الصدق والولاء/الوفاء

الصدق والولاء/الوفاء

الصدق أولى صفات النبوة، وشعار مهم لعظمة من يأتون بعد الأنبياء مرتبةً، وقد لُقب الخليفة الأعظم أبو بكر رضي الله عنه بـ”الصدِّيق الأكبر” بسبب صدقه، فلا يوجد باب إلا ويفتحه الصدق/فإن الصدق يفتح كل الأبواب، وكما أن الصدق هو الذي أوصل محمدًا الأمين صلى الله عليه وسلم إلى كمالات أعلى عليين، فإن الكذب هو  الذي خسف بمسيلمة الكذاب إلى أسفل سافلين، وشتان ما بين الثرى والثريا.

الصدق مع الله جل جلاله

لا ريب في أنه يجب على المؤمن أن يتحرى الصدق مع الله تعالى بالدرجة الأولى، والصدق مع الله يعني الوفاء فيما يخص حفظ الأمانات التي حملنا إياها الله سبحانه وتعالى، والابتعاد عن الانحرافات والخيانات بجميع أشكالها مهما كانت صغيرة.

ولو أردنا مزيدًا من التوضيح، فيجب أن يكون الصدق مع الله دائمًا على النحو الذي يبينه الأستاذ “إبراهيم تنوري” بقوله:

ما أعذب البلاء إن كان من جلالِهْ!
وما أحلى الوفاء إن كان من جمالِهْ!
فكلاهما للروح صفاء
فما أحلى اللطف منه! ومنه ما أعذب القهر والابتلاء!

إن المؤمن الصادق مع الله لا يهجر الرضا والاطمئنان، ولا ينقطع عن الحمد والشكر ليس على نعمه تعالى وألطافه فحسب، بل وعلى الجفاء بكل أنواعه أيضًا، إنه يعلم أن الله يُعبدُ لأنه المعبود المطلق والمقصود بالاستحقاق، وليس بُغية الانغماس في النعم، أو حتى دخول الجنة؛ فأداءُ الإنسان وظيفةَ العبودية للذات الإلهية عز وجل دون أن يرهن أداءه بأي شيء سوى رضاه تعالى أحدُ لوازم الصدق، لأن رضا الله جل جلاله ورضوانه مرتبة تفوق رؤيته تعالى والجنة ونعيمها، ناهيك عن متع الحياة الدنيا وزخارفها.

والمؤمن الذي استطاع أن يكون عبدًا صادقًا على باب الحق تعالى يشعر بالخزي والعار ينقصم ظهرُه همًّا وحُزنًا/غمًّا وكمدًا إذا زاغت عينه نحو الأغيار ولو لحظة واحدة، وينزعج أيَّما انزعاجٍ إذا اقتحمت عالم خياله فكرةٌ من قبيل “أتمنى لنفسي قضاء حياة دنيوية هنيئة في بيوت ذات حدائق تجري الأنهار من أمامها/خلالها، وعيشة رغيدة في فيلات فاخرة…”، ولا يستطيع أن يوفِّق بين هذه الأشياء والصدق، بل إنه يتوجه إلى الله تعالى مرة أخرى مهمومًا لأنه لوث عالم خياله، فيسعى إلى التطهر بالتوبة والأوبة والإنابة، وكما قُدِّرَ على الإنسان أن تزل قدمه ويسقط؛ فكذلك قُدِّرَ له أيضًا أن يقوم ويعتدل ويحرز أفق الصدق من جديد، فالله عز وجل واسع الرحمة واسع المغفرة، وحسبنا أن نُعليَ من همتنا، ونعيش بعزيمة ونية عدم التخلي عن الصدق والإخلاص.

الصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما الصدق مع مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم فهو مرهون بمدى قدرة الفرد على أن يكون خادمًا صادقًا له ويتبعه ويسير في أثره صلى الله عليه وسلم دون استفسار أو سؤال عن أي فعل أو تصرف كان؛ تمامًا مثل أبي بكر الصديق. فبعد حادثة المعراج جاء المشركون إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقالوا له: “هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ!”، فما كان من أبي بكر إلا أن قال لهم دون أيِّ استفسار أو تردُّد: “نَعَمْ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ”[1]، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، لم يكن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ساذجًا أو أحمقَ، ولكنه كان يمارس الصدقَ بحقٍّ في أعلى درجاته، وعند النظر في المشكلات العضال التي تغلَّب عليها في خلافته، يتبين كيف أنه يتمتع بدهاء شديد، بيد أنَّه كان يعرف جيدًا أين يستخدم عقله وقلبه ومشاعره، لقد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ووثق به حقًّا وصدقًا حتى إنه لو كان صلى الله عليه وسلم طلب منه روحَه لما تردّد في بذلِها.

الصدق مع رفاقِ الدرب

وإلى جانب الصدق مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم يمكن الحديث أيضًا عن أنواع مختلفة من الصدق؛ كالصدق مع الدين، والصدق مع الغاية المثالية، والصدق مع رفاق الدرب، والصدق مع الأمة، وكلُّ واحدة من هذه الأصناف تستلزم مسؤوليات مختلفة، فمثلًا الصدق مع رفاق الدرب لا يُقاس بمدى ثنائنا عليهم وتفخيم منزلتهم، فحريٌّ بالناس أن يحرصوا على مساعدة أحبائهم والوقوف إلى جانبهم في كل زمان بدلًا من أن يمنحوهم مقامات ومراتب مغالية ومجاوزة للحد مثل الغوثية والقطبية.

والصديق الصدوق هو من يستطيع أن يأخذ بيد أخيه فيرفعه إذا زلت قدمه وانقلب على وجهه، ويزيل عنه ما لطَّخه ودنَّسه، ثم يقول له: “إنك في الحقيقة لستَ ممن يفعلون هذه الأشياء، إذن تتعرض لامتحان عظيم من الله تعالى”، ويسأل الله تعالى له العفو والصفح، وإلَّا فلا يمكن الحديث عن وفاء وصدق من يتخلى عن أخيه، ويغلق الأبواب في وجهه، ويُحكم غلقها دونه لمجرد خطإ واحد ارتكبه؛ بل السلوك اللائق بالصديق الصدوق هو أن يدع الباب مفتوحًا على مصراعيه لأخيه حتى في أسوإ حالاته، فإذا جاءه عانقه واهتم بأمره قائلًا له: “لماذا تأخرت، كم من الوقت قد مرّ وأنا انتظرك؟!” وبهذه الطريقة يمكن الوفاء بحقّ الأخوة.

ومن لوازم الصدق والوفاء أيضًا ألا يتخلى المرء في الآخرة عمن قال في حقه “أخي”، وإن يأذن الله تعالى له فليأخذ بيده؛ أما من خاض بعضهم في حق بعض هنا ببعض الأفكار المنفية/السيئة، ورحلوا إلى الآخرة محمَّلين بها فيصعبُ للغاية أن يأخذ أحدُهم بِيَدِ الآخر، لذلك حذارِ أن نحكم على أي شخص انطلاقًا من  خطإ ارتكبه، وألا نسمح بأن تنزلق في الوحل قدمُ أيِّ واحدٍ من إخواننا، وألا نغض الطرف كذلك عن معاناة من زلّت أقدامهم بشكلٍ ما، فيجب على الفدائيين الذين سلكوا الدرب نفسه وشاركوا الغاية المثالية نفسها أن يتسامحوا ويتصرّفوا بإخلاص مع بعضهم البعض.

وكما تبين فإن للصدق جوانب متعددة، وكما أن الصدق يتمثل في ألَّا يقطع الإنسان صلته بصديقه بسبب معاصيه الشخصية، فمن لوازمه أيضًا أن يحاول المرء بأدبٍ تنبيهَ أخيه على الأخطاء والمساوئ التي يراها، وأن يعمل على تخليصه منها، ومن نماذج الصدق أيضًا أن يأخذ المرء بيد أخيه حين يكون على وشك الانحراف والضلال عن الجادة وأن يمنعه من الوقوع في ذلك، وألا يخطوَ المرء خطوة واحدة ضد أخيه مهما كان ما وُعِد به. بل إن الصدق -كما ذُكر آنفًا- ليس مقصورًا على هذه الحياة الدنيوية فحسب، ومن دلالات الصدق وأماراته أيضًا أن يفكر الإنسان بأخيه حتى وهو في المحشر وعند الميزان والصراط إذا قُدر وأُذن له بفعلِ ذلك.

