طباعة

مرضٌ اجتماعي يشلّ العقل السليم: التعصب

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في الجزء الثالث عشر: شد الرحال لغاية سامية

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

مرضٌ اجتماعي يشلّ العقل السليم: التعصب

سؤال: ما معنى التعصب؟ وما الفرق بينه وبين الصلابة في الدين؟

الجواب: التعصب هو تقييم الإنسان كلَّ شيء وفقًا لفهمه وهواه فحسب، وإغفال مقدمات الأمر وخلفياته، والعنادُ والتمرد حتى فيما يخالف روح الدين والعقل.

وقد عبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر بـ"العصبية"، من ذلك قوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ»[1]؛ إن التعصب مظهر سلوكي يسري في الدم والأوردة، ويستمد طاقته من الجسمانية والحيوانية، ولفظة "التعصب" من باب "التفعل"؛ أي فيها معنى التكلف؛ ومعناه من هذه الناحية: العناد الباطل إلى حدّ الإفراط في مسألةٍ ما، والإصرار عليها، وعزو كلّ شيء إلى هوى النفس، والتعامي عن العوالم المرئية والمسموعة وعدم الاكترات بها، واعتداد الإنسان بعلمه دون اعتبارٍ للآخرين.

نعم، التعصب سلوكٌ مجافٍ للعقل والمنطق، والإحساسِ والشعور؛ فالمتعصب لا يمكنه أن يتصرّف وفقًا للعقل والمنطق، ولا أن ينفتح على المشاعر.

عاملٌ يحول دون إيمان الإنسان

لقد دأب أهل الإنكار والإلحاد على التعصب ضد المؤمنين، ففي عصر السعادة مثلًا كشف الكفار والمنافقون عمّا في صدورهم من تعصب على الإسلام والمسلمين، وتظاهروا بالعمى والصمم في أمرِ مَن هَوَتْ له النحوم إجلالًا وتعظيمًا مفخرةِ الإنسانية محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم أحسنوا النظر إلى فريد الكون والمكان عليه ألف ألف صلاة وسلام لرأوا ما رآه كلّ مَن أحسن النظر، ولو أصغوا قليلًا إلى دُرر كلماته لسمعوا ما سمعه مَن أحسن الإصغاء.

أجل، لو تدبر المنكرون والملحدون وتأملوا قليلًا في الحقائق التي بلّغها صلى الله عليه وسلم لرأوا الحقيقة وأدركوها وسلكوا الصراط المستقيم، لكن يا للأسف لقد أعمى كلٌّ من التعصب والضغينة والحقد والكره أبصارَهم عن الحقيقة، وطمس كلّ الجماليات، فتردَّوا في الإنكار والجحود.

إن التقليد الأعمى للآباء والأجداد دون تمييز بين الحق والباطل يحول دون الدخول في الإيمان أو الثبات في دائرته، كما كان الكبر والطغيان والخلل في النظر حائلًا دونه؛ والحق أن مثل هذا التقليد الأعمى مظهرٌ من مظاهر التعصب، ففي الجاهلية كفر أناس بالإسلام وتصدوا له بالحجج الباطلة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ولِفرط تعصُّبهم هذا صَدُّوا نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن دخول مكة عام الحديبية لما خرجوا من المدينة معتمرين؛ وسمى القرآن الكريم موقفهم هذا: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾(الفَتْح:26)؛ أجل، لقد سلكوا طريق التعصب وحالوا دون دخول المسلمين إلى مكة كيلا تُخرق عاداتُهم وتختلّ أعرافٌ ما زالوا يستمسكون بها، ويُجرح غرورهم وكبرياؤهم أمام القبائل العربية الأخرى.

