Çağlayan Başyazı: Hayatın Gayesi

أُسُسُ مسلك الخِلَّة

سؤال: يقول الأستاذ بديع الزمان “وما دام مسلكنا هو الـخليلية، فمشربنا إذًا هو الـخلة”[1]؛ فمن أي الجهات يمكن تقييم ارتباط مسلكنا بسيدنا إبراهيم عليه السلام الملقب بـ”خليل الله”؟

الجواب: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/123)، هذه الآية الكريمة تظهر مدى الأهمية في اتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام، ذلك أنه قيل لمفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم ذات مرة “يا خليل الله” فقال “لَا، إِنَّهُ إِبْرَاهِيم[2]، وفي موقف آخر أيضًا خُوطب بـ”سيدنا” فقال عليه الصلاة والسلام: “سَيِّدُنَا هُوَ إِبْرَاهِيم[3] مانحًا إيَّاه هذه المرتبة.

الحنيفية

هنا سُمّي سيدنا إبراهيم أو طريقه بالـ”حنيف”، وكلمة “حنيف” تعني البعدَ التام عن أصغر الشرك، ومما لا شك فيه أن للبُعدِ عن الشرك درجاتٍ، والمعنى الأول الذي يُفهم من الحنيفية هو ألا يعبد الإنسان إلهًا إلا الله، وألّا يشرك به أحدًا، وأن يبعد عن جميع الأوثان، وهناك درجة أسمى للحنيفية، هي أن يحفظ الإنسانُ مشاعره وأفكاره عن كل ما يوحي بالشرك أو يومئُ إليه، ويتوجهَ إلى التوحيد تمام التوجه.

أما الدرجة الأعلى في هذا الأمر فهي أن يجعل الإنسانُ شعور الحنيفية جزءًا من طبيعته، وصوتًا ونفسًا لها، من يُوفق إلى هذا يبدأ في التصدي -وبصورة فطرية- حتى لأصغر الأشياء التي يمكن اعتبارها شركًا؛ فمثلًا إذا حاول شخصٌ أن يعزو إلى نفسه الأعمال الطيبة المتحققة رأى فعله ذلك مشاركة لله في شؤونه، وبالمثل فإن محاولة إبلاغ الآخرين بالأعمال الخيرة المنجزة وكشفها لهم شرك في نظره، والركض وراء التصفيق والتقدير شركٌ، والتشوف في الدنيا إلى جزاءٍ عن الأعمال الجميلة المنجزة شركٌ، وواجب المؤمن الحقيقي هو العمل على الابتعاد عن كل هذه الأنواع من الشرك.

القنوت

أما الآية الكريمة الأخرى المُشار إليها في السؤال فهي ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/120)، والقنوت هو التأدب مع الله تعالى وإطالة القيام بين يديه، وعبادته عبادة تامة، والخضوع له والتذلل إليه، وسيدنا إبراهيم بخصلته هذه كان قانتًا تمام القنوت، لكن هذه الخصلة كانت نواة في سيدنا إبراهيم فتحولت إلى شجرة مع سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أنه كان يطيل القيام في الصلاة حتى تتورم قدماه كما نقلت السيدة عائشة رضي الله عنها.

كان أمةً

يُذكر أيضًا أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان أمة بمفرده، وهذا يعني أن همته كانت عالية بحيث تكفي لاحتضان الجميع، وإنسانٌ همتُه على هذا المستوى من العلو ليس من الصحيح اعتبارُه فردًا واحدًا، فسيدنا إبراهيم حتى وإن كان إنسانًا واحدًا فإنه كان في عزم وجهد وسعي لاحتضان الإنسانية كلها؛ إذ كانت سعَةُ صدره كفيلةً بأنَّ من يدخلها لا يقلق هل سيجد له مكانًا فيها أم لا؟

ويشير إلى هذه الحقيقة الأستاذ بديع الزمان كذلك بقوله: “من كان همه أمته، فهو أمة بمفرده”، لأن الإنسان الذي يحمل همَّ أمته، هو الذي لا يعيش لنفسه، فقد داس تحت قدميه كل أنواع المتع والملذات الدنيوية، وصغرت في نظره المقامات المعنوية كأن يكون من الأولياء أو من الأصفياء؛ إذ إنَّ همه الحقيقي ومقصده الوحيد هو صلاح الإنسانية ونجاتها، وإنسانٌ يفكر في الإنسانية بهذه الدرجة -ولا سيما في الأمة الإسلامية- هو أمة بمفرده، وهو مطمح النظر حتى وإن لم يكن في البشرية مثله شخص آخر، فالله ينظر به إلى المخلوقات، وربما يعفو عن الإنسانية جمعاء إكرامًا وإجلالًا له، فماذا تكون أهمية المقامات الدنيوية إلى جانب نيل مرتبة كهذه؟

الحِلم

أما في آية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (سورة هُودٍ: 11/75)، فقد وُصف سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه “حليمٌ، أوَّاهٌ، مُنيبٌ” إلى جانب الصفتين السابقتين “قانت” و”حنيف”.. فالله تعالى يذكر في هذه الآيات الكريمات الخصال الجميلة التي يتصف بها سيدنا إبراهيم، ويوضح لرسوله عليه الصلاة والسلام ولكافة المؤمنين من بعدِه علَّةَ وجوبِ اتباعِ سبيلِ سيدنا إبراهيم.

