طباعة

في رحاب "المثنوي العربي النوري"

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في مقدمات

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إنني سعيد جدا لإتاحة الفرصة لي لكتابة كلمةِ تعريف لـ"المثنوي العربي النوري" لـ"بديع الزمان سعيد النورسي". فمن الواجب دراسة هذه الشخصية السامقة دراسة جدية وواسعة، وتعريفُها وتقديمها إلى الإنسانية جمعاء. ذلك لأن "بديع الزمان سعيد النورسي" يقف في مقدمةِ صفوفِ مفكري هذا القرن من الذين قدموا -وبشكل مؤثر ونقي ودون شوائب- العقيدةَ التي يعتنقها العالم الإسلامي، وحياتَه الروحية العريضة، ومعاييرَه المعنوية الواسعة. ونحن لا نعتقد بأننا نستطيع فهمه أو فهم أفكاره إن اقتربنا منه ومن أفكاره بشكل عاطفي، فمثل هذا الأسلوب لن يكون أسلوبا جديا في فهم المسائل التي طرحها والتي دافع عنها طوال حياته دفاعَ الأبطال، فقد كان طوال حياته إنسانا يعيش تحت ظل الكتاب والسنة ويحلق بأجنحة المنطق والتجربة، ومع عمق عالمه العاطفي، وقلبه المشبوب بالعشق الإلهي فقد ظلَّ على الدوام رجلَ عقلٍ ومنطق.

لقد قيل وكُتب الشيء الكثير حتى الآن عن سمو أفكاره وعن فهمه لطبيعة عصره، وبساطته، وروحه الإنسانية الواسعة، وعن وفائه وارتباطه بأصدقائه، وعن عفته وتواضعه وزهده واستغنائه عن الجميع. ويمكننا أن نقول بأن كل وصف من هذه الأوصاف المذكورة أعلاه يمكن أن يكون موضوعَ كتاب مستقل، وهي أوصاف طالما اهتم بها في كتبه وأكد عليها. ثم إن هناك العديد من الشهود الأحياء، وهم طلابه الذين سعدوا بالعيش بقربه وتعرفوا على عمق عالمه الروحي وسعته.

ومع أن مظهره الخارجي كان متواضعا جدا في غاية البساطة إلا أنه كان صاحب تفكير عميق، وصاحب حركة نشِطة وقوية قلَّ نظيرها؛ فقد قام باحتضان الإنسانية كلها متناولا مشاكلَها الحيوية، ومتحديا الكفرَ والضلال، ومُعلنا الحرب على الاستبداد وعلى الدكتاتورية، مسترخصا روحَه في سبيل وفائه وخلقه الشجاع، وكان استقبالُه الموتَ ببشاشة وبابتسام سلوكا اعتياديا عنده.

وبجانب مشاعره الإنسانية الغنية فقد بقي في دعوته مرتبطا بالكتاب والسنة، مع الأخذ برقبة العقل والمنطق. لذا فقد تجلى في مظهره وسلوكه جانبان:

جانبُ العاطفة المشبوبة إلى درجة الوجد والعشق وصفة الرجولة والشجاعة.. ثم جانبُ رجل الفكر صاحبِ العقلية الفذة الذي يسبق معاصريه بنظراته الثاقبة وبخططه ومشاريعه الكبيرة.

إن فهم "سعيد النورسي" وفهم دعوته من هذه الزاوية يفيدنا في فهم معنى العصر الذي نعيش فيه.

وعلى الرغم من قيام البعض بتناسي هذا، فإن الحقيقة هي أن "سعيد النورسي" عُدّ من أفضل مفكري وكُتَّاب جيله وعصره، واستطاع أن يكون قائدا للجماهير ومتحدثا باسمها، ولكنه لم يُعجب بنفسه، ولم يهتم بالمظاهر، وبَذَل كلَّ جهوده للابتعاد عن الشهرة والصيت، لذا فالقول المأثور عنه: "الشهرة عين الرياء وموت للقلب" ليس إلاّ حكمةً ذهبية واحدة من بين حِكَمه العديدة في هذا الموضوع.

لقد استطاع "سعيد النورسي" أن يكون-مع بضعة آخرين- في رأس قائمة الكُـتَّاب والمفكرين في طول العالم الإسلامي وعرضه في القرن العشرين، وأن تكون كتبه مقروءة بشوق وبحب من قبل مختلف المستويات، وأن يكون من الشخصيات التاريخية التي لا تبلى مع الزمن ولا تُنسى مع الأيام.

إن جميعَ كتب "بديع الزمان" ومؤلفاته محصولٌ لجهد فكري كبير في تفسيرِ وتناول بعض الأمور -القابلة للتأويل- من زاوية العصر الذي ولد فيه. وتستطيع أن تقرأ وتسمع في كتبه صرخات ألم الأناضول والعالم الإسلامي وأنينهما، وكذلك أصواتَ البشائر وزغاريد أمل الأناضول والعالم الإسلامي.. صحيح أنه ولد في قرية نائية من قرى إحدى الولايات الشرقية في تركيا إلاّ أنه أحس دائما أنه ابن الأناضول، وأحس بنبض مشاعرنا كابن مرموق من أبناء إسطنبول، ولكنه في جميع الأحوال كان يضم البلادَ كلها إلى صدره بكل حنان وعطف ومحبة.

عاش "بديع الزمان" في فترة عاصفة سادت فيها الفلسفة المادية، وانتشرت فيها الشيوعية انتشار النار في الهشيم.. فترةٍ ادلهمت فيها الخطوب وحَلَكَ فيها الظلام.. في هذه الفترة العصيبة قام "بديع الزمان" -بكتبه ومؤلفاته- بنفخ روحِ الأمل والإيمان في إنسانِ عصرنا المضطرب، وبإرشاده إلى طرق الإيمان والأمل. ونَفَخ في الجماهير في كل مكان زاره روحَ البعث بعد الموت والحركةِ بعد الجمود.

لقد رأى بثاقب بصره أن أهم مشكلة يجب تناولها وحلّها هي مشكلة الفوضى النابعة من الكفر والإلحاد، لذا قضى حياتَه كلَّها وهو يؤكد لإنسان عصرنا ضرورة معالجة هذا الداء، وصَرَف جهدا يفوق طاقةَ البشر في هذا الخصوص، فقد كان على وعي كامل بالمسؤولية الملقاة على عاتقه في هذا العالم الذي وجده يتلوّى أمامه من آلام الأزمات الخانقة والمشاكل المزمنة.. وعندما تصدى لحمل هذا العبء الذي تُشفق الجبالُ من حمله، تصدى لذلك بكل تواضع وحياء، ولكن بكل ثقة وبكل اطمئنان أيضا بقدرة الله المطلقة وغناه اللامحدود.