وقد تقع مثل هذه الأحداث في عالمنا اليوم، فمثلًا إذا رغبتم في التعبير عن أنفسكم بخصائصكم التي فرضها الدين واقتضتها قيمُكم السماوية تجدون من يهبّ من فوره ويحاول منعكم في شدة وعنف لا يوصف، بل إن وضعتم خططًا ومشاريع للنهوض ببلادكم والوصول بها إلى مكانة تجعلها عنصرًا من عناصر التوازن الدولي أو إن أجهدتم أنفسكم لتجعلوا بلادكم من أعظم الدول سمعة ورفاهًا وقوةً عارَضكم بعضُ الناس وحاولوا منعكم متذرعين بأن هذا يمسّ عاداتهم وأعرافهم التي اعتادوا عليها، وقالوا للناس: "إنما يسعى هؤلاء للإضرار بقيمكم الذاتية؛ متذرعين بالسعي إلى الرفاه الاقتصادي ورفع مستوى الشعب إلى الذرى"؛ بل إنكم وإن لم تمسوا تابوهاتهم وأيديولوجياتهم فسيعتقدون أن أنشطتكم محاولة لمحوهم من ذاكرة الشعب واقتلاع القيم التي أرسَوها، ولسوف يرون في استحسان الناس لآرائكم وأفكاركم إعراضًا عنهم، والأدهى من ذلك أننا لو فرضنا المستحيل وقلنا إنكم عثرتم على مرقاةٍ تتخذون منها سبلًا إلى الجنة مباشرة لقال بعضهم أيضًا: "إن ما يقوم به هؤلاء محاولة للقضاء على أيديولوجيتنا"؛ ومردُّ كل هذه التصرفات والأفعال إلى تعصبٍ مقيت تغذيّه حمية الجاهلية.

مرضٌ مرعب يسري في كل مكان

كما يمكن أن تظهر هذه العادة الجاهلية في بلدنا قد تظهر في بلدان أخرى، ولك أن تقول: إن التعصب لا أرض له ولا وطن، فقد يُصاب كل الناس بهذه الصفة المذمومة على اختلاف أفكارهم ومناهجهم، بل قد يظهر أثر هذا التعصب على من يراه الناس متديِّنًا أيضًا؛ إذ بعضهم قد لا يهمه إرضاء الله تعالى، بل يتناول كل أمر في ميزان مشربه ومسلكه الضيق مستندًا إلى معلومات أولية لديه، فيتخذ في كثير من المسائل الفرعية موقفًا فيه شدّة وقسوة وتعصب.

وما العمليات الانتحارية التي ترتكب باسم الدين في وقتنا الراهن إلا نتيجة لمثل هذا التعصب الأعمى؛ هذا إن فعل المنتحرون ذلك بمحض إرادتهم ولم يتعاطوا دواء أو ينوَّموا مغناطيسيًّا، ولم يُتحكم بعقولهم، أو تشل إرادتهم، ولم يُعاملوا معاملة الإنسان الآلي.

أجل، إنه مرضٌ تضيع معه حياة الناس المعنوية دون وعي إعلاءً لأمرٍ يظنونه حقًّا؛ والحقّ أنّ ذوي الأحزمة الناسفة قَتَلةَ الأبرياء دون فرق بين طفل أو شيخ أو امرأة يستحقون بعملهم هذا الترديَ في النيران لا التنعم في الجنان، فما أفجعها من عاقبة أن يتردَّى امرؤ في نار جهنم وكان بوسعه أن يسير في طريق الجنة ويرشد الآخرين إليه!

الثبات على الحق أو الصلابة في الدين

لا ينبغي للمؤمن أن يتعصّب؛ لأن المؤمن لا يحيد عن الحق، ورسالته هي إقامة الحق وإعلاؤه، فلا يمكن أن نتصور إنسانًا يعشق الحق، ومع ذلك يصدّ عن سبيله ويقاومه ويتجاهله؛ فإن فعل فقد أساء الأدب مع الحق، فالتعصب ليس من شأن المؤمن، بل الصلابة في الدين.

والصلابة هي الجدّ والحزم في الأمر، والثبات والتمكّن، والعزم على الاستقامة في الأقوال والأفعال والأحوال، أمّا العنف والقسوة والتعصب فليس من الصلابة في الدين في شيء.

