طباعة

1-معاني القدر لغة واصطلاحاً

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في القدر في ضوء الكتاب والسنة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

القدر لغة: التقدير. يقال: "قدر الشيء" أي بيّن مقداره؛ و"قدّر الشيء بالشيء" أي قاسه به وجعله على مقداره؛ و"قدّر الأمر" دبّره، قضى وحكم به. ويرد بمعنى القوة والطاقة أيضاً. وعندما تنتقل الكلمة إلى باب التفعيل: قدّر، يصبح معناها: حكم به، نفذ حكمه، قضى.

نجد من مجموع هذه المعاني أن القدر اصطلاحاً هو: ما قدّره الله سبحانه من القضاء وحكم به.

والآيات الجليلة الآتية تؤيد التعريف الوارد أعلاه:

﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا في الْبَرِّ وَالْبَحرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ اْلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِين﴾(الأنعام: 59).

﴿قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً إلاَّ مَا شَاءَ اللهُ * لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾(يونس: 49).

﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ في السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِلاَّ في كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(النمل: 75).

﴿إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُم وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُبِينٍ﴾(يس: 12).

﴿بَل هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾(البروج:21-22).

﴿وَيَقُولُونَ مَتىَ هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾(الملك: 25-26).

ويرد القضاء والقدر بمعنى واحد من جهة، إلاّ أن القدر -بمعنى آخر- يعني كل ما قدّره الله سبحانه، أما القضاء فهو إنفاذ هذا التقدير، وأداء ما قُدِّرَ وإجراء حكمه.

والقدر تفويض كل شيء إلى الله تعالى أثناء وجوده العلمي وقبل أن يظهر إلى الوجود الخارجي. فالأشياء المهيأة لورود الوجود الخارجي وتحاول أن تأخذ مكانها في سلسلة الوجود، تُكتب في لوح المحو والإثبات الذي هو مستنسخات اللوح المحفوظ من قبل الملائكة الكرام ضمن علم الله المحيط بكل شيء.

فالقدر هو اقتران ما خلقه الله سبحانه بكسب الإنسان، أي أن الإنسان يباشر بعملٍ ما، فيؤدي بإرادته ذلك العمل، والله سبحانه يخلق بمشيئته ذلك العمل. وهكذا فالقدر هو تقدير الله سبحانه لوجود الأشياء بعلمه الأزلي والأبدي قبل وجودها وبعد وجودها؛ لذا فليس صحيحاً عدّ القدر عنواناً للعلم فحسب، إذ معنى القدر يسع فضلاً عن تقدير الأشياء وتعيينها بعلمه سبحانه، بصَرهُ وسَمعَهُ وإرادَتهُ ومشيئته. وحيث إن الأمر هكذا، فإن إنكار القدر يعني إنكار جميع صفات الله سبحانه وتعالى. ولهذا فإن كثيراً من المحققين تناولوا القدر ضمن بحثهم عن ألوهية الله جل جلاله. فقالوا: لا داعي إلى بحث مستقل للقدر، لأن الضرورة تقتضي تناول القدر ضمن بحث الألوهية. إلاّ أننا لا نرى الأمر مثلهم، لأنه ربما يشمّ من هذا المفهوم -من جهة- عدم قبول القدر ضمن أركان الإيمان. لذا نقول: مثلما نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، كذلك نؤمن بالقدر. وذلك لئلا نكون قائلين بما يومئُ إلى إنكار القدر سواء أكان إجمالاً أو تفصيلاً أو بأي شكل من الأشكال. أما إذا أخذنا أصل المسألة بنظر الاعتبار نرى أن الإمام أحمد بن حنبل يقول: "القدر من القدرة". فمن ينكر القدر فإنه ينكر كثيراً من الأمور التي تخص الألوهية. أي تتزعزع عقيدة الألوهية وتتهاوى أنظمة الفكر وأسس المفاهيم.

ومن هنا فالقدر موضوع جليل، وقد ضلّ الذين لم يتناولوه ضمن مفاهيم أهل السنة والجماعة. وتدخل عقلانية "المعتزلة" وحتمية "الجبرية" ضمن هذه الضلالة.