طباعة

الظهور التلقائي

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في حقيقة الخلق ونظرية التطور

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

عندما قام "شمس الدين كون آلتاي" بنقد هيجل عن حق في هذا الموضوع في كتابه "الفلسفة العليا" قال: (يتكلم هيجل عن عشرين جيل من الأحياء المتعاقبة في قاع البحر. ويورد هذا المسكين أسماءها وكأنه كان يعيش معها، ويعطي رأيه حول أشكالها).

ونظراً لعجز المنظرين لنظرية التطور في تفسير كيفية ظهور الحياة نراهم يتشبثون بالمصادفة وبالظهور التلقائي. فهم يزعمون أن الجو البدائي للأرض كان يحتوي على كميات كبيرة من الأمونيا والميثان وبخار الماء والهيدروجين، وأن هذا الخليط تفاعل مع بعضه البعض بواسطة الطاقة المنبعثة عشوائياً من البروق ومن الانفجارات البركانية، ونتجت بعض أنواع من الحوامض الأمينية عن هذه التفاعلات. وبمرور الزمن تحولت هذه الأحماض الأمينية إلى بروتينات، ثم سالت جزيئات البروتينات هذه إلى البحار. ومن ثم ظهرت الأحياء الأولى في المستنقعات بشكل ديدان بدائية.

تجارب ميللر

استعمل أنصار التطور تجارب ميللر وكأنها دليل على حدوث مثل هذه التفاعلات. بينما كل ما فعله ميللر كان عبارة عن قيام إنسان يملك علماً وشعوراً وإرادةً بتجربة للحصول على خلية حية بمساعدة أحماض أمينية قام باختيارها. كان من الضروري في هذه التجارب دوام التزويد بالطاقة المسيطر عليها لكي يظهر كائن حي (أي خلية حية) أول، ثم لكي يستمر في الحياة. والشيء الأهم هنا هو الحفاظ على الأحماض الأمينية المتشكلة من التحلل، وجمعها معاً ضمن مصيدة باردة وضعت خصوصاً لهذا الغرض.

فإن كانت هناك قابلية لدى الأحماض الأمينية للانقلاب إلى الحياة -علماً بأن الله تعالى وحده الذي يهب الاستعداد للحياة- فإن الإنسان الذي يملك المعرفة والإرادة يستطيع تحريك هذا الاستعداد وتنشيطه. ولكن الزعم بأن كل هذا يحصل نتيجة المصادفات ونتيجة الظهور التلقائي يعدّ بلا شك استهزاءً بالعقل وبالإرادة.

التغذي الذاتي والخارجي

يزعم التطوريون أن الأحياء التي ظهرت إلى الوجود تلقائياً أو عن طريق المصادفات تستطيع تأمين الطاقة التي تحتاج إليها لإدامة حياتها من الشمس أو من التفاعلات الكيمائية. ثم إن الأميبيا كما تستطيع التغذي من بيئتها، تستطيع كذلك صنع غذائها بنفسها. ويحاول التطوريون تقوية زعمهم هذا بفرضية "الأوتوروف" أي التغذي الذاتي، أو "الهيتوتروف" أي التغذي من البيئة الخارجية. أما فرضية التغذي الذاتي فلم تلق قبولاً في أيامنا الحالية. والتفاعلات الكيمياوية التي تنتج الغذاء "كالتمثيل الضوئي" أمر معقد غاية التعقيد. وعندما ندقق التفاعلات المعقدة التي تقوم بها النباتات الخضراء التي تملك قابلية التمثيل الضوئي، وكذلك الانـزيمات التي تلعب دوراً مهماً في هذه التفاعلات، نعرف من يحتاج لمن، وإلى أين يجب أن يسير كل شيء من هذه الأشياء. أي ندرك أن كل شيء يسير وفق منهج دقيق ومتكامل.

