طباعة

حكم زمن الفترة

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجزء الرابع: أسئلة العصر المحيرة-4

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

السؤال: يتحدثون عن عهد "الفترة"... هل نعيش في مثل هذا العهد؟ وما حكم عهد الفترة؟

الجواب: عهد "الفترة" هو الفترة الزمنية بين كل نبيين، وهو يطلق في الاكثر على الفترة الزمنية بعد عيسى عليه السلام وحتى مبعث رسولنا صلى الله عليه وسلم. في هذه الفترة تم نسيان الاسس التي اتى بها السيد المسيح عليه السلام، ولم يصل النور الذي جاء به إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فبقى الناس في ظلام دامس، أو هي الفترة التي لم يتصل فيه النور الذي جاء به السيد المسيح عليه السلام مع النور الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم، فحدث هناك فراغ مظلم... هذا هو عهد "الفترة"، والذين عاشوا فيها هم أهل "الفترة".

فهؤلاء لم يسمعوا عن الدين الذي اتى به السيد المسيح عليه السلام ولم يستفيدوا من أنواره واسراره، ولم يستطيعوا الوصول إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم في ظل أطياف هذه الانوار. ولكن إن كان منهم من لم يعبد صنماً، ولم يتخذه الها فالاجماع منعقد على أنهم سينالون عفو الله تعالى ومغفرته حتى وإن لم يعرفوا الله تعالى ولم يتوصلوا للإيمان به. لذا فوالد الرسول صلى الله عليه وسلم ووالدته سينالان المغفرة إن شاء الله تعالى لكونهما من أهل "الفترة".

ومع أن هناك حديثاً حول إحياء والدي الرسول صلى الله عليه وسلم وإيمانهما به، إلا أن هذا الحديث حديث ضعيف إن أخذنا علم الحديث ومقاييسه بعين الاعتبار. ومع ذلك فإن إماماً ومجدداً كبيراً كالإمام السيوطي يقبل هذا الحديث ويقبل وصول والدي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخلاص والمغفرة. صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لحصين والد عمران بن حصين "ابوك وابي في النار" عندما سأله حصين: "أأنت خير أم أبوك؟". ولكن هذا الجواب كان صحيحاً في زمنه، حيث يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب إلى قبر ابويه ودعا الله تعالى أن يقبلهما ضمن امته، وإن الله تعالى استجاب لدعائه فآمن والداه ودخلا ضمن امته صلى الله عليه وسلم.

والحقيقة أنه لا حاجة -للإجابة على هذا السؤال- للاستناد إلى هذا الحديث ذلك لأنه لا يوجد دليل ما على قيام أي من الوالدين المحترمين للرسول صلى الله عليه وسلم بعبادة الاصنام. فمن الحقائق التاريخية وجود كثير من الموحدين الذين لم يعبدوا الاصنام والاوثان في ذلك العهد حيث كانوا على دين إبراهيم عليه السلام. ثم أنهما كانا من أهل "الفترة"، وهم من أهل النجاة. فإذا كان أهل الفترة من أهل النجاة فكيف يمكن تصور حرمان والدي الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر؟!

ثم أيمكن تصور أن الله تعالى الذي لا يهمل ولا يضيع أي شيء حتى الذرات التي تدخل في جسد الإنسان بل يجعلها في الميزان يوم القيامة، والمنـزه عن أي عبث... أيمكن تصور أن الله تعالى سيضيع والديّ الرسول صلى الله عليه وسلم وكانا هما السبب والوسيلة في ظهور الجسد المادي للرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا؟