أجل، لقد عاش في الوقت الذي أصبح فيه العلمُ والفلسفةُ أداةً لدفع الناس نحو الإلحاد، وفي الوقت الذي تم فيه غسلُ الأدمغة بالشيوعية، والذي كان يُنفى فيه ويُهجَّر من يرفع صوتَه ضد هذه السلبيات من مدينة لمدينة ومن بلدة إلى أخرى، إذ عاش الوطنُ فترةَ تهجيرٍ مُخجِلة. والأغربُ من هذا أن كل هذه العمليات كانت تَحدُث باسم المدنية والمعاصَرة.

في أثناء تلك الأيام السوداء التي انقلبت فيها المفاهيم حتى أصبحت الحركة الفوضوية حركة واسعة منتشرة تحمل سحرا وجاذبية.. في تلك الأيام انتصب "بديع الزمان" أمامنا يسلط الضوء على دخائل أنفسنا وكأنه طبيب حاذق.. يُرينا سجون أنفسنا.. وأغلال أرواحنا.. جرائمَنا وجناياتنا.. قيامَنا بأسر أنفسنا بأنفسنا.. يُسلط الضوء على الجوانب الإنسانية الهامدة في أعماق أرواحنا وفي عوالم ضمائرنا.. فأثار في قلوبنا الشوق إلى السمو، وبَعَث فيها نبض الحياة ودفق الأمل.. وأوضح أمام جميع الأنظار أن في أعماقنا علاقةَ وصلةً مع العوالم الأخرى وارتباطا بها، ووهَب لنا كل ثمرات المدارس والتكايا والزوايا وحلقات العلم والدراسة.

أجل، ففي عهد كانت الأمة فيه تتقلب ألما من السقوط ومن الضحالة الفكرية، والتي أصبحت فيه الآلام الاجتماعية عُقدة مستعصية، وظهرت كلَّ يوم مئاتٌ من الحوادث المفزعة في كل ناحية من أنحاء البلاد، وتهدمت كل المعايير والمفاهيم الإسلامية والملية، وأصبحت أنقاضا فوق أنقاض.. في مثل هذا العهد المظلم العاصف كان "بديع الزمان" يفكر ويبحث عن الحلول، ويشخّص الأمراض ثم يكتب الوصفات لها كأي طبيب حاذق. لقد رأى الأجيال البائسة وهي تئن تحت ثقل البلايا الهائلة التي أفرزتها الأعوام الطويلة المظلمة، وكيف أنها تاهت وضلت سبيلها في أودية الضلالة ودروب الإلحاد. وكيف أنها كلما أرادت الخلاص والنجاة انغرست في أزمات أسوأ وغرقت في مشاكلَ أفظع.. رأى هذا وأحس بآلام هذه الأجيال في أعماق روحه، فعاش حياته وهو في انفعالٍ وفورانٍ روحيّ، يفكر ويبحث على الدوام ليقدم حُلولا بديلةً للدولة وللمجتمع، وينبه هذه الأمة البائسة ويذكّرها أنها وإن كانت الآن تعيسةَ الحظِّ إلاّ أنها أمة عريقة في المجد وغنية بالبطولات.

قام "بديع الزمان" منذ عهد الدولة العثمانية بالتجوال في معظم أرجاء البلاد؛ من مدنها الكبيرة إلى قراها الصغيرة.. ومن المناطق المزدحمة بالسكان إلى المناطق النائية.. رأى الجهل ضاربا أطنابه في كل مكان، ورأى الناس يتجرعون آلام الفقر.. رآهم شيعا وأحزابا يأكل بعضهم بعضا.. ارتعش فزعا مما رآه، ولأنه كان رجلَ فكرٍ ونظرٍ ثاقب أدرك طبيعة عصره وفهِمها بعمق، لذا حاول أن يبث في الجماهير آنذاك روحَ العلم، واهتم بأسباب المشاكل الاقتصادية وعوامل الفقر والحاجة، وبَحَث عن حلولٍ لأسبابِ فرقة أُمتنا وعن علاج لخلافاتها، وأكد دائما على ضرورة الوحدة والاتفاق، وكان مع هذه الأمة على الدوام، ولم يدَعْها وحيدة في تلك الأيام العصيبة لحظة واحدة. وفي كل مكان وطئته قدماه كان يهتف بملء فيه: "إن لم تُعالَج الآنَ هذه المشاكلُ المتداخلة بعضُها في البعض الآخر، وإن لم تُضمد هذه الجروح بأيدٍ متخصصة ماهرة، فإن أمراضنا ستزمن وتستعصي على العلاج، لذا لابد من تشخيصِ كلِّ مشاكلنا العلمية والاجتماعية والإدارية، وتحليل كل عللنا المادية والمعنوية لوصف العلاج الشافي لها، إذ لابد من إيقاف هذه المشاكل وإنهاء هذه العلل التي تقوّض بنيتنا وتهدد بقاءنا وتهز قواعدَ وأسسَ وجودنا".

كان "بديع الزمان" يرى أن منبع جميع الشرور والسيئات آنذاك -كما هي الآن- هو الجهل والفقر والتشتت والاختلاف. أجل، لقد كان الجهل هو العامل الأول في الضائقات الاجتماعية والدافعَ الأول لبؤس الأمة. ونعني بالجهل هنا الجهل بالله وعدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم المبالاة بالدين وعدم مشاهدة قوانا المادية والمعنوية والتاريخية.. مثل هذا الجهل كان من أكبر المصائب والبلايا المسلطة على رؤوسنا، لذا صرف "بديع الزمان" عمره في محاربة هذه الجرثومة القاتلة، إذ رأى أنه ما لم تجهز الجماهير بالعلم والمعرفة، وما لم يتعود المجتمع على التفكير المنظم، وما لم تُجابَه تيارات الأفكار المنحرفة، فمن العبث الأمل في خلاص هذه الأمة.

