طباعة

اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجرة المشروخة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
اتهامات وافتراءات على الخدمة – 2

مظاهر عدم التّقبُّل والحسد

تحقد بعض الشرائح على متطوعي الخدمة، ومن أهم أسباب ذلك الحسدُ والغيرة، ومن ذلك رسالةٌ مكوّنة من ثلاث صفحاتٍ جاءتني قديمًا من شخصٍ قال فيها ما مفادُه: “إن الخدمة تشغل الساحة وتملأُ الميدان إلى درجةِ أنّها لم تُبقِ مكانًا للآخرين”! وكأنه لم يبق في هذا العالم الضخم مجالٌ آخر يُحتاج للخدمة فيه! والحقيقةُ أن هناك أماكن عديدة في العالم تحتاج مشاكلُ الإنسانية فيها إلى حلول، ويمكن إيصال الحق والحقيقة إليها. نعم، اذهبوا إلى إفريقيا، اذهبوا إلى الشرق الأقصى، اذهبوا إلى الصين، اذهبوا إلى روسيا، إلى أمريكا، اذهبوا إلى حيث شئتم، وحاولوا أنتم كذلك نقلَ عالمنا الثقافي الثري إلى الناس هناك، والاستفادة من ثرائهم وكنوزهم الإنسانية، ما أكثر الأماكن البكر في العالم، والتي يمكن استزراعها والحصول على ثمارها الطيبة.

ولكنّ عدمَ القيام بهذا والشكوى صراحةً من الخدمات المنجزة؛ إنما هو مؤشّرٌ على عِظَمِ ما يكمنُ في الصدور من مشاعر عدم التقبل.. وهذا يعني أنهم يتحدثون فيما بينهم عن مثل هذه الأمور، ويصرّحون بانزعاجهم من الخدمات المنجزة! إن مشاعر عدم التقبل ربما تدفع الإنسان إلى التخريب بقدرٍ لا يدفعه إليه الكفرُ؛ فبعض الأشخاص الحاقدين يبذلون قصارى جهدهم لمنع الاهتمام والتوجه إلى غيرهم، وتضييق مجال تأثيرِ غيرهم على المجتمع، فيلجؤون إلى كل أنواع الكذب والافتراء والتشويه، بل إنهم يحاولون أن ينسبوا إلينا مجموعةً من الجرائم لا علاقة لنا بها من قريب ولا من بعيد، ويسعون إلى جعلنا في مواجهة مباشرة مع الدولة، ويقدموننا وكأننا أعداء ألداء لها.

وكما سبق أن تعرّضنا لمثل هذه الغوائل مرات عديدة فإننا نتعرض لها الآن أيضًا، ولستُ أدري إن كانت طاقتُنا تكفي للقضاء على مشاعر المزاحمة والغيرة الكامنة لدى الناس أم لا؟ ولكننا مكلَّفون بتنفيذ ما يقع على عاتقنا، وهو التحرك بشفافية تامة، والتزام الحساسية لأقصى درجة تفاديًا لإثارة مشاعر الحسد لدى أي إنسان، والأكثر من ذلك تمهيدُ الطريق الذي نسير فيه للآخرين عبر جعل أهدافنا هدفًا يتبنّونه، إن كنتم ترغبون في اعتلاء قمة جبل “إفريست”، فادعوا الآخرين من مختلف الأفكار الذين يُكنون لكم الضغينة والحسد أن “هيّا بنا نصعد سويًّا”.. أَثبتوا أنكم لا تفرقون ولا تعادون أحدًا، بالإضافة إلى ذلك لا تنسوا أن أصحاب الأفكار المختلفة عنكم قد يُضيفون إليكم شيئًا مفيدًا، لا تربطوا المسألة بفلان أو علان فحسب فتُضيّقوا الفضاء الذي بسطه الإسلام، ولا تُحَوِّلوا ما أمامنا من طرق واسعة إلى دُروبٍ ومنعطفات من أجل الوصول إلى الهدف، وإلا تعثّرتم في الطريق، وعجزتم عن الوصول إلى المكان المطلوب.

