طباعة

إخوتنا في القرب والبعد

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجزء الثالث: أسئلة العصر المحيرة-3

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

السؤال: كيف نتصرف تجاه إخوتنا الذين انحرفوا عن الدعوة وأصبحت علاقتهم بها باردة؟

الجواب: هناك إخوان لنا فترت علاقتهم بالدعوة لأسباب شتى. ويمكن أن يقع هذا الأمر في كل وقت، ولكنهم مع ذلك يبقون إخوة مؤمنين بالنسبة لنا. وكل ما يستحقه المؤمن من منـزلة واحترام حسب تعاليم القرآن والسنة يكون جارياً بالنسبة لهم وينطبق عليهم. إذن فالمقياس هنا -كما في كل شيء آخر- هو القرآن والسنة. لا نستطيع أبداً أن نغتابهم، لأن الغيبة حرام، وتعد مثل أكل لحم الأخ، أي يستوي هنا قيامك بإهانته قولاً أو فعلاً وبين سلْقه في قِدر ثم أكل لحمه. هناك حالات تجوز فيها الغيبة، وكتب الفقه تشرح هذه الحالات بالتفصيل، إلا أنني لا أوافق على الاقتراب من تلك الحالات ومن تلك الحدود. فالقليل من الناس من يستطيع التصرف بتوازن في تلك الحالات.

فليس من الصحيح قيام كل شخص باستعمال ذلك الحق والاقتراب من تلك الحدود. هذه ناحية من نواحي هذه المسألة، أما الناحية الأخرى، فهي أن ما نقوله بحق ذلك الأخ سيصل إلى أذنه في يوم من الأيام، فيكون هذا سبباً في ابتعاده عنا أكثر فأكثر. ولكوننا نحن المتسببين في هذا فالمسؤولية تعود إلينا. وليس هذا بالإثم الهين، ذلك لأنه ما من شخص يملك صلاحيةَ إبعادٍ وحقَّ وحرمانَ أيّ فرد من هذه الدعوة ومن هذه الخدمة الإيمانية المباركة. وقد لا يكتفي هذا الشخص بالابتعاد عن الدعوة التي كان في السابق يُفديها بروحه، بل ينقلب عدوّاً لها. ولما كانت الخصومة للدعوة الحقة ذنباً كبيراً وعظيما فإن المتسبب في مثل هذه الخصومة سينال الإثم نفسه.

كثيراً ما يقوم بعض الناس بنقد الدعوة أو الخدمة التي لا يكونون ضمن دائرتها ويستهينون بها. فإذا أخذنا هذا بنظر الاعتبار فإن من الحكمة توقع جميع التصرفات من هؤلاء الأشخاص المبتعدين عن الجماعة وذلك بنسبة ابتعادهم، فذلك هو قدَرهم المرّ وحظّهم التعس. وهذه نتيجة مؤلمة ولا نستطيع إلا الشعور بالرثاء والشفقة على أمثال هؤلاء. ووظيفتنا هي أن نتصرف كما كنا نتمنى أن تتصرف الجماعة نحونا لو كنا في موقفهم، أي لا نستكثر عليهم مثل هذه المعاملة.

والرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء نفسه، إذ لم يقل شيئاً ضد من وقع في الزلل في ذلك العهد أو في الوهم، أو فقَد قابليته على العمل وعلى أداء الخدمة. ولم يغتب أشخاصاً كان يعرف نفاقهم أمثال عبد الله بن أُبيّ بن سلول وقبل ظاهرهم، ولم يقل ضده كلمة واحدة مع أن الصحابة طلبوا منه قتله بعد قيامه بإشاعة حديث الإفك ضدّ أُمّنا عائشة رضي الله عنها، بل قال بأنه لن يجعل الناس يقولون بأن محمداً يقتل أصحابه. ولو قمت بتدقيق جميع كتب الأحاديث لما وجدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أي مؤمن أي كلمة قد تزعجه أو تنال منه. فإن استطعت العثور على مثل هذه الكلمة فإنني سأتخلى عن كل ما قلتُه سابقاً أو ما سأقوله مستقبلاً. كلا لن تجد كلمة واحدة في هذا الخصوص. وهذا هو المقياس الذي يجب أن يكون مقياسنا لأنه مقياس لن يضلّ، أي يجب ألاّ نغتاب إخواننا ولو بكلمة واحدة.