أجل، أليس الجهل هو السببَ في انفصام الكون عن القرآن وانفصام القرآن عن الكون؟.. انفصما فأصبح أحدهما يتيما في سجون الأرواح المتعصبة التي لا تفهم أسرار الوجود ولا تدرك سر الأشياء والحوادث، وتحول الآخرُ إلى حالة فوضى في يد أجهل الجهال الذين يبحثون عن كل شيء في المادة ولا يرون غيرها، وانطمست أعينهم وعميت عن رؤية المعاني.. ثم ألم يكن الجهل هو السبب في انسحاق هذه الأمة تحت وطأة الفقر والحاجة على الرغم من أراضيها الخصبة وأنهارها الفياضة وسهولها ومراعيها؟ أليس الجهل هو الذي جعلنا فقراء معدمين ومديونين بديون قاصمة للظهر مع وجود كل هذه المعادن النفيسة غير المستغَلة تحت الأرض في كل أرجاء بلادنا، ومع وجود كل أسباب الغنى والثروة سواءٌ منها ما تحت الأرض أو الموجودة منها فوق سطحها؟

أجل، فمنذ أعوام طويلة كانت هذه المصيبة التي أذلت أُمتنا هي السبب في أن عمالنا وفلاحينا -على الرغم من بذلهم كل طاقاتهم- لا يحصلون على المقابل الحقيقي لجهودهم ولا على بركة هذا الشيء القليل في أيديهم، وتمضي حياتهم في ضنك وفي ضيق، ولا يعرفون طعما للسعادة.

وكان من نتيجة هذا الجهل، وكذلك من نتيجة الفرقة -النابعة أيضا من الجهل- أننا ابتُلينا في أطراف عديدة من هذه الدنيا بصنوف من الظلم والذل والهوان والعلل، فسالت الدماء واغتُصبت الأعراض، ومع ذلك فقد فشلنا -في هذه الدنيا التي تتقلب فيها أوضاع التوازن الدولي- أن نخلص أنفسنا من قبضة الخلاف والانقسام والتشتت لكي نوقف هذه المآسي والفواجع، ولا نستطيعُ مدّ يد العون إلى العالم الإسلامي، ولا نستطيع الارتقاء إلى مستوى العصر في حل مشاكله المستمرة في التفاقم، والتي تجرّه إلى مهاوٍ خطرة ومزالق رهيبة. وبينما تتلوى الأمة جميعها في شِباك هذه الأمراض والعلل المهلكة، نرى أن قسما من الذين سكرت وثملت أرواحهم وانبهرت أبصارهم بتقدم الغرب المادي الظاهري -بدلا من مَلء أدمغتهم بالعلوم وقلوبِهم بالحقائق الدينية للوصول إلى الغنى المادي والمعنوي- فضلوا التعامي عن كل قيمنا الدينية والملية الحيوية التي هي مصادر قوتنا وعواملُ منعتنا وتناسوها، وفضّلوا السير في طريق التقليد الأعمى الذي يسلب الشعب وجماهيرَ الأمة كلَّ سجية دينية أو ملية، وكلَّ وعي بالتاريخ وكل فضيلة وميزة أخلاقية. وفي نظري أن هذا الطريق الذي سُلك بهدف إنقاذ الأمة كان طريقا خاطئا وضارا، وفَتَح في صدر الأمة وروحها جروحا لا تلتئم.

ففي الحالة الأولى عاش إنسانُنا لسنوات طويلة في كابوس مرعب، وفي الحالة الثانية خسِرْنا كل فضائلنا الملية وأصالتِنا الروحية ومصادر قوّتنا الدافعة.

تصدى "بديع الزمان" منذ بداية حياته وحتى انتقاله في مدينة "أُورْفَة" إلى الرفيق الأعلى لكلا هذين الفريقين ولطرق سلوكهم ومعالجتهم للأمور، ولكل النتائج الوخيمة التي أفرزتها طرق المعالجة الخاطئة هذه، وفَتَح بمبضع الطبيب الجرّاح قيحَ وصديدَ قرنٍ كامل، وشخّص المصائب والبلايا التي أنتجها هذا القيح وهذا الصديد، ثم أشار إلى الدواء الناجع والعلاج الشافي لينقذ إنسان هذه الأمة من السقوط والضياع. لقد ظل "بديع الزمان" أمينا طوال حياته لمبادئه هذه التي كَرَّر بكل إخلاص وتفانٍ ووفاءٍ ذكرَها وتقديمَها على الدوام.

إنَّ إدخال أفكار جديدة وترسيخَها في ذاكرة المجتمع وفي فكرها أمر شاق ومهمة صعبة كصعوبة قلع الأفكار والمبادئ والقيم المتوارثة -صحيحة كانت أم خاطئة- من الماضي، التي ترسخت في داخل المجتمع حتى أصبحت تجري في عروقه مجرى الدم. ولا شك أن الجماهير بقيت تحت تأثيرِ مثلِ هذه الأفكار المنتقلة إليها من الماضي -سواءٌ أكانت هذه الأفكار صالحة أم طالحة- حيث أدّت هذه الأفكار والآراء دورا مهما في تشكيل حياتها الاجتماعية والفردية وتوجيهِها، وأصبحت هذه الجماهير تشعر بالنفور من كل فكر لا يتماشى مع هذه الأفكار المعتادة ولا يتلاءم مع المشاعر والعواطف العامة، وتحاول الابتعاد عنها. إنَّ مثل هذا الشعور ومثل هذا التصرف يكون خاطئا في بعض الأحيان. ذلك لأنه في حالةِ تَبَنِّي الجماهير لأفكار خاطئة وعادات سيئة وتقاليد ضارة وتجذُّرِ هذه الأفكار والعادات والتقاليد في بنيتها وتسللها إلى مختلف جوانب حياتها فإن من الضروري التصدي لهذه الأفكار المنحرفة والقناعات الخاطئة ومحاربتُها وتصفيتها من الأذهان وتخلية القلوب منها وتحليتها بالخصال الحميدة لكي تستطيع الأمة السير بأمان وثقة نحو المستقبل.

لقد حمل "بديع الزمان" هذه الأفكار منذ شبابه المبكر. وعدَّ إخفاءَ أيِّ حقيقة في هذا الموضوع -مهما كانت صغيرة أو جزئية- خيانةً لأُمته ولأبناء أُمته. لذا وقف أمام كل الأفكار وكل القرارات الخاطئة رافعا يديه إلى أعلى مشيرا بهما إشارةَ التحذيرِ وهاتفا بكل قوته: "احذروا! هذا طريق مسدود".