وكما اشرنا سابقاً فإن الله لم يكن ليضيع الموحدين في ذلك العهد من أمثال زيد بن عمرو -عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه- وورقة بن نوفل. لقد آمن هؤلاء بقلوبهم بالله تعالى. قد لا يكونون يعلمون كلمة "الله" فلا يستطيعون قول "يا الله" ولكنهم كانوا يؤمنون بوجود اله واحد وكانوا يتوجهون بدعائهم إليه. لذا فقبيل البعثة المحمدية كان الجو قد أصبح ملائماً ومناسباً. فكان اصحاب هذه الارواح الحساسة شعروا بقرب هطول الرحمة الالهية... شعروا وحدسوا بهذا لذا كانوا يبشرون من حولهم من الناس بهذه البشارة. لذا فنحن نأمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اعطي حق شفاعة واسعة لا ينسى يوم القيامة هؤلاء الاشخاص والافراد الذين كانوا يترقبون مجيئه بفارغ الصبر وبكل وجد وشوق وأن يأخذ بيدهم في ذلك اليوم ليقودهم إلى بر الأمان. كما نؤمن بأن الاشخاص الآخرين في ذلك العهد الذين لم يعبدوا الاصنام سيكونون من أهل النجاة مثل هؤلاء الاصناف تماماً.

هذا هو الجانب الديني للسؤال، وهناك جانب آخر مرتبط بيومنا الحالي وهو الجانب المقصود من السؤال على ما أعتقد.

ان قمنا بمطالعة كتب علم الكلام نرى أنه من الصعب اطلاق صفة "أهل الفترة" على الناس في هذا العهد الحالي. ولكن الاستعجال في اطلاق الأحكام القاطعة من دون روية كافية يكون مخالفاً لنظرة أهل السنة والجماعة وعدم احترام للرحمة الالهية الشاملة والواسعة.

لقد أدركنا عهداً اطفئت فيه شمس الإسلام في كثير من البلدان الأخرى، ومسح من القلوب اسم الله ورسوله واستعمل العلم كاداة كذب لانكار الخالق جل جلاله. وبدلاً أن تعلو كلمة الله والمعرفة الالهية في دور العلم والعرفان بُعث الوجه الكريه للكفر. وبدلاً من استعمال العلم والحكمة كاساس للوصول إلى الله استعمل كقنابل لهدم قلعة الإيمان وجعلها أنقاضاً متراكمة. وهكذا وفي هذا الجو العاصف للكفر والضلالة فقد نسي الشباب طريقهم إلى الجامع وإلى المسجد.

أما الزمرة القليلة التي قبضت واستولت على المحافل العلمية فقد وجهت انظارها إلى الغرب وصرفتها عن تاريخها وعن مفاخرها. فبعضهم عكروا إيمان إنسان عصرنا بنظرية التطور، وبعضهم لوثوا افكار الأمة بالشهوة الجنسية حسب نظريات فرويد وحاولوا حل جميع المشاكل من الزاوية الجنسية ومن منظور الشهوة. ومنهم من افسد الشعب بالمذاهب الفوضوية. كانت هذه المذاهب تفسد افرادنا وامتنا، وكذلك الامم القريبة منا فكرياً وتسممها وتبعدها عن اصولها وعن هويتها وتسفل بها وقد قامت كثير من الجرائد والمجلات والكتب برفع شعارات هذه المذاهب في طول البلاد وعرضها لسنوات عديدة. لذا لا يمكن عد إنسان يومنا هذا خارج عهد "الفترة" تماماً، وإلا كنا قد أغمضنا عيوننا عن الحقائق من حولنا.

اريد هنا نقل حادثة جرت في ذلك العهد لبيان مدى الفقر الروحي الذي زجّ إليه جيلنا:

كان أحد إخواننا في درس ومسامرة مع الشباب... كان يشرح الحقائق العلوية للدين ولكن ما لبث الحديث أن مال إلى الحوادث والاخبار اليومية فتم تناول ما يحدث في العالم الشيوعي والمظالم التي يقترفونها والخطط الجهنمية التي يريدون تطبيقها في المستقبل. وهنا اخذت الحماسة مأخذها من أحد الشباب فاخذ يقول: "يجب قتل كل الشيوعيين في بلدنا فهم مجرمون وقتلة" ولكن ما لبث أن اجابه شاب كان يستمع في ركن من الغرفة بشوق ووجد إلى ما يدور في هذه الجلسة ويتنفس هذا الجو المبارك لأول مرة في حياته... قال هذا الشاب بنفس الحماس والوجد: "ياصديقي!... انت تتكلم عن القتل وعن الذبح. ولو قمتَ في الامس بتنفيذ ما تقوله الآن لذهبت أنا ضحية منكودة الحظ لانني كنت واحداً منهم. ولكنك ترى انني الآن ضمن هذه المجموعة المباركة من الشباب. لقد قطعت مسافة هي كالمسافة بين الأرض والسماء منذ الامس وحتى اليوم، أي في يوم واحد. وأقسم لكم أن من بين من تطلقون عليهم اسم الجبهة المعارضة والاعداء هناك الآلاف من الناس الذين ينتظرون الخلاص مثلي، فهؤلاء لا ينتظرون منكم الصفعات، بل ينتظرون منكم الشفقة والحنان، فلو مددتم ايديكم إليهم أصبحوا مثلكم. فالمهمة الاصلية أهي القتل أم الإحياء؟" اثرّت هذه الكلمات الصادقة والمخلصة على الحاضرين حتى بكى بعضهم.

أجل! هذا هو الجيل الذي رأيناه والذي بكينا بسبب ضلالتهم، والقسم الاكبر منهم بريئون. إذ انحرفوا إلى الضلالة عندما لم يستطيعوا معرفة الحق. وأنا أعتقد بأن عدم عدّهم من أهل "الفترة" يكون مناقضاً للرحمة الالهية الواسعة والشاملة.

وردت في البخاري ومسلم الحادثة الآتية: عندما جئ بالاسرى كانت من بينهم امرأة. وكانت هذه المرأة تركض ذات اليمين وذات الشمال وما أن تجد طفلاً حتى تحتضنه، وعندما ترى أنه ليس الطفل الذي تبحث عنه تتركه وتبدأ بحثها من جديد. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراقب هذا المنظر بعين دامعة. واخيراً عثرت على طفلها وضمته إلى صدرها بحنان بالغ. هنا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن حوله من اصحابه وهو يشير إلى تلك المرأة: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».[1]

لذا فنحن مضطرون للتفكير بتسامح أكثر. ولا يذهبن بأحد الظن بأننا نحاول اظهار رحمة زائفة اكثر من الرحمة الإلهية وإننا أصبحنا من قاطعي التذاكر للجنة ولكننا ننظر من زاوية أهل السنة والجماعة المؤمنة بالحديث القدسي «إن رحمتي سبقت غضبي».[2]

وهناك جانب آخر مهم جداً للمسألة يتعلق بنا: إننا لم نستطع تقديم الحقائق بصورة مشبعة لشبابنا... لقد اهملنا شبابنا وشباب العالم أجمع مع أنهم يحتاجون إلى الرسالة التي نحملها كحاجتهم إلى الهواء والماء.. وعندما نقارن حالنا مع حال الصحابة الكرام الذين حملوا مشعل الهداية إلى جميع أنحاء الأرض في مدة قصيرة، ومع حال وجهود التابعين الذين أتوا من بعدهم يظهر بوضوح مدى كَسلنا وخمودنا وجمودنا. لقد كان ديدن الصحابة والتابعين البحث عن القلوب والأنفس المحتاجة إلى الهدي والنور وجعلوا ايصال هذا النور إلى الناس غاية حياتهم.

إن العالم اجمع في حاجة إلينا. والاستجابة لندائهم وظيفة كل المسلمين، وهذا هو الجانب المتوجه إلينا من هذه المسألة. فلنسائل أنفسنا: هل قمنا كمسلمين باداء هذه الوظيفة؟ فإن كنا لم نؤدها، إذن كان علينا الاجابة على أسئلة كثيرة، وتقديم الحساب حول أشياء كثيرة.

الهوامش

[1] البخاري، الأدب 18؛ مسلم، التوبة 22.

[2] البخاري، التوحيد 22؛ مسلم، التوبة 15.