لقد وقع التطوريون في ورطة كبيرة عندما ادّعوا بأن مثل هذا النظام الدقيق والرائع ظهر فجأة إلى الوجود عند بداية ظهور الحياة على وجه الأرض، لأن مثل هذا الادّعاء يناقض ادّعاء التطور. لأن مثل هذه التفاعلات المعقدة والمتشابكة لا يمكن أن تصدر إلا من قبل آلية معقدة. ومن المفروض أن تظهر هذه الآلية الدقيقة والمعقدة في الظروف الأولية لظهور الحياة لكي يحصل الكائن الحي على الغذاء الضروري له، بينما يتناقض هذا تماماً مع أساس الداروينية. لأن الظهور الفجائي لآلية معقدة جداً مستحيل. لأن التكامل أيْ النظرية التطورية تقضي بظهور هذه الآلية بشكل تدريجي وبطيء. والأبحاث التي أجريت أبانت -دع عنك ظهور النباتات المالكة لآلية معقدة مثل التمثيل الضوئي- بأن مئات الآلاف من أنواع الحيوانات الموجودة حالياً كانت موجودة في أكثر العهود قدماً التي استطاعت هذه الأبحاث التوغل فيها، ولم يشاهد فيها أي حادثة تطورية. أي أن التطور يحتاج إلى زمن طويل لا نستطيع تصور طوله. لذا لم يكن عمر الأرض كافياً لظهور الحيوانات والنباتات وتطورهما حتى الوصول إلى ظهور الآلية التي تقوم بصنع الغذاء بنفسها.

أما حسب فرضية "هتروتروف" فإن الغذاء غير جاهز للكائن الحي، ولا يستطيع الكائن الحي صنعه بنفسه، بل يأخذه من الخارج. بينما يحتاج هذا أيضاً -مثله في هذا مثل الأوتوروف- إلى آلية تستطيع إنتاج تفاعلات معقدة. لأن الغذاء الذي سيأخذه أيّ حي من الأحياء يجب أن يكون مادة عضوية صنعت من قبل حي آخر. لذا كان كل حي -ولنقل الحي الأوّل الذي ظهر على وجه الأرض- يحتاج إلى وجود حي آخر قبله. وهذا يؤدي إلى تسلسل، أي إلى سلسلة متراجعة إلى الخلف على الدوام مما يقتضي أزلية الأحياء. وهذا أمر باطل ومستحيل.

قوانين الوجود

هذا بالإضافة إلى أننا نشاهد في ظهور جميع الأشياء في الكون سواءً في عالم الأحياء أو في عالم الجماد شعوراً وعلماً وترجيحاً، أي إرادة. وبينما نرى عبيد الطبيعة والعلماء الماديين يعزون هذا الوجود إلى الظهور التلقائي أو إلى المصادفات العمياء نراهم من جهة أخرى يؤمنون بالقوانين. بينما تقوم القوانين بردّ الظهور التلقائي وردّ المصادفة. إذن فالوجود لابد أن يكون أثراً لصاحب علم. ولا تملك المادة الخالية من الحياة ومن الشعور قوانين شاملة للكون وشاملة للحياة وللشعور. إن وجود القوانين يقتضي وجود واضع لهذه القوانين. إن عدّ القوانين -دون أخذ واضع هذه القوانين بنظر الاعتبار- أساساً للوجود يشبه المثال الآتي الذي ضربه أحد المفكرين المرموقين:

"دخل رجل أحمق إلى قصر كبير، فرأى أن هذا القصر المنيف قد زين وأثث بأفخم أثاث وأجمله، فهناك الطنف والمناضد والكراسي والفرش والمزهريات والورود واللوحات الفنية والمدافئ، وما يحتاجه المطبخ من أشياء وأغراض... والخلاصة وجد كل شيء في مكانه الصحيح. وبينما كان هذا الرجل الأحمق يتجول في أرجاء القصر ويفكر بمن قام بكل هذا التأثيث والتزيين، ولكنه لم يجد أحداً، وإذا به يرى كتاباً فوق منضدة. كان الكتاب يحتوي على برنامج تأثيث القصر. قال الأحمق: لقد وجدت ما كنت أبحث عنه... هذا الكتاب هو الذي قام بتأثيث هذا القصر."