وبحسب منقبة تعرفونها: إن أحد أولياء الله تعالى عبدَ ربَّه سنوات طوالًا، وتربّى على يديه الكثير من المريدين، وكان كلّ مريد منهم يترقّى في المراتب حتى رأى المريدون أن شيخهم سُجِّل في سجل “الأشقياء” في عالم المثال، فتخلوا عنه جميعًا، باستثناء واحد، فسأله الشيخ: “لقد ذهب الجميع؛ فلماذا تنتظر أنتَ؟!” وهنا أجابه المريد: “ما دمنا قد نلنا الهداية على يديك، وأحرزنا مرتبتنا هذه بفضلك، فإنني أرى الصواب هو عدم التخلي عنك من الآن فصاعدًا!” هذا هو الصدق الحقيقي! فقال الشيخ وعلى شفتيه ابتسامة مُرّة: “يا بني، لقد رأيتُ هذا قبل أن يروه بأربعين عامًا، ولكن قل لي يا بني أهناك باب آخر أستطيع أن أطرقه؟” وعلى أثر كلام الشيخ هذا اهتزت السماء وتغيّر ما هو في عالم المثال، وكُتب فيه من السعداء. إن سبيلنا/منهجنا سبيل/منهج صدق ووفاء، علينا أن نكون صادقين أوفياء حقًّا بدلًا من أن يمنح بعضنا بعضًا المقامات والمناصب والدرجات العلى، إننا جميعًا عباد لله، أناس بسطاء عاديون، وإن أعظم غايتنا هو أن نكون أفرادًا عاديين بين الناس، لذا فعلينا ألا نبالغ في الحديث عن أحد، وألا نمنح أحدًا رتبًا ومقامات عالية من ناحية، ومن ناحية أخرى ألا نقصر في الصدق والوفاء تجاه بعضنا.

الصدق مع الأمَّة

أما بالنسبة لمقياس صدق المرء مع أمَّته فيكون بعمله على أن يجعلها عنصرًا مهيمنًا في التوازن الدولي، وركضه كجواد دونما توقُّفٍ كي يعلي من شأنها، وعدم تشوّفه إلى أيِّ شيء في مقابل هذا، فالإنسان الصادق مع أمته ودولته ومجتمعه لا يفكر ألبتة في أن يخصّ نفسه بشيء، ولا بأن يستغلّ ما يمتلكه من إمكانات لحسابه الشخصي حتى وإن كان قد قدم تضحيات مذهلة في سبيل خدمتها؛ وإلا فمن ينخرطون في الشعبوية، ومن يستغلون مناصبهم ومواقعهم لصالح اعتباراتهم الشخصية، ومن يفكرون في مصالح أحزابهم أكثر من الغاية المثالية للأمة -إنهم- في خيانة عظمى حتى وإن زعموا خدمة الأمة، ومن الصعب حقًّا على هؤلاء تحقيق أيّ نجاح لأن ما يضطلعون به من أعمال وأفعال مجردةٌ من الصدق والإخلاص، كما أن نتائج أعمالهم ستبوء دائمًا بالفشل والخسران حتى وإن بدوا شامخين مغرورين/متكبرين/مرحين في مشيتهم؛ فالمهم هو قدسية العمل وعلوّ النية وصفاؤها، ورضا الله تعالى.

والأمر كذلك بالنسبة للصدق مع الدعوة المقدسة؛ فمعياره القدرةُ على مواصلة الركض بمشاعر التفاني والتضحية وعدمُ التشوف إلى مقابل، فالصادقون الذين تبنّوا الخدمة الإيمانية والقرآنية لا يلهثون ألبتة وراء أجرة ومكافأة، إنهم يبدؤون لله، ويعملون لأجل الله، لا يتوسلون إلى أحد، ولا ينتظرون مقابلًا على ما قدموه من خدمات، ولا يحطّون من كرامتهم؛ فمكانتُهم وموقعُهم في الخدمة الإيمانية التي عشقوها هو على قدر صدقِهم وإخلاصِهم.


[1]  الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/65.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2021.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.