طباعة

السلطان المفترَى عليه

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجزء الثالث: أسئلة العصر المحيرة-3

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

السؤال: أطلقوا على السلطان عبد الحميد الثاني لقَب "السلطان الأحمر".. فهل كان كذلك؟

الجواب: عندما ارتقى عبد الحميد العرش كانت جميع أنحاء الدولة تغلي بالمشاكل. من هذا الجانب كان يشبه كثيراً عليّ بن أبي طالب الكرّار رضي الله عنه وعهده. يقول مفكّر القرن العشرين بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله: "إنّ الفتَن الكبرى التي حفل بها ذلك العهد كانت تتطلب شخصا عملاقا كعليّ رضي الله عنه لمواجهتها. وفعلاً واجهها".

الموقف المتصلب للأمويين والفتن التي سببها الخوارج أدّت إلى اضطرابات كبيرة في المجتمع. لذا كان من الضروري أن يتصدى لهذه المشاكل رجل عملاق وشهم في ذروة الإخلاص والتضحية، رجل زاهد لا يقيم للدنيا وزناً... رجل مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه. لذا نَدَبَ القدر عليّاً رضي الله عنه لهذا العهد المضطرب. وكان الأمر نفسه بالنسبة لعبد الحميد الثاني. فهو أيضاً أتى في عهد فتنة وفساد. وكان رجل دهاء وذكاء وتدبير باتّفاق الجميع. وهناك مؤرّخون حسبوا أن التدابير التي اتخذها دون داع كانت نتيجة أوهام منه، وعدّوا السلطان عبد الحميد رجل أوهام وتخيّلات. أما الذين أفرَطوا وأساءوا الأدَب فقد عدّوه شخصاً جباناً.

عندما ارتقى العرش كان منظر الدولة العثمانية كما يأتي، تونس مضطربة وتغلي كالقِدْر، والفرنسيّون والإيطاليون يصولون ويجولون في المغرب ويوقدون نار الفتنة فيها، وكانت مصر تترقب أحداثاً جساماً. وكان الاضطراب سائداً بين العرب، أي كانت الظروف مهيّئة لهزيمة الدولة العثمانية في أي حرب دولية تدخلها.

لم تكن ظروف جزيرة "كِرِيت" مختلفة. فالولاة المعيّنون فيها لم يكونوا يستطيعون إنجاز أي شيء. فالجَيش كان مكتفاً، لأن الغرب كان جاثماً هناك ككابوس مخيف، ولم تكن لدَيه نيّة مغادرة الجزيرة. وفي البَلْقان كانت المداخلات الروسية وقيامها بإثارة الفتن واضحاً. فالسلاف كانوا دعاة الأمم البلقانية للانفصال عن الدولة العثمانية، وكانوا يستعملون البلغاريين للوصول إلى هذا الهدف.

وفي الأناضول كانت جماعة "الدونمة"[1] في نشاط محموم. لقد غيروا أسماءهم إلى "محمد" و "علي" ولكن نفوسهم وقلوبهم لم تتغير أبداً، ولم تهدأ أحقادهم، وكان هذا الحقد والغيظ كافياً لإشعال نار الفتنة في كل مكان. وكما كان اليهود أعدى أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان ابن سبأ وجماعته أعدى أعداء الإسلام في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه كذلك كان الدونمة أعدى أعداء السلطان عبد الحميد الثاني. كان مِدْحَت بَاشا من هؤلاء الدونمة، وكانت أوروبا وراءه وهو يقوم بإنجاز مهمته في إيقاد نار الفتنة.