لا تدخلوا مع بعض الأشخاص في خلافات وصراعات بشأن بعض القضايا الفرعية، لا سيما إن كنتم تستطيعون الاجتماع حول محكمات القرآن والسنة، احترموا تمامًا الطريق الذي يسير فيه كلُّ إنسان، والمنهجَ الذي يتبعه؛ فالاحترام مفتاحٌ سحري، إن تحترموا الآخرين تُثيروا مشاعر الاحترام لديهم تجاهكم، وإلا فإنكم تدفعونهم إلى مهاجمتكم، عبروا للآخرين عن مشاعر التقدير، ولا تفعلوا هذا انطلاقًا من مبدإ المُداراة، بل لأنكم تؤمنون بذلك في أعماقكم، ليسمعوا الصوت والنغمة نفسها كلّما سمعوكم في مناسبات وأوقات مختلفة تمامًا، وهذا سيكشف صدقَكم وإخلاصكم؛ لأن القولَ شيءٌ، والحفاظ َعليه، وجعلَه جزءًا من طبيعة الإنسان شيءٌ آخر.

إنكم لا محالةَ ستجدون صعوبة بالغة في هذا الأمر، ولن يوافق الطريقُ الذي يسلكه الآخرون فهمَكم وطبيعتَكم، وستُطلُّ الأنانية برأسها، بل وستصبح تلك الأنانية أكثر صلابة فيما يتعلق بالأنانية الجماعية، ولكن ينبغي أن تعرفوا أن التغلب على مثل هذه الصعوبات يتأتّى عن طريق إعطائكم إرادتَكم حقّها، وتحمّلِ المواقف المزعجة، بل إن التراجع إلى الوراء بضع خطوات -إذا لزم الأمر- سيمنحُكم ثوابَ العبادة من ناحية، ويجعل الآخرين يتعاطفون معكم ويتوقون إلى مشاركتِكم دربَكم ومنهجَكم من ناحية أخرى.. علاوة على أن من لم ير منكم إساءةً لسنوات طويلة فسيبدأ في بناء الثقة بكم.

وكما أكدنا سابقًا؛ فالطرق المؤدية إلى الله تعالى كثيرةٌ بعدد أنفاس المخلوقات؛ وذلك بحكم الفطرة، وعليه فإن الاختلاف في الفروع جنايةٌ طالما أمكن الاتفاق في القضايا الرئيسة، إن كنتم تبتعدون عن البعض بدعوى أنكم تتبعون الطريق الأجمل فهذا يعني أنكم على خطإٍ عظيم، وعلى حد قول الأستاذ النورسي فإن الحسن المتفق عليه أفضل من الأحسن المختلف فيه، ومن ثم فإن عصرنا الذي يحتاج بشدة إلى الوفاق والاتفاق في أمسِّ الحاجة إلى تناول مشاعر الحسد أو التنافس التي في الصدور، وعجنها ووضعها في قالب الإخلاص، فإن لم تُراعَ تلك المبادئُ فإن مسار الطريق سيكون في خطر، ومهما تحركتم بتضحية وفدائية فستقع حوادث مرورية لا يمكن توقّعها، ثم تضطرون إلى بذل عشرة أعوام من عمركم في مسافةٍ يمكنُ قطعها خلال عامين فقط.

فتن المنافقين وإفسادهم

بالإضافة إلى كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور المنافقين الذين يسيئون التصرف ويفسدون باستمرار، فإن كانوا يكرهونكم بسبب دينكم وتدينكم، وطريقكم ومنهجكم، ونموكم وتطوركم وتقدمكم فسوف يدبرون لكم المكائد والمؤامرات واحدةً تلو الأخرى باستمرار، وإن بلادنا لم تخلُ قطّ ممن يعادون الدين، ويثيرون الخلافات والشقاق بين أفراد الأمة باستمرار، ويرغبون في إفساد البنية العامة لبلادنا والزج بها في دوامة الاضطرابات، فهؤلاء الأشخاص الذين سيطرت عليهم فكرة الشر سيشعرون بالانزعاج من كل الحملات الإيجابية التي تعود بالنفع على البلاد، فيفعلون كل ما بوسعهم لعرقلتها وإفسادها.