كانت فطرته حساسة جدا ضد ما يناقض القيم الدينية، مع نظرة بعيدة المدى وهمّة عالية لا توجد إلاّ عند أولي العزم من الرجال. فصاحبُ قلبٍ شجاعٍ مثله ما كان ليستطيع ألاّ يحرك ساكنا وهو يشاهد اضمحلال أُمة عريقة مجيدة وذوبانَها، لذا لم يدّخر وسعا في توجيه الأنظار إلى عيوبنا كأمة وإلى أعمق أسباب الهلاك والاضمحلال وأدقها، لتقُوم الأمة بمحاسبة نفسها ومحاكمةِ ذاتها. لقد ذكّرها مرارا وتكرارا بعوامل الانقراض والفناء، وقدم إليها وصفات النجاة والخلاص دون أن يُخفي عنها أَمَرَّ الحقائق وأكثرها إيلاما للنفس، ودون أن يتردد في هذا أيّ تردد، لذا فقد واجه القناعات الخاطئة والأفكار المتعفنة، وناضل طوال حياته ضد كل الموانع التي تمنع انتشار أنوار الحقيقة.

في تلك الأيام الحالكة السواد التي لم يكن هناك من يتجرأ على التفوه بأي شيء حول الحقائق الدينية، قام هو بإيقاظ الجماهير التي أُريدَ تخديرها وتنويمها، فأَعلنَ الحرب على الجهل والفقر والفرقة، وهزَّ أركان الأوهام الكثيرة المختلفة التي أحاطت بالمجتمع، فكما أعلن حربا ضروسة ضد الإلحاد وإنكار الخالق، فقد أغرق الأباطيل والخرافات في تناقضاتها وسدَّ الأبواب أمامها. وبشجاعة منقطعة النظير قام بتشريح مشاكلنا وعِلَلِنَا المزمنةِ منذ عدة عصور، وقَدَّم طرق علاجها والشفاء منها.

ولقد قام بعملية كيٍّ للرياء وللمظاهر الكاذبة المستشرية عندنا منذ ما يقارب مئتي سنة، ذلك لأن "آخر الدواء الكيّ". وذكر أمورا جديدة وجدت صداها في النفوس بدءا من رجال قصر السلطان وانتهاءً إلى رؤساء العشائر في الولايات الشرقية، ومن منتسبي المشيخة الإسلامية إلى رئاسة أركانِ حربِ القوات المسلحة، فجَمَع أنظار جميع طبقات الشعب إليه. ومع أنه كان يتجنب الظهور والشهرة بطبيعته، إلاّ أن طبيعة الأمور كانت تؤدي إلى هذه النتيجة.

نبّه "بديع الزمان" جميع مستويات الشعب وطبقاته بأن عليها أولا كسْرَ أغلالِ روحِها قبل أن تجرّد السيفَ من الغمد للجهاد، وبَشَّر الشباب ببعث جديد للحياة فدلّهم على الطرق المؤدية إلى لفكر الإسلامي. ومما لاشك فيه أنه كان يخشى من تمزق الوطن من الناحية الجغرافية وانقسامِه وتقلصِه خشيةً شديدة، ولكنه كان يخشى أكثرَ من العوامل التي تودي إلى هذه النتيجة المفجعة، بضمور الأفكار وسفالة الروح والتقليد الأعمى للغرب.

دعا "بديع الزمان" إلى القراءة والمطالعة والتفكر، وإلى السعي والحركة لينقذ أفراد الأمة من ضنك العزلة، وليشكل مجتمعا سليما معافىً، وأمة متينةَ البنيةِ، وأكد على التعليم الذي رآه ضرورة قصوى لرفع الوطن والإنسانِ إلى الذروة التي أشار إليها.. فدعا إلى طبع الكتب ونشرها، وإلى نشر المعارف بكل أشكالها في كل مكان، وإلى نشر التعليم والتربية، إذ كان يرى اشتراك المساجد والمدارس الدينية ومعسكرات الجنود والسجون وكافة مرافق المجتمع في تعبئة عامة للتعليم، فبالمعارف وحدها يمكن تحقيق الوحدة العقلية والفكرية، إذ كان يرى أن العقول إن لم تتآلف مع بعضها أولا فلا يمكنها أن تقطع معا شوطا كبيرا في الطريق. ويجب أن تتحد الضمائر والمشاعر أولا لكي تتحد القلوب والأيدي فيما بعد. والطريق إلى مثل هذه الوحدة يكون بتناول الحياة حسب مبادئ الدين وقيمه، وحسب الكتاب والسنة وطريق السلف الصالح واجتهادهم، على أن تفسَّر الأمورُ الجديدة والمستحدثة حسب إدراك العصر وضرورته.

أجل، لابد أن يتعرف الإنسان على ما جلبه العصر من المعاني والتفسيرات، وأن يتواءم معها. فإن انزوينا وتقوقعنا على أنفسنا في الوقت الذي تنطلق فيه الدنيا في طريقها وفي سبيلها فإن هذا يعني الموت بالنسبة إلينا. فمن أراد عيش الحياة الحالية فإن عليه أن يجد الطريقة التي يستطيع بها تأسيس التناغم والملائمة بين شلالات الحياة المنطلقة وبين إرادته وسعيه. وإلاّ فإن مقاومة تيار الكون العام لا يؤدي إلاّ إلى تلف المقاوم وفنائه.

لو أن "بديع الزمان" حظي بدعم بضع مئات من المثقفين وهو ينشر رسائله في أرجاء البلاد، ووجد منهم سندا لأفكاره فلربما كنا من أغنى الأمم وأكثرها مدنية، ومن أقدرها على حلِّ المشاكل التي تعرض لها، -ولكنا دخلنا المرحلة الحالية منذ ذلك الوقت، أي منذ بداية القرن العشرين- ولَمَا جابهتْنا المشاكلُ الحالية العديدة. ومع كل هذا فنحن نحمل أملا كبيرا، لأننا نرى أن الذين ينظرون إلى أُمتنا وكأنها فَقدت كل جذورها المعنوية هم على خطأ كبير..صحيح أننا تأخرنا مثل غيرنا من الأمم الأخرى وضعُفنا، فليس في وسع أحد إنكار هذا، ولكن ليس في وسع أحد أيضا أن ينفي قدرتنا على النهوض ومتابعةِ التقدم مرة ثانية، فلقد بدت أنوار اليقظة والانتباه تلتمع في أرواحنا كأمة بدلا من روح الكسل والخمود، إذ بدأ دفء الحياة ونبض النشاط والحيوية يتسلل إلى أرواحنا التي كانت قد ضعفت نتيجة الميل إلى الكسل والإخلاد إلى الأرض، إذن فلا شك أن أيام الربيع المشرقة الخضراء، على الأبواب. غير أننا في انتظارِ أبطالٍ من أمثال "الخضر" ليفرش سجادة الصلاة على سفوحنا، وأمثال "إلياس" لينشر شراعه نحو الآفاق البعيدة دون خوف أو وجل.. كان "بديع الزمان" معْلَما في هذا الأمر.