وإذا نظرنا إلى العلامة المفكر بديع الزمان سعيد النورسي نرى أنه عندما ابتعد عنه بعض تلاميذه لفترة من الزمن ثم عادوا ورجعوا إليه مدحهم وركّز على رجوعهم فقط وأثْنى على مستواهم أثناء الرجوع، وهذا هو ما بقي في ذاكرتنا عنهم. بقي في ذاكرتنا أنهم رجعوا. ولكن كان من الطبيعي أن هذا الرجوع سبقه فراق وبُعد ولكن ذلك الزعيم الكبير الذي كان دقيقاً جدّاً في جميع كلامه وتصريحاته ركّز فقط على رجوعهم، ولم يكتب سطراً واحداً عن مفارقتهم وابتعادهم. ومع أن العديد من الأشخاص في عهده افترَوا عليه وهاجموه، إلا أنه لم يقل كلمة واحدة صريحة تُفيد الغيبة ضدّ أحد منهم ولم يذكر بصراحة اسم أحد منهم، لأنه عد هؤلاء الأشخاص إخواناً له من جهة الإيمان ولم يقابل تهجمهم عليه بكلمة واحدة. وكون أي إنسان مؤمناً ومتخذاً موقعه ضد الكفر، وفي النتيجة استحقاقه للجنة ليس من الأمور التي يمكن التهوين من شأنها. لذا فكما نهرب من الأفاعي والثعابين، علينا أن نبتعد ونتجنّب ونحذر من اغتياب إخواننا.

من الممكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى. فالعقوبات التي تطبق في الظروف الاعتيادية في الإسلام لا تطبق في جبهة القتال، أي أن من يسرق أو يزني أو يفتري في جبهة القتال لا تطبق عليه عقوبات هذه الأفعال. والحكمة من هذا الحيلولة دون لجوء ذلك الشخص -وهو يحاول إنقاذ نفسه- إلى الأعداء. ماذا يحدث إن التجأ إلى الجبهة المعادية؟ أما هو فيقع في خسران أبَدي، أما نحن فنكسب عدوّاً يعرف جميع أسرارنا، وكِلا الأمرَين خسارة لنا. لذا كان من الضروري التعامل مع هؤلاء في منتهى الحكمة وبأجمل أسلوب.

مثلاً قد يبتعد عنا أحد إخواننا بسبب الخوف أو بسبب الرغبة في منصب. لمثل هذا الشخص نستطيع أن نذكر بأننا نتفهم دواعيه وأنه أراد الحيطة، ونعم ما فعل، ولكننا لا نستطيع مجاراته في هذا. وهكذا فإننا لا نسد المنافذ إزاءه، فقد تتجدد علاقاتنا معه بعد سنوات. وقد يفهم الحقيقة فيما بعد ويرجع إلينا، فإن اعترف بأنه كان على خطأ وأننا كنا على صواب، عندئذ نقول له" أنت محق الآن أيضا".

ثم يجب علينا ألاّ ننسى أن الشخص الذي يغتاب إنساناً آخر يفقد ثقة المستمعين له. والجماعة التي تهتزّ فيها الثقة بين أفرادها لن تستطيع أبداً حمل أمانة الحق الثقيلة.

ثم قد يوجد أشخاص لهم علاقات مع ذلك الشخص الذي تتم غيبته كوجود قرابة أو مودة أو فكر مشترك، عند ذلك تثير هذه الغيبة حساسية لدى هؤلاء وهذا لا يؤدي إلا إلى خسارة في جبهتنا. ثم إننا لا نقول اليوم كل ما نريد قوله، فلَنا كلام نقوله في الغد، فلا فائدة من قوله اليوم.

قد يقوم هو بالإساءة إلينا باغتيابنا، ولكن علينا ألا نقابله بالمثل. إذ يجب أن نكون بعيدين جدّاً عن الانتقام لكرامتنا الشخصية، أو نتورط في مسائل شخصية. يجب أن نفدي كل شيء في سبيل دعوتنا السامية. ففي الوقت الذي يهاجَم فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم ويُفتَرى عليه وعلى الإسلام، لا نستطيع جعل كرامتنا موضوع الساعة، بل لا نستطيع أن نجد الوقت حتى لمجرد التفكير في ذلك. إن أفضل معونة يمكن تقديمها اليوم لأي إنسان هي المعونة المقدمة لإنقاذ حياته الدينية. ووظيفتنا نحن هي الإسراع لنجدة إخوتنا وإعانتهم.

الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.