طباعة

المُكابد العمْلاق

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في المعزف المكسور

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

-1-

أسًى حياتك... وَجَعٌ روحك...
وخزين حزن قلبك...
كُلُّكَ لو عُصِر لَما ترشَّح منه غير المرارة والألم...
فريد وحيد... تاجر غربة... وبائع مرارة...
بلا صديق... ولا رفيق... ولا قريب...

-2-

مِلْأَ الكون آهاتُك...
وأنَّاتُك تُبكي الصدور... وتوجع القلوب...
وتشعل نيران الألم في مشاعر الإنسان...
أفكارك كاويةُ أذهان...
ومشعلةُ أنوار... وحارقة أوهام...

-3-

لستَ بسؤوم ولا مَلول...
كتوم أحزان... ستَّار أشجان...
صبور غيور...
البركان في صدرك يغلي...
ولكنك... هادئًا تظلُّ... بسامًا تَقرُّ...
مَنْ يَرَكَ يَغْبِطْك...
لا يعرف أيَّ معاناة تعاني...
وأيَّ مكابدة تكابد...

-4-

أيامك كمدًا مترعة...
وأسًى مملوءة... وكربًا مفعمة...
ولكنك تمضي... أسدًا هصورًا...
واضح الهدف... حاسم التصميم...
لا غَبَشَ ولا غشاوة...
أوضح من الضحى...
وأضوأ من شمس الظهيرة...

-5-

صوتك في الآذان يرنُّ...
وهتافك يملأ الأسماع:
"أنا هنا... لن أحيد... ولن أميل...
لتزدد آلامي... ولتتوالَ أحزاني...
ولكني لن أكُفَّ...
حتى أرى النور وهو يأخذ بخناق الظلمة...
والضوء يدحض الليل...
والكُلّ في النور سابح..!"

-6-

عاشق فكر... متيم عقيدة...
كيف يستقر...
وأنَّى له أن يريح أو يرتاح...
بين العشق والألم... تتصاعد أنَّاتُك...
وعيناك الصقريتان بالألم والدمع تطفحان...
ولكنهما خارقتان... نافذتان..
تتحديان... وتناجزان...
الظلم والظلام... وكُلَّ أيام الأحزان...

-7-

أرضك صحراء... وأيامك حارقة...
منفاك قفرٌ... وليلك سُهْدٌ...
كل شيء حالَ واستحال...
إلى جفوة وجفاف...
السهولُ والحدائق والجبال والأنهار...
لكنَّ... ربيعك في قلبك...
وحديقتك في روحك...
فلتحِطْ بك الصحارى...
ولتسُفَّ رياحها وسمومها...
فأنت إلى ربيع قلبك تلتجئ...
وإلى حديقة دواخلك تؤوي...

-8-

يا مبشرًا بالربيع..!
انْثر على الأرض ربيع قلبك...
وانثر أزاهير روحك...
فالكل إليك يرنو... وإلى زهرك يصبو...
وإلى أجواء حدائقك يتوق ويشتاق...
ها هي زهراتك الزرقاء من تحت ثلوج الألم...
تشق الثلج... وتطل على العالم...
لتبشر بالسلام... وبالآتي من الأيام..!

-9-

في حالك ليل مطير... إلى المغيب تسير...
والروح خفَّاقة... وإلى رحمة الله سبَّاقة...
من حيث أتت عادت... إلى الخالق المصور...
ربِّ الأرواح والقلوب...
تشكو ظلم الإنسان... وقساوة الأوطان...
بلسان رطب بذكر الله والملأ الأعلى في الانتظار...
فرحًا مضيت... ولقاءَ ربك ابتغيت...
قلوبنا راجفة... وعيوننا دامعة...
وإنْ حالوا بينك وبين الأرض...
ليكون لك فيها قبر بين القبور...
فخذ أفئدتنا لك قبرًا...
وأرواحنا لك لحدًا...
وأفكارنا لك شواهد...
إليكَ تشير... ونحوك تومئ..!

(*) ننوّه هنا أنّ المقصود بهذه القصيدة إنما هو الأستاذ "سعيد النورْسي" رحمه الله. (المعرّب / المترجم)
(**) المصدر: مجلة "سِزِنْتِي" التركية، ديسمبر 1989؛ تعريب: أديب إبراهيم الدباغ.