تمكنه من أداء الفعل الذي يريد. ومن هنا فالإرادة كسبت أهمية عظيمة لارتباطها بفعل الخلق -سواء بالميل أو التصرف-، بالرغم من أن هذا الميل أو التصرف ليس لهما وجود خارجي بالذات. ولنمثل لهذا الأمر بمثال:

ما نجده في أيدينا من مخطط وتصميم لبناء ما لا تأثير له بأي حال من الأحوال في إنشاء البناء. فلو حملتم خريطة البناء بتصميمها ومخططها ليل نهار ووضعتموهما نصب أعينكم، فلا يؤثران في إنجاز البناء، أي لا قيمة ولا أهمية للخريطة والتصميم من هذه الناحية. ولكن ما إن تباشروا فعل البناء، فالتصميم والمخطط يحوزا الأهمية؛ لأن فعل البناء لا يمكن إلاّ بوجود ذلك المخطط. فإرادة الإنسان شبيهة بهذا المخطط والتصميم -خارطة البناء- فهي عبارة عن خطوط افتراضية. وما نعبّر عنه بـ"الجزء الاختياري" أو "الإرادة الجزئية" هما مسمى هذا المخطط أو الخطوط الافتراضية. أما تحقيق هذا المخطط فعلاً وإيجاده، فهو بخلق الله سبحانه له. ومما يلاحظ أن خلق الله يجري وفق هذا المخطط. وفي الحقيقة أن منبع المسؤولية مناط بهذه الإرادة.

وعلى الرغم من أن إرادتنا ليست لها قيمة أو أهمية تذكر، لأن الله سبحانه هو خالق أفعالنا فهو يفعل فعله وفق هذا المخطط تحت ستار الأسباب والمسبَّبات... فالحسنات التي أصبحنا سبباً لخلقها سنكافأ عليها، والسيئات نعاقب عليها. ومن هنا يشاهد أن نتائج عظيمة وذات أهمية تستند إلى هذه الإرادة التي هي فرضية، نظرية، وشرط عادي. لذا لا جبر على الإطلاق. بل جبر مشروط. فالخالق هو الله سبحانه، إلاّ أنه جعل إرادة الإنسان شرطاً عادياً لخلقه. فعلى الإنسان أن يفكر ملياً في هذه النقطة ويضع موازنة بين القدر والإرادة. وفي الحقيقة أننا ذكرنا إحدى المسائل المعضلة للقدر، لذا نحاول أن نوضح الموضوع ببعض الأمثلة:

هب أنكم لمستم زراً لِمَكِنَة كهرباء عظيمة، علماً أن غيركم قد هيأ هذه المكنة بنظام دقيق، بحيث إن مجرد مس زرها يجعل المكان كله غارقاً في النور. فالعمل الجزئي الذي قمتم به والنتيجة العظيمة التي ظهرت لا تشاهد بينها علاقة معقولة. فليست هناك علاقة معقولة بين السبب والنتيجة، كما هو الحال في معجزات الأنبياء.

ويمكن أن نقيس هذا بالأمور المتعلقة بعالمنا المادي، فانظر إن شئت إلى اللقمة التي تضعها في فمك وانظر إلى نتائجها في الجسم. فأنت تقول: "أكلت الطعام". ولكني أقول: "لا، لم نأكل الطعام وإنما الله سبحانه أطعمنا". وربما تقبل قولي هذا من قبيل التقدير والاحترام، إلاّ أننا إذا دققنا في المسألة نجد أن قولي هو الصحيح. كيف ذلك؟ فلننظر:

إننا نقرّب اللقمة إلى فمنا، فمَن الذي أعطانا إياها؟ وما المراحل التي مرت بها حتى أصبحت مستساغة للأكل؟ وكيف أصبحت الشمس لها طباخة؟ وما الشروط التي دفعت الأرض لتتهيأ لإخراجها هكذا؟.. وبماء مَنْ سقيتموها، وبهواء مَنْ جعلتموها تتنفس؟.. الخ من الاستفسارات..

ثم ما إن تقربوا اللقمة إلى الفم حتى تجري فيها العمليات، وأنتم لا علم لكم بها ولا دخل لكم فيها ولا خبر لكم عنها. فلو حاولتم إقامة تلك العمليات بأنفسكم وإحضار ما يؤكل بإرادتكم فلربما تنسون أموراً كثيرة وعمليات جليلة. فربما تعضون لسانكم وتدفعون طعاماً غير مهيأ إلى المعدة ومنها إلى الأمعاء.. بينما لقمة الطعام هذه حالما تدخل الفم، بل ولمّا تدخل وإذا اللعاب يسيل من الغدد، فتلك الإفرازات تؤدي عمليات مهمة تختلف حسب نوع الطعام. فهي تفرز إفرازاتها وفق نوعية الطعام وكيفيته.. ولا شك أن وظيفة المعدة أعقد من هذا؛ فهي بدورها تؤدي وظيفتها على أتم وجه، ثم تتولى الأمر الإثني عشري وإفرازات البنكرياس والكبد... وهكذا تؤدي كل منها ما عليها من الوظائف، حتى أن الكبد وحدها تؤدي ما يقرب من ثلاثمائة وظيفة. فكل يؤدي ما عليه بصمت وسكون ودون صخب ولا ضجيج. حتى أننا لا نشعر به ولا نعلمه.. ثم تتسلم الأمعاء المهمة فتؤدي دورها على أفضل وجه، حيث الهضم والامتصاص بزغاباتها التي تنقل الغذاء المهضوم إلى الدم، وبجانب هذا تصفية المواد الضارة وطرحها إلى الخارج، والتي تتم في الكلية التي يتناوب العمل فيها بين الراحة وأداء الوظيفة، حيث تدع نصف عمالها عمالاً إحتياطيين والنصف الآخر في عمل دائب.

