تحقيق الوفاق والاتفاق

تحقيق الوفاق والاتفاق

كنت أرغب خلال مدة إقامتي في مدينة “أدرنة” أن أقوم بتدريس القرآن الكريم للطلاب في دورات التحفيظ إلى جانب إمامتي بالمسجد، وبالفعل فقد عهد إليّ مكتب الإفتاء بهذه المهمة، فذهبتُ للمشاركة في التدريس عدة مرات، غير أن زملاءَنا القائمين على تدريس الطلاب كانوا ذوي مشارب مختلفة، فانزعجوا من وجودي واهتمامي بالطلاب، وبناء على ذلك أعرضتُ عن الذهاب مرة أخرى تجنُّبًا للخلاف والصراع.

قد يُضمِر البعضُ عداوةً لكم بسبب انهزامهم أمام شعور الغيرة والمنافسة ولِفرط حبهم لمسلكهم، والواجب عليكم عندئذ هو عدمُ تضخيم المشكلة؛ لأن تبادل مشاعر التنافر والعداء يُنتج ضررًا أكبر بكثير، حيث تزيد الفجوة وتتباعد المسافة بين كلا الطرفين كثيرًا، مثل المركبين اللذين يسيران في اتجاهين متعاكسين، فإذا استطاع أحدهما أن يقف حيث هو، فإن المسافة التي بينهما ستظل محدودةً بطول الطريق الذي قطعَه الآخر فحسب.

من أجل الراحة والسلامة في الدارين

إن الوظيفة الملقاة على عاتق طلبة القرآن الكريم هي ألا يتوقفوا عند كل شيء، فإن حدث وتوقفوا فعليهم أن يتحمّلوا ويصبروا ويغضوا الطرف، وليكنْ قولُ الشاعر “حافظ الشيرازي” نبراسًا لهم في حياتهم:

“إن نيل الراحة والسلامة في كلا الدارين يقوم على أمرين: معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملة الأعداء بالعفو والصفح”.

ولا داعي لإساءة الفهم هنا، فإننا لا ننظر لأي مؤمن يحمل ذرة من الإيمان في قلبه على أنه عدو لنا، بل إن من الوقاحة وإساءة الأدب أن نتعامل معه بالمداراة والمماشاة، ولكن قد يَراكم البعض أعداء لهم، ويتحاملون عليكم بدافعٍ من الغيرة والحسد، عندئذٍ يجب عليكم القيام بما هو جدير بكم من أجل تهيئة وتحقيق جوٍّ من الصلح والسلام، والمحافظة على مشاعر الوحدة والأخوّة.

إن كل المساعي التي يبذلها المؤمن من أجل الحيلولة دون ظهور مشاعر الحسد والغيرة في داخله تدخل في باب العبادة، ويُكتب في صحيفة حسناتِه كلُّ ما بذله من جهدٍ وسعي من أجل الحفاظ على الوفاق والاتفاق اللذين هما أعظم وسيلة لاستجلاب التوفيق الإلهي؛ ولذا فعلينا أن نصبر ونتحمل كل ما يوجَّه إلينا من أذًى واضطهاد، وهذا منوطٌ بتأهيل أنفسِنا وتدريبها على مثل هذه الأشياء.

ذات يوم أنبأ طلابُ رسائلِ النور أستاذَهم النورسي رحمه الله بأن فلانًا العالِم يتعرض بالنقد والتجريح لشخصه ولرسائل النور، فأجابهم قائلًا: “بلِّغوا ذلك العالم الواعظ عني السلام، فإنني أقبَل انتقاده لشخصي واعتراضه عليّ بتقدير وبرحابة صدر، وأنتم بدوركم لا تَسُوقوا ذلك العالم الفاضل ولا أمثاله من العلماء إلى المناقشة والمناظرة، وإن حدَثَ أيُّ تعدٍّ أو تجاوزٍ علينا، فلا تقابلوه حتى بالدعاء عليهم؛ إذ إن ذلك المتجاوز أو المعترض -أيًّا كان- هو أخونا في الإيمان، وحتى لو عادانا فإن مسلكَنا لا يسمح لنا أن نعاديه بمثل عدائه، ولا سيما أُولُو العِلْم، فعليكم ألا تثيروا غرورَهم العلمي إن كانوا على غرور وأنانية”[1].