وهل هناك من أحد لا يطلق صفة الجنون على شخص يسند تأثيث قصر من القصور إلى كتاب تعريف بالأثاث، أو يسند صنع أي ماكنة أو جهاز إلى نشرة تعريف الجهاز أو الماكنة؟

وبينما هذه هي الحقيقة بأوضح شكل، فإنني لا أفهم على الإطلاق كيف يمكن لشخص تخصص بعد التخرج من الجامعة في الفيزياء أو في البيولوجيا (علم الأحياء) أو في الكيمياء، أو في الكيمياء الحيوية وأصبح استاذاً أن يسند هذا الكون الرائع وما يحتويه من زينة، وما يبدو فيه من تصميم دقيق، ووجود كل شيء في المكان والموقع الصحيح، وما يحتويه من تناسق وتناغم أصيل لا يفسد ولا يهتز ولا يحتاج لأي تعمير أو اصلاح... أن يسند كل هذه الروعة إلى المادة الخالية من الحياة ومن العلم ومن الشعور والإرادة، أو إلى بعض المفاهيم التي يطلق عليها اسم القوانين التي تم اكتشافها عند دراسة هذا الوجود وكيفية ظهوره وكيفية عمله. أو أن يسنده إلى المصادفات التي هي مفهوم مجرد، أو يعزوه إلى الظهور التلقائي.

اصطفاف البروتينات والأحماض الأمينية

يقول العالم السويدي المشهور "جارلس ايجون كوي Charles Eugenie Guye":

 "تتألف جزيئة البروتين من 40.000 ذرة. لذا فنسبة احتمال ظهور جزيئة بروتين واحدة عن طريق المصادفات هو احتمال واحد من احتمالات كبيرة وهائلة جداً تبلغ 10 60".[1] أترون؟... علماً بانه عند الأحياء لا نجد جزيئة بروتين واحدة، بل سلاسل من البروتينات. ويقول "الدكتور لوكونت دي نوي Dr. Lecomte de Nouy" عن احتمال ظهور سلسلة واحدة من البروتينات عن طريق المصادفة:

"لا يمكن التعبير عن ظهور سلسلة من البروتينات عن طريق المصادفات إلا باحتمال واحد ضمن رقم هائل من الاحتمالات يبلغ رقم 10 أس 243.[2] ولكن الإنسان لا يتألف من سلسلة واحدة من البروتينات، لأن الإنسان يتألف من 60 تريليون خلية. وترتبط هذه الخلايا ببعضها بروابط قوية بحيث إن فساد عضو أو نظام واحد لهذه الخلايا قد يؤدي إلى موت الإنسان. وحياة الإنسان مستمرة ضمن استمرار هذه العلاقات الحساسة جداً والمتكاملة جداً. وعندما يتأمل الإنسان هذا النظام الدقيق الرائع لا يملك إلا أن يهتف من قلبه: "سبحانك!... ما أعظم شأنك!!"

قبل تناول البروتينات ودورها في الكائنات الحية تأتي الأحماض الأمينية أولاً. تنتظم هذه الأحماض الأمينية في سلاسل معينة مشكلة البروتينات. ولكن البروتينات تحتاج إلى أشياء أخرى لتشكيل خلية حية. كل كائن حي عبارة عن نظام  "System" من الجزيئات المتجمعة ضمن تصميم معين. ولكي يستمر في الحياة عليه أن يتغذى ويحصل على طاقة.

وعلم البيولوجيا المناصر للتطور يزعم بأن الكائن الحي الأوّل حصل على هذه الطاقة من الشمس، كما استفاد من البروق ومن الأشعة فوق البنفسجية. بينما نعرف بأن الكائن في أثناء تشكله وبعده يحتاج للتزود بنسبة معينة من الطاقة بشكل منتظم ودون انقطاع لكي يستمر في الحياة. بينما أشعة الشمس تكون موجودة في النهار فقط إن لم تكن هناك غيوم، ولا توجد في الليل، ثم إن جزءً كبيراً من السنة يكون شتاءً، لذا لا تكون الطاقة الآتية من الشمس منتظمة وبالمقدار نفسه. أما البروق فليست منتظمة في أي وقت. فهي تحدث مرة ثم تغيب. وعندما تبرق البروق تحرق وتهدم. وحتى لو افترضنا وجود نصيب من الصحة في هذا الادّعاء فكيف نفسر تنظيم العلاقة المزعومة بين أشعة الشمس والأشعة فوق البنفسجية والبروق وبين ظهور الكائنات الحية؟

