طباعة

الاستِدامة على الصفاء

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجرة المشروخة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
الجَرَّة المشروخة: الاستِدامة على الصفاء

   سؤال: حالف النجاحُ والتوفيقُ رجالَ الخدمة المهاجرين إلى خارج الوطن في سن الشباب؛ بسبب ما يتحلّون به من روح التضحية وعدم التشوف إلى أيّة منفعة، ولكن ما الأمور التي تجب مراعاتها في هذا الشأن كيلا يعتري هذه الخصالَ الحميدة بعضُ القصور مستقبلًا؟

   الجواب: يكمن وراء نجاح المؤسّسات التربوية المنتشرة في كل أنحاء العالم وغيرها من الأنشطة الخدمية التي ما زالت تواصل عملها في الوقت الحالي جهدٌ دؤوبٌ وسعيٌ حثيثٌ بذلهما فتيانٌ تخرجوا في الجامعة حديثًا وأقبلوا على الخدمة غير متشوّفين إلى شيءٍ من أحد. أجل، لقد نذر هؤلاء الفتية أرواحَهم من أجل الخدمة في سبيل الله، ويمّموا وجوههم إلى خارج الوطن يحركهم العشق والشوق إلى خدمة الإنسانية، فركزوا على المنوط بهم فقط، غير متطلعين إلى أي حساب شخصي يتعلق بالمستقبل، وإن الله سبحانه وتعالى لم يَدَعْ تلك الخطوات المباركة التي بذلوها بصدق وإخلاص دون مقابل، بل ضاعف لهم ثوابهم.

ومن جانبٍ آخر عند النظر إلى المسألة من الناحيتين النفسية والاجتماعية سنلاحظ أن متطوعي الخدمة الذين انتشروا في كل بقاع الأرض قد تقابلوا مع أناس يختلفون معهم في الثقافات والرؤى وفلسفة الحياة، وربما جعلهم هذا يحافظون على هويتهم الأصلية وقيمهم الذاتية، ومن المحتمل أيضًا أن تكون الأعراف والمعاملات والثقافات السائدة عند أهالي هذه البلاد -والتي لا تتوافق مع مشاعرهم وأفكارهم ومعتقداتهم- قد ألهبت صدورهم وشدّت من عزائمهم وجعلتهم يتوخّون الحيطة والحذر على الدوام. أجل، إن هؤلاء المتطوعين لما رأوا أنفسهم مضطرين إلى البقاء في مثل هذه البيئات التي لا تتوافق مع قيمهم الذاتية قالوا: لن نستطيع البقاء والثبات إلا بالحفاظ على هويتنا”، وراحوا يفكِّرون في ضرورة الحفاظ على قيمهم الذاتية حتى يتسنى لهم نفع شعوب البلاد التي رحلوا إليها.

ولكن يا تُرى هل استطاعوا الحفاظ على هذا الصفاء والنقاء مع تقدم العمر، وتزايد الإغراءات المادية؟ أم ستطِلّ الحسابات والمصالحُ الشخصية برأسها عليهم، وتُخَامِر أذهانَهم بعضُ المشاعر والأفكار الدنيوية من قبيل: الاستكانة إلى الراحة، والتشوّف إلى ما يضمن متاع الدنيا، والتطلع إلى مزيدٍ من السعادة، وامتلاك المسكن الدافئ؟

الأهم من ذلك هل سيتأثر هؤلاء الناس بمثل هذه الأفكار؟ وهل يمكن أن يقدِّموها على مشاعرهم تجاه الخدمة؟ وهل يا تُرى سيضطلعون بسلوكيات وأفعال يغلِّفها التظاهر والرياء من أجل الحفاظ على مكانتهم، واستدامة تقدير الناس وتوجههم إليهم؟ وهل سيشوب الكذبُ أفعالَهم وسلوكياتهم كأن يتظاهرون بأنهم يتحلَّون بأخلاقيات الخدمة، ويُشعرون من حولهم بأنهم يقومون بأعمال جادة؟

فإذا حصل ذلك فإن الخدمات المبذولة ستتأثّر قطعًا؛ نظرًا لاختلاط بعض الحسابات النفسانية والبشرية بالحسابات الإلهية، وربما يتسبب ذلك في وقوع بعض صفعات الشفقة من الله تعالى.

والحال أن المصيبة التي تقع بسبب ذنوب البعض وأخطائهم لا تقتصر على هؤلاء البعض فقط، لكنها تتعدى إلى الجميع بنص قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة الأَنْفَالِ: 8/25)، وعلى ذلك فإن كان الكل سيتأذى من أخطاء البعض فينبغي للجميع أن يتوخوا المزيد من الحذر حتى لا ينالوا مثل هذا العقاب، بل يغلقوا ويوصدوا كلَّ المنافذ والأبواب التي تؤدي إلى ذلك.