يقال "إن العبقري لا يختار" فهو لا يقول: "سأعمل هذا ولا أعمل ذاك" ولا يُصدِر حكما: "لنعملْ هذا لأنه مفيد ولا نعمل ذاك لأنه ضار"، ذلك لأن الشخص العبقري يملك موهبة إلهية، وقوةً دافعة ذاتية (لدنية) وشوقا يستطيع بها معرفة كل الحاجات الظاهرة أو الباطنة، الروحية منها والاجتماعية، وأن يحتضنها، ويتصدى بقوة وطاقة متعددةِ الأوجهِ التي خزنها في روحه لحمل عبء وظائفَ عديدة، فهو بهذه الأوصاف شخص خارق بطبيعته وفطرته.. والذين دققوا شخصية "بديع الزمان" والكتبَ التي تركها وراءه يرون اجتماع جميع عناصر العبقرية وصفاتها فيه، فهو اعتبارا من سنوات شبابه التي قدم فيها للناس حوله كتبَه الأولى التي تعد من أُولى علامات عبقريته، ووصولا إلى كتبِ مرحلة النضوج والتكامل والتي قضاها في المحاكم والسجون والمنفى.. في كل هذه الكتب نرى أنه حافَظ على مستوى القمة والذروة، وتحدّث دائما حديثَ شخصٍ عبقري ذي قابليات غير اعتيادية.

كان كتاب "المثنوي" من أوائل كتبه؛ لذا نجد وجود جذور أفكاره هنا، فكل فكرة في هذا الكتاب -التي كانت مثل جنين أو برعم أو نبتة صغيرة أو كقطرة من قطرات فكره النير- أصبحت فيما بعد نهرا متدفقا وشلالا هادرا أو بستانا عبِقَ الأرجاءِ بالورود أو كغابة سامقة الأشجار ملتفة الأغصان والأوراق، حرّكت الجوانبَ الإيمانية والفكرية والمشاعر الرقيقة لأصدقائه وأثارتها، وقذفت في قلوب أعدائه الرعب والفزع.

من أوائل أنفاسه التي نفخها في أرواحنا فأثارتها، وإلى قلوبنا فرسمت فيها معاني جديدة ملونة وبراقة وحفرت فيها خطوطا مضيئة، نقدم بعض الأمثلة بمثابة قطرة من بحر أو لمعة من شمس أو مسحة من عالم الوجود انعكست في مشاعرنا ووجدت هناك صداها:

إنَّ أكبر حقيقة في الدنيا، في رأي "بديع الزمان" -وفي رأي كل المفكرين المسلمين- هي حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد. فالوجود كله -في منظومة تفكير "بديع الزمان"- ليس إلا مثل آلة نسيج تنسج حقيقة التوحيد، وتنقش المعاني الإلهية نقشة نقشة وزخرفة زخرفه، وتنسج لوحات بديعة. إن الإحساس بكون هذه الحقيقة ذات ماهية شاملة تستوعب الغاية الإلهية وتتداخل ضمن أدق الفروع وأصغرها، وتفسيرَها حسب المعرفة الإلهية، ليس إلا ظهورا لحقيقة التوحيد، وهو مفهوم التوحيد لدى العامة قبل الدخول في التفاصيل المؤدية إلى اليقين.

أجل، "إنّ التوحيد توحيدان:

الأول: توحيد عامي يقول: "لا شريك له، ليست هذه الكائنات لغيره" فيمكن تداخل الغفلات بل الضلالات في أفكار صاحبه.

والثاني: توحيد حقيقي يقول: "هو الله وحدَه له الملك، وله الكون، له كل شيء". وأصحاب مثل هذا الإيمان يملكون عقيدة راسخة لا تهتز، إذ يرون سِكَّة الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء، ويقرون ختمه على جبين كل شيء.

وقد تناول "بديع الزمان" هذا الموضوع فيما بعدُ بشكل مفصل في"المقام الثاني من الكلمة العشرين"، وقدّمه في قالبٍ وفي شكلِ درسِ توحيدٍ كامل يُشبع حاجة كل إنسان مهما كان مستواه الثقافي والعقلي.

ومن أهم المواضيع التي اهتم بها "بديع الزمان" هو شرْحه كيف أن الإيمان يُعد منشورا يحلل الأبعاد الحقيقية لماهية الوجود والإنسان، فهو يرى أن الكون أصبح بفضل الإيمان كتابا يمكن قراءته ومعرضا يمكن مشاهدته، أما الإنسان فهو لب هذا العالم وجوهره حيث "تحولت حركات الكائنات وتنوعاتها وتغيراتها من العبثية والمُهْمَلِيَّة وملعبة التصادف إلى صيرورتها مكتوبات ربانية وصحائفَ آياتٍ تكوينية ومرايا أسماءٍ إلهية، حتى ترقَّى العالمُ وصار كتابَ الحكمة الصمدانية.. وانظر إلى الإنسان كيف ترقى من حضيض الحيوانية العاجزة الفقيرة الذليلة إلى أوج الخلافة، بقوة ضعفه، وقدرة عجزه، وسَوق فقره، وشوق فاقته، وشوكة عبوديته، وشعلة قلبه، وحشمة إيمان عقله. ثم انظر كيف صارت أسبابُ سقوطه، من العجز والفقر والعقل أسبابَ صعوده".

كما تم شرح هذا الموضوع وتفصيله في النقطة الأولى والثانية في "الكلمة الثالثة والعشرين" من رسائل النور ليناسب فهمَ واستيعابَ كل إنسان في مختلف المستويات.

ويرى "بديع الزمان" أيضا أن المسائل المتعلقة بحقيقة الإيمان وإن بدت مختلفة الواحدة عن الأخرى -إن نظرنا إليها من زوايا مختلفة- إلاّ أنها مرتبطة الواحدة بالأخرى ارتباطا وثيقا وهى بمثابة أوجه متعددة لحقيقة واحدة، يقول:

"اعلم أن بين الإيمان بالله والإيمان بالنبيّ والإيمان بالحشر والتصديق بوجود الكائنات تلازما قطعيا وارتباطا للتلازم في نفس الأمر بين وجوب الألوهية وثبوت الرسالة ووجود الآخرة وشهود الكائنات بدون غفلة".

