طباعة

لغير وجهك لا ألتفت..!

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في المعزف المكسور

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

-1-

يا منبع الغنى،
يا دافق العطاء،
يا مفيض الكرم،
يا فيَّاض النعم...
مِن فيضك أنت،
كلّ الخلائق تستقي،
وقلب الوجود من فيض حبّكَ ينبض...
فلا أول غيرك ببالي يخطر،
ولا آخر سواك، قلبي إليه يخفق...
فبوَجْهي الحزين، إليك أتوجَّه...
ولك أدعو، وبك أتضرَّع..!

-2-

ببابك عبدٌ واقف،
قلبه بنورك مغسول،
وروحه بحبْل وصْلك معقود...
لا أباطيل عنك تُبعده،
ولا وساوس عنك تحجبه...
أنت للحق هديتَني،
وبنوره سقيتَني...
فما وجدتُه،
أنت فيَّ أوجدتَه...
وما أُوتيته،
أنت به آتيتني...
فيا ربَّاهُ..!
لك أوجّه وجهي،
وعليك أوقف حبّي وَوَجْدِي..!

-3-

لأْلاءُ نورك، فوق الأشياء منشور...
به يكتحل المبصرون،
وبه ينعم الناظرون...
أما العميان،
فإنهم عن النور محجوبون،
وعن الأغوار مبعدون...
فهم مسطَّحون،
على الغوص في الأشياء لا يقدرون...
أما الناظرون،
فإنهم بمعيتك يشعرون...
فأنت فيهم دائم،
وحضورك فيهم قائم...
فيا مَرْضَى القلوب،
هو لقلوبكم دواء...
ويا مرضى الغفلة،
متى إليه تتوجهون...
فلِغَيرك لا أوجّه وجهي،
ومِن سواك لا أنتظر رفدي..!

-4-

بالعطاءِ مُنَّ علينا،
ومن جَورِ الزمان أغثنا،
وعلى عالَمنا بالرحمة تجلَّى...
لتغدو القفار رياضًا،
والصحارى جنانًا...
وجفاف السواقي بالأمواه تتدفق،
وبالرواء تسبق...
وعلى عبدك تَعطَّف،
وبه تلطَّف...
على بابك محبوس،
ظامئ للَفْتة من لفتاتك...
فإنْ كنت بي لا تعبأ،
وإليَّ لا تنظر،
غير أني لغيرك لا أتوجه،
ولسواك لا أنظر..!

-5-

يا موتى القلوب،
يا غافلون، يا تائهون...
هاكم حياض الإيمان،
بها اغسلوا قلوبكم،
واغمسوا أرواحكم...
تَعُدْ الحياة إليكم،
وتجري من جديد في عروقكم...
وإنْ كنتم للاطمئنان تنشدون،
والأمنَ تريدون،
فعنهما خارج الإيمان لا تفتّشون،
وفي سواه بهما لا تحظون..!
قلبي عليكم يتفطَّر،
وعلى حالكم يبكي،
وعلى مصيركم الأخرويّ يتوجع...
فيا ربَّاه..!
إنْ إلى غير وجهك الكريم يتوجه الغافلون،
فإنّي إلى وجهك وحدك أتوجه،
ولسواك لا أنظر،
وغيرك لا أريد..!

-6-

آياتك الباهرات،
وأضواؤك الساطعات،
مالئات مُفْعِمَاتٍ،
للأشياء والكائنات...
ولأعلامهنَّ ناشرات،
على رؤوس الأشهاد،
وفي كل ظاهر وباطن،
وحيّ وجامد..!
والحيارى في ذهولهم سادرون،
عن برهان وجودك يبحثون...
فكأنَّ سطوع الشمس لا يكفي عليها برهانًا،
وإشراق الأمكنة لا يكفي عليها دليلاً..!
فلولا تجلياتك على الأكوان،
ما أضاء مظلم،
ولا ظهر من العدم وجود..!
فإلى وجهك وحدك أتوجّه،
ولسواك لا أنظر،
وغيرَك لا أريد..!

-7-

العالم كتاب...
لو بإمعان قرأتَ،
لوجدتَ،
كلماته باهرات،
وحروفه ساطعات،
وأسطره واضحات...
كُلُّ ما فيه يتكلم، يترنم،
بأناشيد التوحيد يتغنى...
نباته وشجره وترابه وحجره،
الكل في تسبيحه غارق،
منه يستمد الوجود،
ومن اسمه "الحي" يستمد الحياة..!
فيا ربَّ الكائن والكون،
والجامد والحي،
والناطق والصامت..!
لا تجعلني أشقى خلقك،
وعن بابك تردني وتطردني...
فوالله إلى غيرك لا أوجه وجهي،
وعنك لا أرتضي بديلاً،
مهما على بابك طال وقوفي..!

-8-

يا عارفًا..! هنيئًا لك...
عرفتَ فالزم...
وهبتَه قلبك،
وذبَحتَ بين يديه روحك...
ويا عاشقًا..!
دموعك شفيعتك إليه،
فَزِدْ دمعًا،
وبكاءً وشوقًا..!
أما أنا...
فإني ذلك "القطمير"،
الذي بالباب،
باسط كفّيه في ضراعة،
رامقًا الباب...
ينتظر متى يفتح،
ومتى بالدخول يسمح...
فبحقّ جلالك وجمالك،
لو أبقيتَني بالباب ألف سنة،
ما الْتفتَ وجهي لغيرك،
وعن بابك لا يريم،
ولسواك لا ينظر..!

المصدر: مجلة "سِزِنْتِي" التركية؛ تعريب: أديب إبراهيم الدباغ