لا ينبغي التنازل عن هويتنا

قد يتشارك الناس في القيام بالخدمات رغم اختلافهم أصلًا، ومهما حاولوا أن يقمعوا ما في داخلهم من مشاعر المنافسة والغيرة فقد تنعكس على بعضهم تلك المشاعر السلبية رغمًا عنهم ولو بقدر صغير، ولا سيما إذا كانوا يرون أنفسهم أفضل وأعلى من الآخرين، وحينها يستخفون بالخدمات التي يقوم بها الآخرون، أو يحاولون منعهم، فيجب علينا ألا نتنازل عن هويتنا ألبتة إذا صادفنا مثل هذا الوضع، وأن نتصرف -مهما فعل الآخرون- بما يليق ويجدر بنا، وأن نراعي الدقة البالغة في التعامل معهم منذ البداية حتى لا نسوقهم إلى إذكاء شعور المنافسة والغيرة نحونا، وأن نتحلى بالصبر الجميل عند إفسادهم نظامنا رغم ما بذلناه من جهد وسعي، فإن كان هناك نادمون في النهاية فلا بد أن يكونوا هم النادمين على صنيعهم.

فإن شعروا بالندم يومًا ما وجاؤوكم فعليكم آنذاك أن تتعاملوا معهم بشهامة ومروءة، وعندما بدؤوا يذكرون أخطاءهم ويطلبون العفو والسماح منكم ينبغي لكم أن تقولوا برحابة صدر: “إننا لا نذكر شيئًا من هذا القبيل”، وحتى وإن جرحوكم بكلامهم الفظّ الغليظ وأفعالهم غير اللائقة فالرأي عندي هو أن ينتهي هذا الأمر عندكم، لأن أهل الإيمان يجب أن يكونوا منصفين.

إن المسلمين إذا ما أوذوا أو ظُلِموا من قبل البعض فهذا قد يمس غيرة الله تعالى، فثمة حقوقٌ عامّة إلى جانب الحقوق الفردية، إننا لا نتدخل في حقوق الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، إن شاء غفَر وإن شاء عذّب، ولكن يمكننا العفو عن حقوقنا كافةً، بل والعفو حتى عمّن يحكمون علينا بدخول النار؛ لأن شعارنا هو أن نتعامل مع الآخرين كما يقول يونس أمره “بلا يَدٍ لمن ضربَنا، وبلا لسان لمن سَبّنا، وبلا قلبٍ لمن كسر خاطرنا”، فإن لم نفعل فلن نستطيع أن نمنع الهرج والمرج الذي قد يحدث في الداخل والخارج، والذي ظهرت أماراته منذ أمد بعيد.

وكما أننا مكلفون بالإعراض عن الذنب، فكذلك نحن مكلَّفون بألا نكون سببًا في ارتكاب الآخرين مثل ذلك الذنب ودخولهم النار، وأن نتوخى أعظم درجات الدقة والحذر في هذا الأمر؛ بمعنى أنه يجب أن نفرّ من الحسد والغيرة المقيتة فرارَنا من الثعبان والعقرب، وأن نقوم بكل ما بوسعنا حتى لا يقع الآخرون في مثل هذه الذنوب، وهذه فضيلة مهمة للغاية بالنسبة للمؤمن، قد لا يستوعب ذلك أو يفكرُ فيه جميعُ الناس، ولكن يجب على الواعين أن يحتاطوا لمثل هذا الأمر.

الإنصاف والشهامة وإحقاق الحق

من الوسائل المهمة للحفاظ على الوفاق والاتفاق بين المؤمنين أو الحيلولة دون وقوع الحسد والغيرة فيما بينهم هو أن نمتدح أعمال الخير التي يقوم بها الآخرون ونُشيد بها ونصفق لها، بل وحتى إن صفقوا لنا وأشادوا بأعمالنا فعلينا أن نتعامل معهم بمروءة وشهامة أكبر، ونقول لهم: “إنما هذا التصفيق يجب أن يكون لكم”، ولو جاءَنا أناسٌ مختلفون عنا في مشاربهم ومذاهبهم يمتدحوننا فعلينا أن نقول لهم في راحة واطمئنان: “لولا مساعي محمد زاهد كوتكو (ت: 1980م)، وأسعد أفندي (ت: 2001م)، وسليمان أفندي (ت: 1959م)، والحاج سامي أفندي (ت: 1984م)، ومحمود أفندي وغيرهم من الرواد العظام ما كان بإمكاننا القيام بعُشر ما نفعله الآن”.