وفي فترة رسائل النور الخصبة نرى في "المسألة التاسعة للشعاع الحادي عشر" بحثا أصيلا ومهما جدا حول ترابط أركان الإيمان وتلازمها فيما بينها.

من أهم الملاحظات التي قدمها "بديع الزمان" هي أن من يعمل في ساحة الفلسفة والعلوم العقلية دون أن يفتح نوافذ نفسه على عالم الروح والقلب لن يكون إلاّ فيروسا ينقل الأمراض، ولن يكون هو نفسه إلاَّ علامة من علامات المرض والسقم، يقول:

"قد شاهدتُ ازدياد العلم الفلسفي في ازديادِ المرض، كما رأيت ازدياد المرض في ازدياد العلم العقلي. فالأمراض المعنوية توصِلُ إلى علوم عقلية، كما أن العلوم العقلية تولّد أمراضا قلبية".

وإليكم تشخيصا وملاحظة أصيلة وقيّمة أخرى لـ"بديع الزمان"؛ إذ يقول: إن مراعاة الأسباب مع كونها من ضمن مسؤوليات الإنسان إلاَّ أنَّ من الضلالة الواضحة والانحراف البيّن إعطاءَ تأثير حقيقي لها، فبعد مراعاة الأسباب يجب العلم أن النتائج تأتي من قِبَل الله تعالى، يقول:

"إن التعلق بالأسباب سببُ الذلّة والإهانة. ألا ترى أن الكلب قد اشتهر بعَشرِ صفاتٍ حسنة، حتى صارت صداقتهُ ووفاؤه تُضربُ بهما الأمثال؟! فمن شأنه أن يكون بين الناس مباركا. ففضلا من المباركية ينـزل على رأس المسكين من طرف الإنسان ضربةُ الإهانة بالتنجيس؛ مع أن الدجاجة والبقر حتى السنّور، الذين ليس فيهم حسّ شُكْرانٍ وصداقةٍ في مقابلةِ إحسان البشر، يُشرَّفون بين الناس بالمباركية. أقول -بشرط أن لا ينكسر قلب الكلب ولا يصير غيبةً- إن سببه أن الكلب بسبب مرض الحرص اهتم بالسبب الظاهري، بدرجةٍ أغفَلته -بجهةٍ- عن المُنعمِ الحقيقي، فتوهَّم الواسطة مؤثرةً، فذاق جزاءَ غفلته بالتنجيس، فَتَطهّر.. وأكل ضربَ الإهانة كفارةً للغفلة، فانتَبه! أما سائر الحيوانات المباركة فلا يعرفون الوسائط ولا يقيمون لها وزنا، أو يقيمون لها وزنا خفيفا؛ مثلا: إن السنّور يتضرع حتى يأخذ الإحسانَ، فإذا أخذ فكأنه لا يعرفك ولا تعرفه. ولا يحس في نفسه شكرانا لك، بل إنما يشكر المنعم الحقيقي بـ"يا رحيم.. يا رحيم.. يا رحيم.." فقط؛ إذ الفطرة تعرف صانعَها وتعبدهُ شعوريا وغير شعوري.."

ثم نراه يتناول هذا الموضوع من زاوية مختلفة في "الغصن الأول من الكلمة الرابعة والعشرين"، وهو تناوُل لطيف يقدم لأفكارنا وعواطفنا ملاحظات مهمة.

من المواضيع التي وقف عندها الأستاذ بإصرار وباهتمام موضوع اتباع السنة النبوية السَّنِيَّة في جميع مسالك الحياة ومظاهرها، فهو -مَثَله في ذلك مثل جميع علماء أهل السنة والجماعة- يرى في الرسول صلى الله عليه وسلم مرشدا لا يَضِلُّ ولا يُضِلُّ، ويرى في السنة النبوية الطريقَ الوحيد إلى سعادة الدنيا والآخرة، لذا فهو يدعونا على الدوام للتمسك بها والعض عليها بالنواجذ.

أجل، إنَّ كل رحلةِ حياةٍ لم تسترشد بالسنة النبوية تشبه الوقوع في دوامة نهر، فمع أن الشخص الواقع فيها يبدو وكأنه يسبح ويقطع مسافةً، إلاّ أنه في الحقيقة واقع في دوامة مهلكة، يقول:

"اعلم أنى شاهدت في سيري في الظلمات السننَ السَنِيَّة نجوما ومصابيح، كلُّ سُنة وكل حدّ شرعي يتلمع بين ما لا يحصر من الطرق المظلمة المضلة. وبالانحراف عن السنة يصير المرء لعبة الشياطين، ومَركبَ الأوهام، ومعرض الأهوال، ومطية الأثقال -أمثالِ الجبال- التي تحملها السنةُ عنه لو اتبعها.. وشاهدتُ السنن كالحبال المتدلية من السماء؛ من استمسك ولو بجزئي استصعد واستسعد، ورأيت من خالفها واعتمد على العقل الدائر بين الناس، كمَن يريد أن يبلغ أسباب السماوات بالوسائل الأرضية فيتحمق كما تحمّق فرعون بـ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾(غافر:36)."

ومن آرائه الأصيلة فيما يتعلق بعلاقاتنا مع الدنيا وزاوية نظرتنا إليها هي عدم وجود ما يدعو إلى كرهها، بل يقول: إن من الواجب حبها حيث يورد الأسس التي يقيم عليها هذا الحب وهي:

"إن الدنيا لها وجوه ثلاثة:

وجه: ينظر إلى أسماء الله.

ووجه: هو مزرعة الآخرة.. فهذان الوجهان حَسنان.

والوجه الثالث: الدنيا في ذاتها بالمعنى الاسمي، مدار للهوسات الإنسانية ومطالبِ الحياة الفانية."

وبعد صفحاتٍ يتناول هذا الموضوع من زاوية أخرى ويعبر عنه بهذه الكلمات:

"يرجع إلى الحي من ثمرات الحياة وغاياتها بمقدار درجةِ مالكيةِ الحي للحياة وتصرفه الحقيقي فيها. ثم سائر الثمرات والغايات راجعة إلى المحيي جل جلاله بالمَظهرية لتجليات أسمائه، وبإظهار ألوانِ وأنواعِ جلوات رحمته في جنته في الحياة الأخروية التي هي ثمراتُ بذورِ هذه الحياة الدنيوية وهكذا..