إنهم يعملون ضدكم باستمرار؛ فيهمسون -أحيانًا- في آذان الحاكمِ بأشياء يُلَفِّقُونها ضدكم، وأحيانًا يختلقون بعضَ الحجج الواهية فيقدمونكم من خلالها إلى الرأي العام كمجرمين، وأحيانًا أخرى يُحرّضون عليكم الناس من قطاعات مختلفة، حتى إنهم عند عجزهم عن الوصول إلى أهدافهم بمثل هذه الفتن يضعون مختلف شرائح المجتمع في مواجهة مباشرة؛ فيضربون بعضها ببعض، ويحاولون إثارة الصدام فيما بينها، وبعد أن تقضي شريحة على الأخرى سوف يقفزون هم أيضًا على رأسها.

ولهم مؤسّسات فكرية ومراكز إستراتيجية أسّسوها للقيام بهذه الأعمال على وجه الخصوص، وفي أروقتها يضعون الخطط والمشاريع المتعلقة بكيفية القضاء على من لا يفكّرون مثلهم، وفي غرفها المغلقة يُلَفِّقُون شتى الأكاذيب والافتراءات بشأنهم، لدرجة أن رياح -وبعبارة أصح عواصف- تلك الفتن والمفاسد التي يثيرها مثل هؤلاء الناس يمكنها تقويض الدول؛ لأن التخريب أسهل من التعمير.

وهنا لا بد من القول إنه لا أساس إطلاقًا لكل المزاعم المثارة ضد الخدمة، وما هي إلا افتراءات وتشويهات، حتى إنّ مثيري تلك الافتراءات يعلمون هم أنفسُهُم أنه لا أساس لها من الصحة، ولا سيما أن وصف المنتسبين إلى الخدمة بالإرهابيين، واتهامَهم بخيانة الوطن ليس إلا نتيجةً للحقد عليهم والاغتياظِ منهم؛ لأنه حتى اليوم لم يخرج من بين المنتسبين إلى حركة الخدمة، الضاربين في شتى أصقاع الأرض حاملين إليها رسائل المحبة شخصٌ على الإطلاق لجأ إلى العنف أو تلوّثَ بالجريمة.

إن مُرَوِّجي هذه المزاعم يعلمون يقينًا أن رجال الخدمة لم يحملوا معهم ولو حتى شفرةً صغيرة، ناهيك عن أن يلجؤوا إلى العنف والإرهاب المسلح؛ فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للحب لا يدوسون ولو حتى نملةً عامدين، وبالرغم من كل هذا التحريض والضغط فقد حافظ رجال الخدمة على نهجهم، ولم يخرجوا إلى الشوارع بأي شكل من الأشكال، وهذا دليل كافٍ على صدقهم وإخلاصهم، كما أن متطوعي الخدمة الموجودين منذ ما يقرب من نصف قرن والنشطين في مجالات مختلفة لم يثبت بحقهم حتى الآن أيُّ دليلٍ على ارتكابهم لأية جريمة بالرغم من مراقبتهم من قبل أجهزة سرية مختلفة؛ لذا سُمح بالعمل للمؤسسات التي أنشؤوها في العديد من دول العالم.

لكنه وعلى الرغم من هذا البياض الناصع لسجلات المنتسبين إلى الخدمة إلا أن هناك أشخاصًا يُعادون متطوعي حركة الخدمة لأسباب مختلفة؛ منها ما ذكرناه سابقًا ومنها ما لم نذكره، ويختلقون ويُلفّقون الأدلة لإدانتهم، ويحيكون الخطط لإيذائهم، بدعوى الحفاظ على مستقبل الأمة ومصالح البلاد أحيانًا، وبذريعة حماية أسس الدين، ومتطلبات الجمهورية والديمقراطية وتحقيق السلام العالمي أحيانًا أخرى، مع أن الخدمة لم ولا ولن تمس هذه العناصر بأي سوءٍ أو ضرر.. الأمرُ على العكس تمامًا؛ فالخدمات المبذولة ترمي إلى دعم كل هؤلاء وتطويرهم، لذا فإن الواقع على عاتقنا هو بيان كل هذه الأمور وتوضيحُها مرارًا وتكرارًا.