والآن وضعنا اللقمة في فمنا، فكل ما يجري عليها من عمليات من البداية إلى النهاية، لا دخل لنا فيه، حتى لو عرفناه معرفة تامة. فالله سبحانه وحده هو خالق جميع هذه الأفعال. لذا نكرر السؤال فنقول: أيّهما صحيح: "أكلتُ الطعام" أم "أطعمني الله سبحانه"؟ إلاّ أننا نسلك في تعابيرنا المسلك المجازي فنقول: "أكلنا الطعام"، إلاّ أننا إذا استعملنا الكلمة بمعناها الحقيقي علينا أن نقول: "أطعمنا الله سبحانه".

وهكذا إذا ما نظرنا إلى المسألة من هذه الزاوية نجد أنه لا فرق كثيراً بينها وبين أفعالنا التي نؤديها بإرادتنا. ولهذا شبّهنا المسألة -من جهة- بالمعجزة، حيث إن "وجه الشبه" بين المسألتين هو عدم وجود علاقة معقولة بين العلة والمعلول؛ أي عدم وجود تناسب العلية بينهما، وهذا نشبّهه بالآتي:

هناك نملة صغيرة بجانب قصر عظيم، فلو قال أحد: "إن هذا القصر بنَتْه هذه النملة". هذا الكلام لا يمكن أن يُصدّق لمنافاته قاعدة "تناسب العلية". فالمعجزات التي أظهرها الأنبياء عليهم السلام هي من هذا القبيل، ولهذا تكون دليلاً على نبوتهم، أي نرى أنه لا يمكن صدور مثل هذه الخوارق من يد البشر؛ لذا نضطر إلى القول -وهو كذلك- أن هذه المعجزات تعطى لأولئك الرسل من قِبَل الله سبحانه. وبناء على هذه الأمور، فإن أفعالنا المبنية على إرادتنا الجزئية -وهي كخط فرضي- شبيهة بهذا الأمر.

فمثلاً: «انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدوا[1] وأصابع تلك اليد المباركة تتحول إلى عشر عيون يتفجر منها الماء: «قال أنس رضي الله عنه : فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه».[2] فكما لا يمكن إسناد هذه النتائج إلى ما يشبه السبب ظاهراً، كذلك لا يمكن إسناد جميع أفعالنا المبنية على إرادتنا إلى أنفسنا. فالفاعل في الحالتين هو الله سبحانه. ويذكّرنا هذا بالآية الكريمة: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾(الصافات: 96). والإيمان بهذه المسألة من ضروريات الدين. ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد أشار إلى هذه الضرورة، وشبّه الذين يزلّون إلى الفكر الاعتزالي بأنهم مجوس هذه الأمة. فقال: «إنَ لكل أمة مجوسًا ومجوسُ هذه الأمة الذين يقولون لاَ قدرَ».[3] ذلك لأنهم لا يسندون الخير والشر إلى الله سبحانه، أي أن العبد خالق لأفعاله.

كان يطلق تعبير "القدرية" في أول الأمر على القائلين بالجبر، ثم أُطلق على منكري القدر، وهو الموافق لمعنى الحديث الشريف. وهكذا وجد الاسم صاحبه الحقيقي. وفي الوقت الحاضر يطلق على مذهب المعتزلة الذي حافظ على مفهومه السابق مع فروق طفيفة.

وبجنب هذا هناك إنكار لإرادة الإنسان الذي هو مذهب الجبرية. وهذا الفكر أيضاً غير صائب، كما وضحنا بجلاء. أما مذهب أهل السنة فإنه يمثل الطريق الوسط المصون من الإفراط والتفريط والذي أخذ الحقيقة من الطرفين وهو أن الله خالق لأفعالنا، أما السائل والطالب فهو نحن، لذا تقع المسؤولية علينا.

الهوامش

[1] مسلم، صفات المنافقين 43-47؛ البخاري، المناقب 27.

[2] البخاري، الوضوء 46،32، المناقب 25، الاشربة 31؛ مسلم، الزهد 74، فضائل 4-6.

[3] المسند للإمام أحمد، 2/86، 125، 5/406؛ ابن ماجة، مقدمة 10.