كان الأرمن قد أسسوا جبهة معادية في الداخل وفي الخارج، وكان "السُريان" يجدونَ مَن يحركهم للثورة. وبدأت بعض القوميات والعناصر التي حاربنا معاً في صفّ واحد وخندق واحد طوال عصور عديدة تتهيأ لضربنا من الخلف. لم يكن من السهل أبداً اتخاذ تدابير ناجعة لكل هذه المشاكل. لذا فإن نجاح عبد الحميد في إبقاء الدولة واقفة على قدمَيها طوال 33 عاماً يعد بحدّ ذاته أمراً مهمّا. فلَو لم يقدِّم أي خدمات أخرى لكان نجاحه هذا فقط كافياً لبيان مدى كفاءته. كان أعداؤه قساة لا يرحمون، ولم يكن حواليه صديق أو رجل دولة كفء. لم يكن مستبدّاً، بل كان يريد تطبيق النظام والدقّة -اللّذَين كانا سمة من سماته الشخصية- على المجتمع. وحاول بذلك أن يكسب كل وحدة من وحدات الحياة الاجتماعية التي بدأت بالتسيّب والتحلل نظاماً يَقِيها من الاستمرار في الهبوط والتردّي. أي إن لم يفد هذا في ترقية المجتمع فإنه على الأقلّ يمنع توجهه إلى الأسوأ، وكان هذا يقتضي منه أن يكون ملتزماً بالنظام. ومع ذلك رأَيْنا بعضاً ممن نحبّهم ونحترمهم من الكتّاب والشعراء قد قيّموا عبدَ الحميد تقيِيماً خاطئاً، فكتبوا مقالات وأشعاراً في نقده. ولكنهم بعد أن رأَوا تردّي الدولة وسقوطها بعده عرفوا خطأهم واعترفوا به واعتذروا عنه.

ليس هناك من سلاطين آل عثمان -إن استثنينا السلطان محمد الفاتح- من خدم العلم والمعارف مثل خدمته. فهو شخصية نادرة من زاوية خدمته للعلم والمعارف. فلأول مرة فُتحت في عهده المدارس على النمَط الحديث؛ فمدرسة "قَبَه طَاشْ" و"كوللي" مدرستان فقط من المدارس التي فتحها في إسطنبول.[2] كان عبد الحميد أول من دخل في حوار جدي مع العالم الإسلامي، إذ أنشا سكّة حديد الحجاز حتى المدينة المنورة. لذا يعد محقّقاً لحلم السلطان سليم في الواقع العمَلي. لأن ثمرات الفتوحات التي أنجزها السلطان سليم ما كانت لتقطف إلا بمثل محاولات التقارب والحوار العملي مع العالم الإسلامي، ولكن الشروط لم تكن ملائمة في عهد سليم، لذا كان هذا من نصيب عبد الحميد. ذلك لأن نتائج فتوحات سليم وثمراتها ما كانت لتؤتي أكُلها إلا بهذا الحوار والتقارب. ولكن سكّة الحديد التي لم يتم تحقيقها في عهد سليم نتيجة للظروف والشروط السائدة آنذاك تحققت -وإن كانت متأخرة- في عهد عبد الحميد.

وفي هذه الأيام التي كيلت مدائح كثيرة للجسر المنشأ على البوسفور[3] حتى عده البعض العجيبة الثامنة بعد عجائب الدنيا السبعة.. هذا الجسر كان قد تم تصميمه في عهد عبد الحميد؛ أي كان سلطاناً بهذا الأفُق الواسع والنظرة السديدة. ولكن الظروف لم تساعده في إنشاء هذا الجسر، بل بقيت تصاميمه الكاملة محفوظة في الأرشيف. وانتقل خبَرها إلى الصحف قبل أيام من قبل أحد المؤرّخين الباحثين، مما أكّد مدى قوة فراسة السلطان عبد الحميد.

لم يستطع أحد ممن كان حول السلطان فهم قيمة أفكاره المستقبلية، لذا ظهر الكثير من المشاكل وعدم التفاهم، إذ كانت خَطَواته محسوبة لخمسين سنة قادمة. ولكن رجال الدولة المحيطين به كانوا قصِيري النظر ولم يفهموه جيّداً. ولم يتغير هذا الأمر في أيامنا الحالية. فهناك الآن رجال دولة يقدّمون اقتراحات وأفكاراً للعشر السنين القادمة، ولكن جهودهم تتعرقل من قِبَل رفقائهم.

يقولون عنه إنه كان "السلطان الأحمر" وأنا أرى أن هذا اللقب الذي وُضع من قِبَل الفرنْسيّين كان من المفروض أن يؤدي لدينا إلى انطباع إيجابيّ عنه. لأن الفرنسيين لم يكونوا أصدقاء. وهكذا فإن هذا الافتراء الذي رمَوه به تُرجم إلى لُغتنا من قِبَل بعض التعساء عندنا من الذين حسبوا سبّ الأجداد وشتْمهم مَفخرة لهم. ولكن التاريخ هو الذي سيقرّر عما إذا كان عبد الحميد شعلة من الذكاء والدهاء أم سلطاناً أحمر؛ بل بدأ بإعطاء هذا القرار، إذ لم يكن له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بهذا اللقب.