من جانب آخر على الذين يتعرضون لمثل هذه الهزّة الجماعية أن يراجعوا أنفسهم مرة أخرى، ويفكروا في الحكمة من وراء ذلك، ويفطنوا إلى الأخطاء والغفلات والحماقات التي أدتْ إلى هذه النتيجة.

   المواظبة على التطبيق

وقد لا نلمس دائمًا الأداء الذي نتوقّعه من بعض الذين حازوا المقامات والمناصب ونالوا بسببها مزيدًا من المزايا؛ فنشعر بشيء من الخزي والانكسار والأسف، ففي هذا الموقف علينا أن نتخذ من هؤلاء موقفًا يشي باللوم والتأنيب، وأن نحاول إرشادهم إن وَاتَتنَا الفرصة، كأن نقول لهم: “بما أن الله خصّكم ببعض إحساناته وأفضاله فقد كان عليكم أن تكونوا هنا وليس هناك، وأن تتوجّهوا إليه سبحانه وتعالى بعبوديّة أكبر وأعمق، ولا تحيدوا عن الصدق والإخلاص”.

لا سيما إذا أخذت الأفكار والمشاعر التي يحملها هؤلاء الذين وصلوا إلى مقاماتٍ ومناصب معينة في الضعف والانطفاء؛ حينذاك سيبدأ هذا الوضع بمرور الزمن في التأثير على المحيطين بهم؛ حيث يلمسون ضعفًا في قوام هؤلاء الإداريين وتراخيًا في أداء خدماتهم، فيأخذون هم بدورهم أيضًا في الاستكانة إلى الدعة والخمول، بل دعك من المواقف والسلوكيات، فسوف تسري نوايا هؤلاء الإداريين ومقاصدهم إلى مَرؤوسيهم، وحتى وإن بدوا وكأنهم يسعون ويقومون بالخدمة مع ما لديهم من حسابات مزيفة فستدرك النفوس هذا التناقض، وتتخذ موقفًا إزاء ذلك.

ومن ثَمّ يجب على الرواد إذا رأوا في المسؤولين عنهم أطوارًا وتصرفاتٍ لا تليق بمكانتهم أن يراجعوا أنفسهم على الفور قبل توبيخهم، وألا ينسوا أنه ربما انعكست بعض الأخطاء والزلات الموجودة لديهم على مرؤوسيهم، وأن يعتقدوا في أنفسهم أنهم لم يعطوا المنصب الذي تبوؤوه حقه، ولم يحسنوا تمثيلَه.

 لأنني أعتقد أن ديمومةَ حُسْنِ التمثيلِ ستؤثر في الدائرة المحيطة بها يقينًا، وستلقى حسن القبول لديها على وجه القطع، فعلى سبيل المثال: أتيحت لي الفرصة قديمًا للإقامة مع بعض طلاب النور الذين كانوا يخدمون بديع الزمان رحمه الله ورؤيتهم عن كثب والتعرف عليهم، وفي خلال هذه المدة شاهدت فيهم عنايتهم البالغة بأداء الصلاة، ودوامهم على قراءة الأذكار والأوراد، وإحياءهم الليل دون انقطاع، واعتنائهم منقطع النظير بالوضوء والطهارة؛ وذلك لأن شيخهم الذي كانوا يتبعونه كان دقيقًا وحسّاسًا في مثل هذه الأمور، فانعكس حاله هذا على من حوله؛ لأنه قضى عمره كله حاملًا شعور العبودية الكاملة، ولذا لم يبق تمثيله الدائم بلا تأثير، ويمكنكم أن تستنبطوا من هذا الأمر قاعدة عامّة.

ومن ثمَّ فإن الناس إن لم يروا أمامهم مَن تعلّق قلبه بالله، وأدى عبادته بإخلاص، وقام بخدمته انطلاقًا من روح التفاني والتضحية فسيَبهَت عالمهم الداخلي ويُصاب بالضمور، لأنه كلما نزلنا من الأعلى إلى الأدنى انخفض المستوى وضعُف القوام، ولهذا يجب علينا إذا رأينا قصورًا أو خطأً في المحيطين بنا أن نشكو حالنا إلى الله بدلًا من أن نشكوهم، وأن نقول كما قال سيدنا يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ (سورة يُوسُفَ: 12/86)، بل ينبغي أن نضيف إلى شكوانا غفلتنا وضلالتنا وتضاربنا وعدم كفاءتنا… إلخ.