فكلمة “حليم” الواردة في الآية الكريمة تعني القدرة على استيعاب السلبيات بقابلية وملكة واسعة رحبة، وعدم الانفعال والهيجان فورًا إزاء المواقف التي تدفع إلى الغيظ والسخط؛ لأنه إن لم يتم التحكم في الغضب والسخط الذي يجعل صاحبه يعيش حالة من الجنون العارض؛ وإن لم يُخفف بالحلم فقد تقع مظاهر مرعبة شتى من الندم يتعذر الخلاص منها بعد ذلك، فالإنسان حين ينهزم أمام الغضب يرتكب أخطاءً لا تكفي قوّتُه لإصلاحها لاحقًا، ومن لا يرغب في مواجهة مثل هذه الصعاب مطالَب بأن يكون على قدرٍ كافٍ من الحِلْمِ.

قد يواجه الإنسان في بعض الأحيان مشكلات يصعب هضمها واستيعابها، ومن ذلك على سبيل المثال، أنه قد يتعرض لإهانات وافتراءات وتشويهات خطيرة، وقد يُظلم ويُجار عليه ظلمًا وجورًا يصعبُ للغاية تحمّله، وقد يتعرّض لخيانة وغدر من كان يظنهم أصدقاء، ولا جرمَ أنه من الصعب حقًّا تحمُّلُ هذه الأمور وضبطُ رداتِ الفعلِ إزاءها بالمعقولية ورباطةِ الجأش، وكي يستطيع استيعابه والتغلب عليها؛ يجب أن تتوفر في بنيته الروحية إنزيمات مثل الحلم والصبر والتحمل والعفو.

وكما هو معروف فإن الحليمَ واحدٌ من أسماء الله تعالى، ولقد توقّفَ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه على حلمِ الله عز وجل وعدم تعجيله عذاب الكافرين والمشركين بالرغم من غطرستهم وتجاوزهم الحدود، وتعجّبَ من إمهالهم تارة بعد أخرى، فقال رضي الله عنه: “مَا أَحْلَمَكَ يَا رَبَّنَا”[4]، وعليه فإن أحد مظاهر الحلم المهمة يتمثل في عدم التعجل في الرد على الظالمين والطغاة المتغطرسين بمثل ما فعلوا، بل إمهالهم بعض الوقت حتى يعرفوا أخطاءهم ويرجعوا عنها، فلسنا ندري؛ فربما أن هؤلاء الأشخاص حين يرون أن هذا القدر من الفظاظة والعدوان الذي ارتكبوه قد قُوبل بالعفو والتسامح يندمون ذات يوم، ويعتذرون ويبدؤون في تقديم الورود لمن رموهم بالحجارة في الماضي.

فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم يكمل هذه الآية الكريمة بقوله تعالى ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (سورة النَّحْلِ: 16/126) مبينًا بهذه العبارة ما هو أكثر فضلًا وخيرية؛ وهو العمل على عدم مقابلة الإساءة بالإساءة، بل الصبر والتحمل، والتغاضي عن تلك السلبيات، فإذا كان هناك ما هو خيرٌ فلماذا نرضى بالأقل! وكما قيل في إحدى الحكم والأمثال: “مقابلة الخير بالخير سمة كل إنسان، أمَّا مقابلة الشر بالخير فهي سمة الباسل المقدام فحسب”، وبينما يمكن للمرء أن يكون هُمامًا ويتصرف ببسالة فلماذا يقبلُ بأن يكون شخصًا عاديًّا بسيط الهمة!

الأوَّاه

كشفت الآية الكريمة عن صفة أخرى من صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام، ألَا وهي كونه “أوّاهًا”. حسنًا، فعلام كان يتأوه سيدنا إبراهيم؟ طبعًا لم يكن أنينُه بسبب المصائب والابتلاءات التي يتعرض لها، بالعكس كان يئن من خشية الله، ويتألم على حال المظلومين والضحايا، والمحتاجين والمُعدمين، والمذنبين الذين أبحروا في بحر العصيان وعجزوا عن العودة ثانية، ومن تدحرجوا في أودية الضلال والكفر، كان يتأوه ويسعى إلى إنقاذهم من الأزمات التي هم فيها، ويرشدهم إلى طريق الجنة.

وكيف لا يُحزن ويُتفجع على شخص شطَّ وذهب إلى جهنم! إن مفخرة الإنسانية عرج إلى السماء، و رأى هناك ما لم يُرَ، وبلغ ما لم يُبلغ، ووصل حدود عالم اللاهوت، وبلغ نقطة بين الوجوب والإمكان، كانت تلك النقطة هي التي تفصل الفانين عن الباقي جل جلاله، لكن هذا كله لم يُبهر عينيه، بالعكس حفّز فيه الشوق والرغبة في الأخذ بيد المزيد من الناس وإيصالهم إلى هذه النقطة، ولهذا عاد من تلك النقطة التي بلغها، لأنه كان يعيش من أجل إحياء الآخرين.