إذ كما أن الشخص الموظف بأن يجس ويضع إصبعه -عند اللزوم- على الجهازات التي تتحرك بها السفينة العظيمة للسلطان، لا يرجع إليه من فوائد السفينة إلا بمقدار علاقته وخدمته، أي من الألوف واحد.. كذلك درجة تصرّفِ كل حي في سفينة وجوده، بل هناك يمكن أن يستحق من الألوف واحدا، لكن لا يستحق بالذات هنا من ملايينِ ملايينَ واحدا أيضا.."

ومن آرائه أنه يجب عدم النظر إلى الأشخاص من وراء منظار مكبر؛ أي عدم إعطاء صورة لأي إنسان أكبر من حقيقته، فهذا ظلم أولا، وخطوة أُولى نحو الوثنية ثانيا، والمرء الذي يخطو هذه الخطوة الأولى قد لا يستطيع فيما بعدُ التراجعَ عنها، يقول:

"إن من أشد ظلم البشر إعطاءَ ثمراتِ مساعي الجماعة لشخصٍ، وتوهمَ صدورها منه، فيتولد من هذا الظلم شركٌ خفيٌ؛ إذ توهُّم صدورِ محصّلِ كسبِ الجماعة، وأثَر جُزئهم الاختياري من شخصٍ، لا يمكن إلاّ بتصور ذلك الشخص ذا قدرة خارقة ترقت إلى درجة الإيجاد، وما تولدت آلهة اليونانيين والوثنيين إلاّ من أمثال هذه التصورات الظالمة الشيطانية".

وتشخيص آخر له، إذ يقول: إن عداء الكفار للمسلمين هو من موجبات الكفر، وهذا العداء يرجع إلى عهود ما قبل التاريخ، لذا فليس في الإمكان إرضاء الكفار. أما الاستفادة منهم فمن رابع المستحيلات، فيقول: "إن الكفار لاسيما الأوربائيون ولاسيما شياطين في إنكلترة وأباليس الفرنك، أعداء ألدّاء، وخصماء معاندون أبدا للمسلمين وأهلِ القرآن.. بسرِ أن القرآن حَكَم على مُنكري القرآن والإسلام وعلى آبائهم وأجدادهم بالإعدام الأبدي، فهم محكومون بالإعدام أبدا، والحبس في جهنم سرمدا بنصوص ذلك القرآن الحكيم. فيا أهل القرآن كيف توالون مَن لا يمكن أن يوالوكم أو يحبوكم أبدا؟!".

ثم نراه يبدي لنا في مواضع متفرقة: أن الإيمان منبع ثريّ للطاقة وللقوة، والذي يملك في يده هذا المنبع يستطيع حجز العوالم ويستطيع أن يُسخر كل شيء ويربطه به. ويقول: "أجل، مَن كان لله تعالى كان له كل شيء، ومَن لم يكن له كان عليه كل شيء، والكون له بترك الكل له والإذعانِ بأن الكلّ مالُه.. وهو الذي فطرك بصورةٍ أحاطت بك دوائرُ متداخلة من الحاجات، وجهّزك في أصغرها التي نصف قطرها مدُّ يدك باقتدار واختيار. وجهّزك في البواقي التي وسعت بعضها كما بين الأزل والأبد والفرش والعرش بالدعاء فقط.. وفي التنـزيل: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾(الفرقان:77) فالصبي ينادي أبويه فيما لا تصل يدهُ إليه؛ فالعبد يدعو ربَّه فيما عجز عنه."

إنَّ فخر الكائنات وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم هو أساس الوجود وخلاصته وخميرته، فليس هناك موضع في الكون يخلو من حقيقة نوره. فمثله كمثل بذرةِ شجرة باسقة تضم كل خصائص تلك الشجرة. فنوره أساس للوجود ومرآةُ تجليات الأول والآخر.

أجل، "إنه بينما ترى العالم كتابا كبيرا، ترى نور محمد "عليه الصلاة والسلام" مدادَ قلم الكاتب.. وبينما ترى العالَم يلبس صورةَ الشجرة، ترى نورَه عليه الصلاة والسلام نواتها أولا، وثمرتها ثانيا.. وبينما ترى العالم يلبس جسم الحيوان، ترى نوره عليه الصلاة والسلام روحه.. وبينما ترى العالم تحوّل إنسانا كبيرا، ترى نوره عليه الصلاة والسلام عقله.. وبينما ترى العالم حديقةً مزهرةً، ترى نوره عليه الصلاة والسلام عندليبه.. وبينما ترى العالم قصرا مزينا عاليا ذا سرادقات تتظاهر فيها شعشعة سلطنة سلطان الأزل وخوارق حشمته، ومحاسن تجليات جماله، ونقوش خوارق صنعته، إذن ترى نوره عليه الصلاة والسلام نظّارا يرى لنفسه أولا، ثم ينادي بـ"يا أيها الناس تعالوا إلى هذه المناظر النـزيهة، وحَيهلوا على مالَكُم فيه شيء من المحبة والحيرة والتنـزه والتقدير، والتنور والتفكر وما لا يحد من المطالب العالية". ويريها الناس، ويشاهِد ويشهَد لهم.. يتحير ويُحيِّرهم.. يُحب ويُحبِّبُ مالِكه إليهم.. يستضيئ ويُضيء لهم.. يستفيض ويفيض عليهم.."

ويتناول "الأساسُ الثالث للكلمة الحادية والثلاثين"، وكذلك "الذيلُ الثاني للكلمة العاشرة" هذا الموضوعَ القيم بعمق وبشكل غنيّ وثريّ، ويبسّطه أمام أعينِ وبصائرِ قلوبنا.

والأستاذ "بديع الزمان" يرى أن ماهية طبيعة الإنسان لها وجهان: وجه صنم خادع من جهة، ومنشور حافل بالأسرار يعكس الحقيقة اللانهائية وأثر صانعه وخالقه. أجل، فالذي له استعداد معنوي وقابلية روحية، والذي استطاع أن يمسك بزاوية النظر الصحيحة يدرك أن الإنسان صنعة مزخرفة ومنشور بلوري، وهو كتاب لا يضل قارئه، وخطيب بليغ ومنبعُ نورٍ يضيء ما وراء أستار الأشياء ويكشفها. وهو يسوق ملاحظاته هذه بالكلمات التالية التي تبدو وكأنها أنشودة رائعة:

"إن هذه ثلاثون سنة، لي مجادلة مع طاغوتين وهما: "أنا" في الإنسان، و"الطبيعة" في العالم.