وفي هذا الصدد أريد أن أنبه إلى شيء وهو: إنْ نَظَر كل إنسان يشغلُ أية وظيفة أو درجة أو مقام أو مسؤولية هذه النظرةَ إلى نفسه، وبدأ بمحاسبتها أولًا فإنَّ هذا هو التصرف الذي يليق به كمؤمن.

   طول الأمل

حذر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من حب الدنيا وطول الأمل في حديثه الشريف “لَا يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ“[1]، ذلك أن هذين الأمرين وراء العديد من التصرفات والسلوكيات المخالفة للدين، وحسبما يُفهم من الحديث فإن هذين الأمرين لا يتركان تلابيب الإنسان إلى أن يموت، بل يمكن القول إنّ طول الأمل بصفة خاصة يتنامى لدى الإنسان ويزداد أكثر كلما تقدم به العمر، والدنيا تدفع الإنسان ليلهث وراء تطلعات وتشوّفات لا تنقطع؛ لدرجة أنه يصبح بعد مدّة رمزًا للتشوّفات والتطلعات، بل إنه ربما يتخذ بعض الخدمات -التي تبدو وكأنه يضطلع بها لله- وسيلةً لتشوّفاته تلك، وإنسان كهذا سيفقد روح الاستغناء، ولن يستطيع الحفاظ على الإخلاص الذي هو روح الأعمال.

إن توهُّمَ الأبدية يكمن وراء طول الأمل، والواقع أن هذا ينبع من رغبة الإنسان الداخلية في الأبدية والخلود لأنه خُلق للأبدية؛ لهذا لن يرضيه إلا الذاتُ الأبدية سبحانه وتعالى، وعلى الرغم من أن الشعور والرغبة في الأبدية قد مُنِحَ للإنسان كي يكسب رضا الله ويتهيأ للجنة ويبتعد عن النار إلا أنّ الإنسان يقع في طول الأمل إن وجه ذلك الشعور توجيهًا خاطئًا؛ ثم يشرع في البحث عن إشباع نفسه لهثًا وراء المناصب والمال والأهواء والحظوظ والمتع.

والإنسان الذي لا يستطيع توجيه شعور الأبدية المكنون بداخله إلى النعم الأخروية الموجودة عند الله يتحير أمام مظاهر الجمال الدنيوية المؤقتة ويزيغ بصره؛ لأنه ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/14)، فالنعم الدنيوية جذابة وساحرة للغاية باعتبار جانبها المتعلّق بالنفس البشرية.

إن هذه النعم المذكورة في الآية الكريمة ليست جميلة في حد ذاتها؛ فكل واحدة منها متاعٌ دنيويّ خادعٌ يخاطب الهوى والرغبة، كل منها إغراء للعين، ووسيلة امتحان للإنسان، جوانب الجمال فيها لا تظهر إلا باستعمالها في المكان الصحيح، وهي وإن كانت تعني قيمة عند استعمالها لوجه الله في الدائرة المشروعة التي أمر بها سبحانه وتعالى إلا أنها لا تحمل قيمة في حد ذاتها، وهذا ما يعنيه أصلًا استعمال لفظ “زُيِّنَ” في الآية الكريمة، والتذكير في آخرها بأن العاقبة الحسنة تكون بالوصول إلى حضرة الله.

وعليه فإنه يجب على الإنسان أن ينتبه لهذه المشاعر التي تجعله يميل إلى الدنيا ويبتعد عن الله، ويستعملَ كل ما لديه من النعم زادًا ومؤنة للآخرة، وعليه في هذا الشأن أن يوفِّيَ إرادته حقها، وأن يعزم عزمًا حقيقيًّا ألا يكون عبدًا للدنيا، عبدًا للنفس، عبدًا للبدن، عبدًا للراحة والملذات وعبدًا للأهل والدار بالانخراط في نعم الدنيا المُزيَّنة له، ولما كانت كلُّ واحدة من مثل هذه العبوديات يمكن أن تخسف بالإنسان وتؤدّي إلى خسارته الأبدية فهي خطيرة في جانبٍ ما مثل عبادة الأصنام.

من جانب آخر فإنه ليس صحيحًا اعتبار هذه النعم الدنيوية -التي تشتهيها الأنفس- وكأنها سلسلة متينة تُقَيِّدُ الإنسان، لأن الله جل جلاله لا يقيد الإنسان بالسلاسل ثم يقول له “هيا تخلّصْ منها”، فتكليفٌ كهذا تكليفٌ بما لا يُطاق، وعليه إن كان الله يوجهنا إلى الآخرة ويريدنا أن نفوز بدار الخلود عبر هذه النعم فإنّ هذا هدف يمكنُ تحقيقُه، يكفي ألا يتكاسل ويتراخَى الإنسان، وألا يترك طرف الحبل الموصل لذلك الهدف، وعليه الاعتصام بحبل الله والعروة الوثقى، والتزام منهج القرآن، وطالما كان مُصرًّا وعازمًا على فعل ذلك فسوف يُعمّر دنياه وآخرته على حدّ سواء.