قُتل عمّه السلطان عبد العزيز وأرادوا إخفاء هذه الجريمة فزعموا أنه انتحر. قام مِدْحَتْ باشا وبعض مِن أعوانه بقتل السلطان عبد العزيز. وكانت محاولة إظهار الجريمة وكأنها انتحار من السذاجة بحيث أنها ما كانت لتخدع صبيّاً صغيراً. فعندما قُتل عبد العزيز قصّت شرايين رسغيه وقيل إنه انتحر هكذا. ولكن إن قص شريان أحد رسغيه فبأيّ يد استطاع قصّ شريان رسغه الآخر؟ ثم إنّ بعض شرايين عنقه كانت أيضاً مقصوصة. فكيف يمكن أن يكون هذا انتحاراً؟! ثم ما السبب الذي دعاه إلى الانتحار؟ كل ما قيل في هذا الخصوص عبارة عن أكاذيب وعن افتراءات.

ثم شكلت هيئة للتحقيق هذا الموضوع. وبعد قيام هذه الهيئة بتدقيق التقارير المقدمة لها أصدرت قرارها بإدانة مِدْحَت باشا وأعوانه وأصدرت حكم الإعدام بحقّهم. فكيف يكون عبد الحميد سلطاناً أحمر وهو الذي استعمل صَلاحيته فخفف أحكام الإعدام هذه عن قاتل عمه الذي كان في الوقت نفسه أعدى أعدائه، وخفَّفَ هذه الأحكام إلى سجن مؤبّد ونفاه إلى الطائف. وهنا هبّت الاستخبارات السرية الدولية في محاولة لأنقاذ مِدْحَت باشا الذي كان من "الدُّونْمة" وتهريبه من السجن. عند ذلك أصدر عبد الحميد أمراً مشدداً إلى والي الطائف بأنه إن تم تهريب مدحت باشا من السجن فسيكون هو مسؤولاً مسؤولية كاملة عن مثل هذا الإهمال الخطير.

وبدأ الوالي كل يوم يتلقى أخباراً عن محاولات التهريب هذه حتى سئم من ازديادها. لذا يحتمل أنه لكي يخلص نفسه من عقاب منتظر قام بخنق مِدْحَت باشا في السجن. فالمسألة غير متعلقة بعبد الحميد من قريب أو بعيد. ثم كان يستطيع تنفيذ حكم الإعدام عليه، ولا سيما أن مِدحَت باشا حاول اللجوء إلى دولة أجنبية، وهو عمل يرقى إلى مرتبة الخيانة. لقد كانت الرحمة لدى عبد الحميد رحمة كبيرة إلى درجة أنها أصبحت حالة مرضية عنده، فلم يرغب أبداً في إراقة دم أي شخص، وهذه الرحمة والشفقة هي التي منَعتْه من مجابهة "جَيش الحرَكة".[4]

كان محمود باشا[5] شخصا ساذجا لا يكاد يفهم شيئا. ولم يكن يعرف أصول إدارة الدولة أكثر مما يعرفه أي فلاّح في الحقل. وعندما دخل المجلس النيابي (مجلس المبعوثان) فيما بعد كان يغطّ في النوم. كان رئيس المجلس النيابي يحاول أحيانا إيقاظه من النوم لكي يتخلص من الحرج أمام الضيوف الأجانب. مثل هذا الشخص الخالي من الشعور بالمسؤولية تجاه مشاكل البلد وشؤونه إلى درجه الغطيط في النوم في المجلس كان قد جمع حواليه مجموعة من شذاذ الآفاق[6] جاء بهم من مدينة "سَلاَنِيك" إلى إسطنبول. وعندما سمع قائد حامية قصر "يِلْدِزْ" بهذا النبأ هرع إلى السلطان وطلب منه السماح له بتشتيت هذا الجيش. كان السلطان على علم بهذا الأمر منذ البداية، ولكنه لم يقبل طلب قائد حرسه ورد طلبه قائلا بأنه لن يسمح بإراقة دماء أمّته. بينما كان جيش الحركة بعيدا عن النظام العسكري، وكان وجود محمود باشا على رأسه دليلا على هذا. ولم يكن أكثرية جنود هذا الجيش يعرفون سبب مجيئهم إلى إسطنبول، وكان قسم منهم يحسبون أنهم جاءوا لحماية السلطان.