التغذي والنمو

 لا يقتصر وجود المشاكل في موضوع ظهور الكائن الحي للوجود، بل إن موضوع تغذيته كذلك يحف به الكثير من المشاكل. إذ يجب على الكائن الحي تناول الغذاء لكي ينمو، ولكي يركب مواداً جديدة ضرورية، ليستطيع الاستمرار في البقاء حياً. وحسب ادّعاء التطور فإن الكائن الذي ظهر عن طريق التطور يضطر للتغذي على طريقة تغذي الاميبيا لكونه لا يملك بعد جهاز هضم ولا جهاز تنفس. ولكن حتى هذا مستحيل لسببين: الأوّل هو كثافة المحيط حواليه أي كثافة البيئة، أي يجب تعيير وضبط التوازن بين كثافة السائل الذي يوجد فيه الكائن الحي، وبين كثافة السائل الموجود داخل خلية الكائن الحي. وهذه مشكلة مهمة ودقيقة.

نحن نعلم أن الجزيئات المذابة تسيل نحو الجهة التي تكون أكثر سيالية، ولا تستطيع التوجّه نحو جهة ذات كثافة أكثر. وبالمقابل تسيل الأشياء الموجودة في الوسط الكثيف نحو الوسط الأكثر سيولة. وهذه قاعدة عامة، لذا فإن كان الجو المحيط بسلسلة البروتينات (الموجودة والمتهيأة لكي تنقلب إلى خلية حية) جواً سائلاً وقليل الكثافة فلا يمكن أن ينتقل أي شيء من هذا الجو إلى داخل الكائن الحي، بل تخرج المواد الغذائية الموجودة داخل هذا الكائن إلى الخارج، لذا سرعان ما يهلك هذا الكائن الذي كان مرشحاً للحياة. وإن كان الجو المحيط بهذا الكائن كثيفاً انسابت المواد منه إلى داخل هذا الكائن، فلا يبقى أمام هذا الكائن أي فرصة للتطور لأنه سينتفخ حالاً. فإن كانت سيولة المحيط بنفس سيولة وبنفس كثافة المواد داخل هذا الكائن انقطع التبادل الغذائي بين هذا الكائن وبين محيطه، فلا يتحقق الامتصاص، فانسدت أمامه أبواب التطور.

والسبب الثاني: هو لو فرضنا وقلنا بأن هذا الكائن تشكل على الرغم من جميع هذه المستحيلات. إن هذا الكائن يحتاج -إضافة إلى ضرورة التغذي- إلى طاقة لنبذ فضلاته وطرحها خارجاً. فمن أين سيحصل هذا الكائن الذي خطا أولى خطواته في الحياة على الطاقة؟ لأنه من الضروري خلق الميدوكوندريات التي هي بمثابة محطات الطاقة في الخلية. وهذا الكائن الحي يحتاج في كل دقيقة وفي كل ثانية إلى الطاقة لا من أجل تناول الغذاء أو رمي الفضلات فقط بل من أجل استمرار في حياته. وبدون تزوده بالطاقة لا يمكنه الاستمرار في الحياة. لذا فما مبلغ صحة الادّعاء إذن بأن الكائن الحي يستطيع التزود بالطاقة من خلال حساء البروتين الموجود في قاع البحار؟

إن حسابات الاحتمالات تشير إلى استحالة انقلاب أي مركب كيميائي تحت هذه الظروف لا إلى كائن حي، بل حتى إلى سلسلة من السلاسل البروتينية. ولكن لِنَقُلْ بأن مثل هذا الكائن الحي قد تشكل وتكوّن، فهذا الكائن لا يبقى على شكله الأوّل بل يتطور. لذا كان من الضروري أن تتطور عنده أجهزة الهضم والدوران والتنفس والإفراغ (أيْ طرح الفضلات من غائط أو بول أو عرق) بشكل متناسق ومشترك. ولكي يستطيع هذا الكائن الحي الاستمرار في الحياة يجب ظهور هذه الأجهزة معاً وأن تتطور معاً، وأن تعمل بتعاون وتساند فيما بينها. وهذا يخالف ويناقض الفكرة التطورية لدى دارون، لأنها ترى استحالة ظهور مثل هذه الآلية المعقدة بشكل فجائي وفي وقت واحد.