والواقع أن هذه الكلمات هي نوعٌ من الإنصاف وإحقاق الحق، فلو تعاملنا مع الأمر بهذا القدر من الحساسية فسنحطم لدى الآخرين مظاهر الحدة والعنف تجاهنا، ونحول دون بروز غيرتهم وحسدهم لنا، بل وإن كلَّ فكرٍ وإرادةٍ سنقوم به في هذا الشأن سيصبُّ في صحيفة أعمالنا، فإن لم نفعل وحاولنا جلب الأنظار إلينا دائمًا ونسبنا كلَّ نجاحٍ نحرزه إلى أنفسنا؛ فسنكون قد دفعنا الآخرين إلى الوقوع في الذنب ولن نكسب شيئًا عند الله أيضًا، وسيفسد الوفاق والاتفاق بين المؤمنين، ويلوح الفراق والاختلاف في الأفق، وعندها نفقد التوفيق الإلهي.

فعلى رجال القلب الذين وهبوا أنفسَهم لدعوةٍ سامية أن يُراعوا مسألة الوفاق والاتفاق هذه عندما يعزمون العمل في أي مجال من مجالات الخدمة، فإن اعتقد الذين يعملون في هذا المجال قَبْلنا أن مشاركتنا لهم ستفسد عملهم وتُخلّ بوظيفتهم فعلينا أن نترك المجال لهم، وأن نتوخى مزيدًا من الحساسية والدقة في هذا الأمر وننظر هل هذه الخطوة التي نخطوها ستزعج الآخرين أم لا؟.. ولقد حاولنا حتى اليوم أن نراعي مثل هذه الملاحظات بقدر الإمكان، فلو تكفل البعض بالقيام بأعمال معينة في مجال بعينه فإننا تركناها لهم وبحثنا عن مجالات خدمية أخرى.

إن المؤمن لا ينزعج من الأعمال الخيرة التي يقوم بها الآخرون، ولا يحسدهم ولا يقف عثرة في طريقهم مطلقًا، إنما يذعن لكلام الله تعالى في القرآن الكريم ويتنافس في الخير معهم، ويجري بسرعة أكبر حتى لا يتخلف عن إخوانه في الفضل والثواب.. ولكن الغبطةَ والتنافسَ متاخمان للحسد، فإن لم ينتبه الإنسان انزلقت قدمه وانتقل من طرف إلى طرف آخر.. ومن السبل التي تحول دون وقوع ذلك هو دعمُ الآخرين في خدماتهم عند الحاجة؛ كالقيام بتوجيه من لم يستطع إحراز النجاح منهم وإرشادهم وإمدادهم بأصحاب الخبرة والتجربة؛ وبذلك نمنع تدخل النفس في الأمر، ولا نسمح بظهور شيءٍ من المشاعر السلبية البغيضة.

ليس سهلًا تطبيقُ كلِّ هذا، لأن تحقيقه يحتاج إلى تحمُّلٍ وإعمالِ فِكر، ولذلك يجب أن نساعد بعضَنا في مثل هذه الأمور، وأن نعيد تأهيل بعضنا البعض، فإذا اجتمعنا حاولنا إصلاحَ الأخطاء التي اعترت تفكيرنا، وتوجيهَ الناس إلى الإخلاص والتواضع والمحو.. قد يفكر الآخرون بشكل مختلف في هذه المسائل، وهذا ليس من شأننا، المهم هو نحن، أين نقف وماذا نفعل؟، فعندما نضع الخطط وحتى عندما نعمل على تحقيقها؛ علينا أن نسير في الطريق الصحيح ونمثل الاستقامة، ونراعي مشاعر الآخرين..


[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: الملاحق، ص 193.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.