مواصلة العمل

وبغض النظر عما يفعله الآخرون من شرور؛ فإن الذين آمنوا بالله وحكمته، والتزموا أوامره بالسعي فهداهم سبحانه وتعالى إلى الطريق القويم؛ لا تدفعهم تلك الأفعالُ إلى التردد، ولا تُحيرهم أو تنالُ من عزيمتهم، ولا تجعلهم يتوقفون أبدًا.. إن هؤلاء المؤمنين بالله وحكمته ما داموا يثقون بأن طريقَهم يَعِدُ بنتائج طيبة لصالح أمّتنا والبشرية في العالم على حدٍّ سواء، وما داموا يفحصون طريقهم باستمرار ويتحقّقون من مدى صحة الموضع الذي يتم الوصول إليه بالنسبة للمقاييس العامة والقِيَم الكونية؛ فعليهم ألا يَنظروا إلى الكلام الصادر من هنا وهناك، وألا يرتبكوا أو يخافوا طالما تيقّنوا من عدم ارتكابهم الخطأ.

فقد رُميَ نبيُّ الله نوح عليه السلام بالحجارة، وتعرّض سيّدُنا هود عليه السلام للتضييق والتهديد، وهُدّد صالح عليه السلام بالقتل، واضطر سيدنا موسى عليه السلام إلى ترك وطنه، وأُرِيدَ صَلبُ المسيح عليه السلام، ونُشر زكرياءُ عليه السلام بالمنشار، وهناك الكثير والكثير من الأنبياء تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقمع.. لكنَّ أيَّ فردٍ منهم لم ينكص عن الطريق الذي سلكه، وإذا كان أشرفُ عباد الله تعالى وأقربُ خلقه إليه قد سامهم الظالمون شتى أنواع الأذى وأذاقوهم صنوفَ الألمِ؛ فلا يمكن لسالكي دربِ السعادةِ على هداهم ألّا يُفتَنوا كما فُتِنَ سلَفُهم الصالح، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (سورة العَنْكَبوتِ: 29/2-3).

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: “يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ فَمَنْ ثَخُنَ دِينُهُ ثَخُنَ بَلَاؤُهُ وَمَنْ ضَعُفَ دِينُهُ ضَعُفَ بَلَاؤُهُ[1].

وعليه يُعتبر المضحون الذين يستهدفون نيل رضا الله تعالى عبر إحياء مستقبل الإنسانية قد فازوا في النهاية حتى وإن أُلقوا في حفر الموت على قارعة الطريق، ولا ينبغي لهم أن يحزنوا لذلك، بل يحزنون على مَن ظلمهم وتأخذهم الرأفة بهؤلاء المعتدين الذين ضيّعوا آخرتهم بأيديهم، فعندما شُنق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه من قِبَلِ “الحجاج بن يوسف” برزت أمه سيدتنا أسماء رضي الله عنها للحجاج وخطبت خطابًا مؤثرًا مزعزعًا، فكان مما قالته للحجاج: “يا حجاج! لَئِنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ لَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ”[2]، إذًا يجب أن يكون هذا ما يُحزِنُنا.

بالإضافة إلى ذلك: تسامَحُوا وأحبّوا ما استطعتم، ولا تنسوا أنّ عَبَدَةَ الشيطان ومَنْ يتحركون بتوجيهاته لن يتخلّوا عن عدائهم لكم، فعليكم أن تواصلوا طريقكم بحذر ويقظة، وتذكّروا أنه كلّما منَّ الله تعالى عليكم بنعمٍ وألطافٍ انزعج من ذلك أعداء الله ورسولُه، وراحوا يحيكون المؤامرات في سبيل تشويه خدماتكم الطاهرة، والحقيقةُ أنه بالنظر إلى الخدمات المبذولة باسم الخدمة يتبيّنُ أنها لا يمكن أن تُزعجَ أحدًا سوى الشيطان المطرودِ من حضرة الله، غير أن هناك أشخاصًا كثيرين يُعينُون الشيطان على الشرّ، لذا فينبغي لكم وأنتم تواصلون طريقكم بعيدًا عن التوقف أو الذعرِ؛ أن تتحلّوا بالبصيرة الفائقة والحيطة والحذر التامّين.