الصلابة في الدين هي صدق وعزم جازم على تطبيق كلّ ما شرعه الدين الحنيف مهما تغيرت الظروف والأحوال، أي هي أن ينشد الإنسان رضا الله تعالى في تصرفاته وأفعاله كلّها حتى وإن انقلب العالم وتغيّر الناس بأن أقبلوا على مباهج الدنيا الفاتنة، وأن يعمد إلى تطبيق أوامر الدين بلا تراخٍ، وأن يحافظ على الهوية أيًّا كانت الظروف والعوامل.

وبلوغ مرتبة الصلابة في الدين يقتضي أن يَجِدَّ المرءُ ليخرج من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي، وأن يسعى دومًا إلى التعمق في الحقائق الإيمانية، وأن يعرض كل مسألة على العقل والمنطق ليؤسسها على قاعدة "العلم".

فليلزم طالب العرفان التوكُّل على الله في كل حادث ألمّ به، وليستمسك بالتقوى، وليرعَ الأسباب، وليَخْطُ بحذر، فلا ينخدع، ولا تسُقه العواطف مطلقًا؛ لأن دائرة المعرفة الإلهية والمحبة الإلهية والعشق والاشتياق التي ارتسمت في روحه لها مركز يهديه الطريق في كل أمر؛ لذا فإن المقلّدين في تصرفاتهم وأفعالهم الذين تقوم حياتهم على النُّقول، هم من يتبدى لديهم التعصب.

أجل، إذا رغب المؤمن أن تَمضي حياته ضمن إطار الصلابة في الدين دون تردٍّ في وديان التعصب فليعرف وليستوعب جيدًا المقاصد الكليّة للكتاب والسنة بداية، وليقوِّم معارفه كلّها في ميزان هذين المصدرين الأساسيين، وليقارن ما فهمه من الكتاب والسنة بالاستنباطات والاجتهادات الصافية للسلف الصالح، أي فلينظر بعين الاعتبار إلى القدر المتفق عليه من تراث فحول العلماء وهو ما يمكن أن نسميه "الإجماع الضمني"؛ فإذا تحقّقَ هذا كله فليتضرع وليلتجئ إلى الله في كل خيار وقرارٍ قائلًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾(آلِ عِمْرَان:8).

ويُحمد من الصلابة قدر ما يذم من التعصب؛ لأن الصلابة في الدين هي استقامة المرء في تطبيق دينه، وجَلَدُه فيه، وتمكنُه ورسوخه فيه رسوخ الجبال؛ ومن العسير أن يَثبُت المتعصب في مكانه أو تَرسَخ قدمه حيث هو كما كان الأمر لدى ذي الصلابة في الدين؛ لأن حركة المتعصب وفق هواه ومشاعره، لا في ضوء العقل والمنطق؛ ومن يتعصب لأيدولوجيةٍ اليوم قد يأتي يوم يتعصب لأيدولوجية أخرى؛ من ذلك أن منهم من كان في فترة ما متعصبًا لأيدولوجيةٍ تَعدّ المادة والشهوة كلَّ شيء، وفي فترة أخرى نجده قد تأثر بالفلسفة الروحانية وشرع يسوِّق لها؛ أمّا المؤمن فمن شيمه أن يحافظ على القيم الأُمّ ويستمسك بها حيثما كان وفي أي وقت كان، في عصر السعادة أو في غيره من العصور.

أما مسألة تلبية الحاجات الناجمة عن تغير الأحوال والأزمان وما يلزم لذلك من اجتهاد واستنباط فهي أمر آخر لا يتعارض مع الصلابة في الدين؛ بل إنّ تغيّر الأحكام بتغيرّ الأحوال والأزمان مع الوقوف عند الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح يعني التطور نحو الكمال، والقرآن يثبت أن لأهل العلم الاستنباط: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(النِّسَاء:83).

ولا ريب أن هذا التطور مغايرٌ تمامًا للخروج عن الهويّة، والأخذِ بالنظريات المستحدثة من أجل التودد للآخرين، والتعصبِ لأمرٍ دون النظر إلى معقوليته من عدمها؛ بل إن هذا التطور مؤشرٌ على عالمية الإسلام وشموله؛ إذ إن معناه وضع أحكام لأمورٍ لا تتناهى عن طريق نصوصٍ متناهية.

[1] سنن أبي داود، الأدب، 111.