والآن لنستعرض بعض المحالات الأخرى ونتناولها، فنفرض بأن أجهزة الهضم والدوران والإفراغ والتنفس لدى هذا الكائن الحي الأوّل قد تشكلت تلقائياً وبشكل فجائي، وأن كائناً حياً على شكل دودة قد ظهر إلى الوجود في أحد المستنقعات حسب زعم دارون. هذه الدودة ستكبر طبعاً. فماذا سيكون عمرها؟ وهل سيكفي هذا العمر لكي تتطور وتنقلب إلى نوع آخر؟ وعندما تنقلب هذه الدودة إلى نوع آخر هل ستتشكل بعدها دودة أخرى؟ أم أنه ظهرت أعداد كبيرة من الديدان في أماكن عديدة من الدنيا وانقلبت مجموعة منها فقط إلى نوع آخر؟ لنقل بأن الدودة تطورت وانقلبت إلى ضفدعة، ثم انقلبت ضمن سلسلة من التطورات إلى حيوان الكنغر، وأن هذه السلسة استمرت وتتابعت حتى ظهور الإنسان، حيث صغرت الآذان لعدم الحاجة إليها مثلاً.

وهكذا ظهرت في الحياة مختلف أنواع الكائنات الحية. حسناً... ولكن عندما تطور فرد أو بضعة أفراد داخل كل نوع لماذا لم يتطور الأفراد الآخرون؟ وهل هناك آلية لا نعلمها هي التي تقرر هذا الأمر من ناحية عمليات التطور ومدد كل مرحلة منها؟ وهل يمكن إسناد هذه العمليات وظهور هذا النظام الدقيق في الكون، والحياة على سطح الأرض ثم تطورها وتوسعها وتكاملها إلى المصادفات العشوائية، في الوقت الذي تبين قوانين الاحتمالات استحالة ظهور جزيئة بروتين واحدة تلقائياً وبعوامل المصادفات؟ وحتى لو فرضنا أن بضعة أفراد من كل نوع تطور وانقلب إلى نوع آخر، فعمر أي نوع من الأحياء يكفي لحدوث مثل هذا التطور؟ فهل كان عمر هذه الأفراد الذين تطوروا يبلغ الملايين من السنوات؟

لا يملك الداروينيون ولا العلم الإجابة على هذه الأسئلة. وكل ما يستطيعون أمام هذه الأسئلة هو قولهم: "إن هذا هو ما حدث". ويقولون هذا باسم العلم.

أمر مهم آخر أضل الداروينيين

أمر آخر مهم خدع الداروينيين وقادهم إلى الوهم، وهو قيامهم بالنظر من زوايا عدة فروع مختلفة من العلوم إلى نقطة واحدة لمسألة ما. بينما يجب ألا يقع أي علم من العلوم في تناقض مع علم آخر في هذا الكون في أي موضوع من مواضيع النظام في عالم الجماد أو الحياة في هذا الكون ولا سيما في عالم الأحياء. أي يجب ألا تتناقض علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم النبات وعلم الحيوان والجيولوجيا وعلم المتحجرات فيما بينها عند القيام بتفسير الوجود.

ولكن عندما نقوم بأي بحث من البحوث، أو بأي تجربة من التجارب في حقل أي علم من العلوم أو في أي فرع من فروع الحياة فنحن لا نتخذ الطفرات ولا التكيف ولا الانتخاب الطبيعي كسند، أو كقاعدة لهذه الأبحاث والتجارب. إن القوانين التي نكتشفها في الكون وفي الحياة لا تستند إلى الطفرات، أو إلى الانتخاب الطبيعي... الخ.

أي إن 99 % من الأسماء التي نطلقها على الإجراءات الإلهية التي أدت إلى ظهور الحياة واستمرارها، تعمل ضمن نظام معين مستمر منذ ملايين السنوات على المنوال نفسه، ونحن نقوم بأبحاثنا وبتقويمنا وتفسيرنا للظواهر استناداً إليه. فمثلاً نقوم بالاستعانة بعلم العقاقير (pharmacolocy) وبعلم الطب الوقائي بصنع الأدوية والعقاقير. وعند النظر في تأثيرها وطرق استعمالها لا نأخذ بنظر الاعتبار أن البكتريات المسببة للأمراض قد تتطور وتنقلب إلى أنواع أخرى.