ونظرًا لأن التعامل مع هذه الأشياء الواسعة الدائرة إلى هذا الحد لا يمكن أن يتحقق من خلال الاعتبارات الفردية، يلزمكم تناولُ الأمور الخاصة بكم وفقًا لمبدإ المشورة والوعي الجماعي، وإن كنتم لا ترغبون في التعرض للخيبة والخسران فعليكم بالتشاور حتى في أبسط الأمور، والالتزام بالقرارات الناتجة عن ذلك.

 المحاسبة

أخيرًا وليس آخرًا، من المفيد أن أذكركم بأمر كثيرًا ما نؤكد عليه؛ حيث إن الأستاذ النورسيَّ يحمّل نفسه المسؤولية ويعتبر -في أحد المواضع من كتبه- أن اعتداء الدنيويّين عليه إنما حصلَ بسبب بعض المشاعر التي قد تدبُّ بداخله، والتي لا يُقرُّها أصلًا.. لذا يجب علينا قطعًا أن نُخضع أنفسنا للمحاسبة في هذا الشأن، فنحن نقول إننا نبغي رضا الله تعالى فقط، وإننا متعلقون بغاية سامية جدًّا هي إعلاء كلمة الله التي هي أكبر وسائل نيل رضاه تعالى، تُرى هل نستطيع الحفاظ دائمًا على تلك الفكرة والشعور الأول في كل لحظةٍ من حياتنا؟ تُرى هل تخطر ببالنا -ولو شيئًا قليلًا- أفكارٌ مثل الاستفادة من النعم الدنيوية وتحقيق الراحة في الدنيا؟ تُرى هل نتدخل في شأن الربوبية من خلال التشوف إلى بعض الرغبات المتعلّقة بالمستقبل؟ تُرى هل نثق باتساع الخدمات المبذولة ونراها وكأنها مصدر قوة فننسى مصدر القوة الحقيقي الذي يجب الركون إليه والوثوق به؟!

من الممكن زيادة الأسئلة أكثر، ويمكنكم التفكير فيما هو أعمق من ذلك، ومحاسبة أنفسكم من هذه الناحية؛ فالتعبير عن أمرٍ ما شيء، وتمثل ذلك الأمر شيءٌ آخر، إنْ صدر منكم أيُّ خطإٍ أو تقصيرٍ في هذه القضايا فقد تنالون صفعة رحمة، وبالتالي فما يجب عليكم فعله هو سرعة التوجه إلى الله بالتوبة والاستغفار كمن أذنب، وبما أنَّ أحدًا منّا ليس مُبَرّأً ومزكًّى فلا نستطيع أن نزعم أن مشاعرنا وأفكارنا نظيفةٌ معصومةٌ على الدوام، تمامًا مثل بعض الدقيق الذي يخرج من بين حَجَرَيْ الطاحونة ويتطاير بعيدًا عن المخزن، فإن بعض أفكارنا أيضًا قد تذهب بنا إلى أماكن لا نريدها، ويستغل الشيطان فراغكم هذا فيُسلِّط عليكم بعضَ الناس، وهو ما يعتبر في الوقت نفسه عقابًا إلهيًّا لكم نتيجة أخطائكم.

ومن ثمَّ يجب علينا الحذر التام لئلا تكون هناك أية ثغرة في علاقتنا مع الله تعالى، ولنراقب أنفسنا باستمرار: هل نحافظ على قوامنا أم لا؟ فإن حدّدْنا أخطاءنا وأوجهَ تقصيرنا وجب علينا الإسراع بإصلاحها، وعندما نفعلُ ذلك ونوثق صلَتَنا بالله تعالى فإنه يحفظنا ويرعانا، وإن استطعنا التغلّب على أنفسنا وعلى الشيطان طاشت أفكار المخطّطين ضدنا، وضلت أعمال المنفذين، والخلاصة أن الله تعالى سيواصل إنعامه علينا طالما أننا لم نتعرّض للتشوّه والتفسّخ الداخلي.


 

[1] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 1/99.

[2] الحاكم” المستدرك على الصحيحين، 4/571.