   الحاجة إلى تجديد الذات

عودٌ على ذي بدءٍ نقول: إن كنا نعيش حالة من التفسّخ الداخلي لأي سببٍ كان؛ سواء بسبب سيطرة توهّم الأبدية وشعور طول الأمل، أو الركونِ إلى الألفة والأنس مع مرور الزمن، أو إساءة تمثيل مَنْ في المقدمة، أو مغازلة الدنيا إيانا بما فيها من مظاهر جمال جذابة وفتانة، ولم نستطع الحفاظ على صفائنا وإخلاصنا الأول؛ فلا بد أن نراجع أنفسنا ثانية، ونسعى إلى تجديد ذاتنا.

ومِن ثمَّ يجب علينا أن نشغل أنفسنا بإجابة التساؤلات التالية: “تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل كي نُحييَ من جديد الحسّ الديني الداخلي إزاء القيم التي نقدّسها ونُجِلُّها؟ تُرى ماذا يجب علينا أن نفعل حتى نستطيع تحقيق انبعاث عام في عالمنا الفكري والحسي والروحي؟”، ينبغي لنا أن نبدأ عملية إعادة تأهيل حقيقية لتحفيز حماسنا الديني وإحياء عشقنا وشوقنا للخدمة من جديد، يلزم أن نراجع أنفسنا ونجتمع حول روح تجديدية هكذا.

إنْ عَجَزْنا عن وضع مجموعة مشاريع إيجابية في هذا الصدد وعن جمع الناس حولها، ووقَفْنا عند عيوب الناس وظَللْنا نتحدث عنها فلن نستطيع إصلاح المشكلات العارضة، ولا تضميد الكسور والصدوع، ونتيجة لذلك نعجز عن الإصلاح وعن تجديد الذات، بل إن الحديث عن عيوب البعض دائمًا بدلًا من طرح الأفكار لصالح أنشطة إيجابية يؤدي إلى تحطيم القوة المعنوية لدى البشر وعرقلة تحقّق أية فائدة في النهاية.

لهذا السبب يجب علينا بدلًا من الانشغال بنقدٍ لا فائدة ولا طائل من ورائه أن نتلاحم من جديد، ونسعى للتخلص من عيوبنا وأمراض أنفسنا، ونتّجه مرة أخرى لأن نكون مؤمنين كما ينبغي، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين قائلًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/136) ولما كان المخاطب هم المؤمنون فمن الأنسب أن نفهم هذه الآية هكذا “أيها المؤمنون! جدِّدوا إيمانكم بالله وبرسوله! توجهوا من جديد إلى الحق تعالى وعمّقوا مرة أخرى الإيمان في وجدانكم”.

يستحيل في أي مجتمع أن يبلى فيه جميع الناس وينهاروا في وقت واحد، فلا شك أن فيهم أشخاصًا يحافظون على حيويتهم ونشاطهم في أوقات مختلفة من اليوم وإن لم يكن دائمًا، ومن ثمَّ فإن اجتمع أفراد ذلك المجتمع وساهم كلٌّ منهم بقدر حيويتهم الذاتية وتَشَاوَرُوا؛ استطاعوا أن ينفثوا الحياة ويبعثوها في بعضهم البعض، فلا شك أنه سيكون لهذا تأثير مهم للغاية في ذلك المجتمع يشبه تمامًا تأثير أحوال المصلين وسلوكياتهم في بعضهم البعض.

ليس صوابًا تحميل مهمة البعث هذه لبضعة أشخاص فحسب؛ إذ يجب على كل إنسان القيام بما يقع على عاتقه في هذا الشأن، والاشتراك في هذا الأمر بما يحمله في فلك روحه، وكما يمكن أن تجتمع طائفة من الناس في بيت واحدٍ منهم وقد أحضر كلٌّ منهم صنفًا مختلفًا من الطعام حضّره في بيته وتسنّى لجميع الحاضرين تذوّق جميع هذه الأصناف؛ فإن استفادة المجتمعين على فعل الأعمال المعنوية والأخروية بفعل الواردات القلبية والروحية والحسية ستكون واسعة النطاق هكذا أيضًا، وإنّ انبعاثَ وصحوةَ من أَلِفوا الدنيا واطمأنوا بها، وبالتالي فقدوا بركةَ ما قاموا به من أعمالٍ مرهونٌ بتكوين مائدةٍ سماويّةٍ هكذا.

[1]  صحيح البخاري، الرقاق، 5.