وعندما تكون هذه المسألة موضوع بحث عند التطوريين الذين زعموا أن هذه البكتريات تطورت في السابق، نرى أنهم بذلوا جهوداً كبيرة لتكرار وإعادة مثل هذه التطورات فيها، ولكن عندما يكون الموضوع موضوع علم العقاقير أو إلى علم الطب نراهم لا يؤمنون بمثل هذه التطورات، ولا يأخذون التطور ولا النظريات الأخرى المستندة إليه بنظر الاعتبار. ولا نتوقع في المضادات الحيوية التي نستعملها ضد الأمراض أن تقوم جراثيم مرض الجذام بالتحول عن طريق الطفرات إلى جراثيم مرض السل، أو تحول بعضها إلى جراثيم الكوليرا، ولا نفكر هكذا أبداً. كما يستند الطب الوقائي إلى قاعدة قيام الجراثيم بالمحافظة على ماهيتها.

أجل!.. فكما زود الله تعالى كل كائن حي بآلية الدفاع عن نفسه، كذلك قد تقوم البكتريا ببعض الطفرات داخل النوع عند تعرضه لبعض أنواع الأدوية. ولكن هذا التغير يكون محصوراً فقط في إطار القيام بزيادة قدرته الدفاعية وتطوير نظام المناعة عنده. ولا تؤدي هذه التغيرات الصغيرة إلى طفرات تغير في نوع هذا الكائن، فهذا مستحيل. ثم إن هذه الكائنات كائنات مجهرية. والتغير الذي يصيبها في ثلاثين سنة يعادل ملايين السنين لدى الإنسان. وإذا كان من غير الممكن حصول تغير في النوع عند هذه الكائنات الصغيرة في ثلاثين عاماً، فهذا يدل على أن عمر الأرض لا يكفي لحصول التطور. هذا علماً بأن العلم أثبت أن الطحالب الزرقاء والخضراء التي تعيش في البحار كانت موجودة قبل خمسين مليون سنة.

إذن دع عنك موضوع الثلاثين سنة فإن هذه الأحياء لم يصبها أي تغير أو تبدل خلال خمسين مليون سنة، وهي اليوم كما كانت في السابق.

الوجود الزوجي: الذكر والأنثى

ونستمر في فرض وقوع بعض المستحيلات والمحالات فنقول بأنه تم ظهور الديدان عن طريق التطور. ولكننا نلاحظ وجود الزوج لا في الأحياء فقط، بل في الجماد كذلك. والذين يقومون برسم صور القرد وهو يقترب من الإنسان مرحلة مرحلة يرسمون في الأخير صورة رجل غربي في متوسط العمر. ولكنهم لا يقولون شيئاً حول كيفية ظهور المرأة. لذا نتساءل: كيف ظهرت الأنثى الأولى لهذا الكائن، وأين؟ وهل ظهرت بجانب الرجل أم في مكان آخر؟ وكيف عثر أحدهما على الآخر؟ ومن أين حصلا على غريزة التزاوج؟ وهل كان هذا أيضاً نتيجة المصادفات؟ ثم هل فكر أحدهم في عدد السنوات اللازمة لتحول مئات الآلاف من الأنواع من نوع إلى نوع، ثم نشوء الأجيال الجديدة من ذكر وأنثى وتوزعها في كافة أرجاء العالم؟

الهوامش

[1] أي إن نسبة الاحتمال = 1/ 10 60 ويساوي الرقم واحد مقسوماً على عدد هائل هو رقم واحد وأمامه ستون صفراً. (المترجم)

[2] أي إن نسبة الاحتمال = 1/ 10 234 أي العدد واحد مقسوماً على عدد عشرة أس 234. ومن المعروف في علم الرياضيات ان نسبة 1/ 10 50 (أي العدد واحد مقسوماً على عشرة أس خمسين) تساوي الصفر في الواقع لضآلته وصغره. (المترجم)