ومن يدري كم كان يحزن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما رأى ضلال قومه وكفرهم، وعندما جاءته الملائكة المكلفون بإهلاك قوم سيدنا لوط عليه السلام اشتعل حزنًا وألمًا، ودخل معهم في جدالٍ وحوار، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (سورة هُودٍ: 11/74)، والقرآنُ لا يقدم بيانًا بشأن الجدال، من المحتمل أنه أبان عن رغبته في رفع العقاب عنهم، وتأخيره أو تخفيفه.. لماذا؟ لأنه كان يعلم أن هؤلاء القوم الهالكين يستحقون الغضب الإلهي، وإذا ما حلّ بهم فسيُكَبّون في جهنم على مناخرهم، فربما كان يرغب في فرصة أخيرة لهم حتى يعودوا عن الطريق الخاطئ الذي يسيرون فيه.

ولا ريب أن النحيب والتأوه على من ضلوا طريقهم، والتحرّقَ من أجل هدايتهم صفةٌ مهمة للغاية بالنسبة لرجال الخدمة في يومنا هذا، لأن أساس مسلكهم هو حب الإحياء، فواجب أبطال الإحياء التضحية بمشاعر الفيوضات، والتضحية أيضًا بالمتع والحظوظ المادية والمعنوية كيلا ينسوا الآخرين، وحتى وإن فُتحت لهم أبواب الجنة على مصاريعها وقيل لهم ادخلوها يجب عليهم أن يفضلوا البقاء في الدنيا كي يُسهموا في أن يدخل في الجنة مزيد من الناس.

الإنابة

نأتي الآن إلى الوصف الأخير لإبراهيم عليه السلام في الآية الكريمة، ألا وهو الإنابة، ومنيب تعني كثير الإنابة، وكما أن الاستغفار عتبة التوبة وبدايتها فإن الإنابة قمتها وذروة سنامها، فيجب على الإنسان أولًا أن يطلب من الله تعالى التطهّر بالاستغفار، ثم يتوجه إليه تعالى بالتوبة، ويسعى إلى أن يستعيد العبودية الحقة التي فقدها، وبعبارة أخرى: عليه بعد أن تعرض للتشويه أن يسترد هيئته مرة أخرى، ويسعى إلى أن يبلغ عن طريق الإنابة إلى هيئة أسمى، ولذلك فالإنابة هي عنوانُ الانخراط في صلة أوسع بالله تعالى.

ومع أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أحد أولي العزم من الرسل كان ذا مكانة متميزة بين الرسل الآخرين بفضل هذه الصفات التي يتحلى بها، إلا أن صفات الكمال هذه قد بلغت الذروة في سيدنا رسول الله الإنسان الكامل الحقيقي.. لقد كانت كلها مجتمعة في سيدنا إبراهيم عليه السلام على شكل نواة، لكنها أورقت وأشجرت وأثمرت مع فخر الكائنات سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

يمكننا أن ننظر إلى كل هذه الصفات على أنها أسس مسلك الخلة، وبالتالي فإنه ينبغي للمنتسبين إلى هذا المسلك أن يكونوا منيبين إلى الله تعالى، إلى جانب اتسامهم بالحلم والتأوه في علاقاتهم بغيرهم، عليهم أن يركزوا نظرهم على نيل رضا الله ومرضاته، وأن يقووا دائمًا صلتهم به تعالى، وأن يتوجهوا إليه باستمرار، وأن يعتصموا بحبله المتين حتى لا ينفرط عقدهم ويفنوا عند أية زلزلة بسيطة.

إذا كان الإنسان يتصرّف بحِلم وسِلم في علاقاته مع الآخرين، ويتغاضى عن عيوبهم بقدر المستطاع، ويعفو ويتأوه لصالح الإنسانية، ويفتح صدره للجميع، ويستمد قوته دائمًا من الله تعالى، وبفطرته يصمد أمام حتى أصغر أنواع الشرك فيمكن أن يكون هو الآخر أمة قائمة بنفسها مثل سيدنا إبراهيم عليه السلام، يجب أن يكون هذا هدفًا للفدائيين الذين كرَّسوا أنفسهم ونذروها لخدمة الإنسانية، ونظرًا لأن الحق تعالى قدّر إبراهيم عليه السلام وبجّله بهذه الخصال، ووصفه بأنه أسوة لخلفائه كان واجب المؤمنين هو السعي إلى اكتساب هذه الصفات والتحلي بها.


 

[1] بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الحادية والعشرون، ص 224.

[2] صحيح البخاري، الأنبياء، 19.

[3] صحيح البخاري، فضائل الصحابة، 5.

[4] ابن هشام: السيرة النبوية، 2/218.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2024.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.