أجل! لم يكن السلطان ضحيّة أحد.. بل ضحية رحمته وشفقته. ولو لم يقابل التصرفات الهوجاء لـ"جمعية الاتّحاد والترقّي" بمثل هذا التصرف الإنساني الرحيم لكان له معهم تصرف آخر.

ثم إنه لم يكن يتوقع أو يفكر بأن الاتّحاديّين سيتسبّبون في فواجع ومآس كبيرة، لذا قيمهم ضمن تفكيره الإنساني؛ أي أنه لم يتوقع أبدا من هذه الجماعة التي تصدت لقيادة الأمة صدور ما صدر منهم بعد ذلك. وكان يتوقع أن أخاه السلطان رشاد سيستمر في نفس طريقه. لذا نرى أن جانب التوكل عنده تغلب على جانب التدبير. وهكذا ذهب ضحية مُروءته.

ويوجد للسلطان عبد الحميد الثاني جانب معنويّ وروحيّ. وكان في هذا الجانب كبيرا، تماما مثلما كان كبيرا في الجانب السياسي كرجل دولة من الطراز الرفيع. ومن النادر لمن يتبوأ مثل هذا المنصب النجاح في تحقيق مثل هذا التوازن بين الدين والدنيا، والسلطان عبد الحميد الثاني من هؤلاء الأفذاذ. عندما ذهبنا إلى الحج كان هناك شخص مسنّ يقوم بخدمتنا، وعندما سمع منا اسم السلطان ارتجف من شدة توقيره له، وأخبرنا بأن السلطان حجّ عدة مرّات وذكر أسماء المواضع والأماكن التي أقام فيها، بينما لم يحجّ السلطان -في ظاهر الأمر- طوال حياته.

وكما ذكرنا في بداية الموضوع كان الفرنْسيون أول من أطلقوا عليه لقب "السلطان الأحمر - Le Sultan rouge" فقام الأرمن بنشر هذا اللقَب في صحفهم. لذا كان على من يستعمل هذا اللقب أن يفكّر بالفم الذي تلقف عنه هذا اللقب وقام يكرره دون إدراك أو تثبت... عليه أن يفكر بهذا وأن يخجل. أجل!... إنه كان سلطانا أحمر بالنسبة للخفافيش المصابة بداء عمى الألوان. بينما هو بالنسبة إلينا سلطان عِملاق... أسكنه الله فسيح جناته.

الهوامش

[1] الدونمة: هم جماعة من اليهود ادعوا الإسلام في الظاهر ولم يدخلوا فيه حقيقة. (المترجم)

[2] فتح السلطان عبد الحميد الثاني -ولأول مرة- الكليات والمعاهد الآتية: كلية الطب، جامعة الهندسة، كلية التجارة، كلية العلوم، كلية الآداب، كلية الحقوق، كلية العلوم السياسية، كلية الزراعة والبيطرة، أكاديمية الفنون الجميلة، معهد المعادن والغابات، معهد المعلمين العالي، معهد اللغات. (المترجم)

[3] وهو جسر يربط بين قارة آسيا وقارة أوروبا. (المترجم)

[4] جيش الحركة: هو الجيش الذي أرسله الاتحاديون من مدينة سلانيك إلى اسطنبول لكي يحمي بزعمهم "المشروطية الثانية" التي كانت قد أعلنت في الدولة العثمانية ضد مؤامرات السلطان. لأنهم اتهموا السلطان بأنه كان المدبر لحوادث الشغب التي قام بها بعض العسكريين فيما عُرف في التاريخ بـ"حادثة 31 مارت"، بينما كان السلطان بريئا من هذه التهمة. وقد طلب قائد حامية قصر السلطان من السلطان السماح له بتشتيت جيش الحركة، لأن هذه الحامية كانت أقوى بكثير من ذلك الجيش. ولكن السلطان رفض لأنه لم يرغب بإراقة قطرة دم واحدة من أجله. (المترجم)

[5] محمود شوكت باشا: قائد جيش الحركةالذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني. أصله من بغداد. اغتيل فيما بعد من قبل جمعية الاتحاد والترقي عندما كان وزيرا للحربية. (المترجم)

[6] كان الجزء الصغير من هذا الجيش -أي جيش الحركة- يتألف من جنود نظاميين. أما القسم الأعظم فكان من المتطوعين من مختلف الأقليات غير المسلمة كالبلغار واليونان والصرب...الخ. (المترجم)

المصدر: مسجد "بُورْنُوَا"، 21 ديسمبر 1979؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.