أما هذا، فرأيته مرآةً ظليا حرفيا. لكنْ نظر الإنسانُ إليه نظرا اسميا قصديا بالأصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ.

وأما هذه، فرأيتها صنعة إلهيّة وصبغة رحمانية.. لكنْ نظرَ البشرُ إليها بنظر الغفلة فتحولت لهم "طبيعة" فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفرانَ النِعَم المنجرّ إلى الكفر.

فلله الشكر والحمد، وبتوفيق الأحد الصمد، وبفيض القرآن المجيد أنتجت المجادلةُ قتلَ الطاغوتين وكسْرَ الصنمين."

وفي عهد تكامُل رسائل النور نجد هذا الموضوع الحافل بالأسرار مشروحا بشكل مفصل وواسع وغني في "المقصد الأول من الكلمة الثلاثين"، وكذلك في "اللمعة الثالثة والعشرين"، حيث يهدم أركان فكرة عبادة الطبيعة ويقوضها من أساسها ويقتلعها من جذورها.

في منظومة فكر "بديع الزمان" نجد أن الذنوب والمعاصي عنده بمثابة المرشدين والدالّين على طريق الكفر؛ ففي المواضع التي يكثر فيها هؤلاء يتجه شراع الفكر نحو الفسق وتحيط الأخطار بالإيمان. أجل، "إنَّ في ماهية المعصية -لاسيما إذا استمرت وكثرت- بذرَ الكفر.. إذ المعصية تولد ألفةً معها وابتلاء بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمي نفسها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر إلى إنكار العذاب وردّ دار العقاب".

وفي عهد توسُّع مؤلفاته وتطورها نجد هذا الموضوع في "النكتة الأولى من اللمعة الثانية" حيث يقول بأن المعاصي تشكل مصائد وشباك طريق الكفر.. وهذه ملاحظة أصيلة في الحقيقة.

لقد كان الاشتغالُ بالقرآن الكريم والتعمق في فهمه الشغلَ الشاغل لهذه العقلية النيرة، فاعتبارا من "إشارات الإعجاز" إلى "المثنوي" إلى الكلمات المختلفة في كتابه "الكلمات" ولا سيما "الكلمة الخامسة والعشرون" نراه يتنفس القرآنَ في كل كلمة ويأتي بتفاسير جديدة وأصيلة وعميقة، ثم يَعرض هذه المعاني الإلهية المستنـزلة إلى مستوى المدارك الإنسانية أمام العيون الباحثة والقلوب الظمأى للحقائق، فيثير وجداننا بأفكاره الذهبية التي تعكس ارتفاع هذه المعاني إلى ذروة المدارك الإنسانية يقول:

"إنه (القرآن) جمَع السلاسة الرائقة، والسلامة الفائقة، والتساند المتين، والتناسب الرصين، والتعاون بين الجمل وهيئاتها، والتجاوب بين الآيات ومقاصدها بشهادة علم البيان وعلم المعاني، مع أنه نزل في عشرين سنة منجّما لمواقع الحاجات نزولا متفرقا متقاطعا بتلاؤم كأنه نزل دفعةً.. ولأسبابِ نزولٍ مختلفة متباينة مع كمال التساند، كأن السبب واحدٌ.. وجاء جوابا لأسئلة مكررة متفاوتة، مع نهاية الامتزاج والاتحاد، كأن السؤال واحد.. وجاء بيانا لحادثاتِ أحكامٍ متعددة متغايرة، مع كمال الانتظام كأن الحادثة واحدة.. ونزل متضمنا لتنـزلات إلهية، في أساليبَ تُناسب أفهامَ المخاطبين، لاسيما فهم المنـزَل عليه عليه السلام بحالات في التلقي متنوعة متخالفة، مع غاية التماثل والسلاسة، كأن الحالة واحدة.. وجاء متكلما متوجها إلى أصنافِ مخاطبين متعددة متباعدة، مع سهولة البيان وجزالة النظام ووضوح الإفهام كأن المخاطب واحد، بحيث يظن كلُ صنف كأنه المخاطب بالأصالة.. ونزل مُهديا وموصلا لغايات إرشادية متدرجة متفاوتة، مع كمال الاستقامة والنظام والموازنة كأن المقصد واحد؛ تدور تلك المقاصد والغايات على الأقطاب الأربعة: وهي "التوحيد، والنبوة، والحشر، والعدالة". فبسر امتلائه من التوحيد، الْتأمَ وامتزج وانتظم واتّحد.

ومن كان له عين في بصيرته، يرى في التنـزيل عينا ترى كل الكون، كصحيفة مبصرة واضحة.. وقد جاء مكررا ليقرّر.. ومردّدا ليحقق قصصا وأحكاما. مع أنه لا يُمِلُّ تكرارهُ، ولا يُزيل عَوْدُه ذَوْقَه ولا يُسئِمُ ترداده. كلما كرِّر حقَّق وقرّر، بل ما كررتَه تحلو وتفوحُ أنفاسُ الرحمن منه "إن المسك ما كررتَه يتضوّع". وكلما استعدتَه استَلذْتَه؛ إن كان لك ذوق سليم بقلب غير سقيم. والسر فيه: أنه قُوت وغذاء للقلوب، وقوة وشفاء للأرواح، والقوت لا يُمِلُّ تكرارهُ.. فمألوفُه آنَسُ وألذّ، خلاف التفكّه الذي لذتُه في تجدده، وسآمته في تكرره".

ويصل تحليل هذا الموضوع في "الكلمة الخامسة والعشرين" إلى مرتبةٍ جذابة وساحرة، فما كان هنا قطرة يصبح هناك بحرا واسعا، وما كان هنا نبتة صغيرة يصبح هناك غابة كثيفة.

وبعد هذا التذكير القصير في "المثنوي".. بعد صفحات قليلة فقط نراه يعرض علينا موضوعا قرآنيا غاية في الروعة عرضا موجزا:

"إنك إذا استمعت القرآن فألبس لكلّ نغمةٍ من نغماتهِ المتطوّرة على الحُجُب، والمتنوعة في المراتب الإرشادية، والمنصبغة بحسيات الوسائط، من جبرائيل عليه السلام إلى من تسمع منه، ما يناسبها.. فلك أن تَمُرّ بسمعك من القارئ في مجلسك إلى الاستماع من النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي يقرؤه في ذروة شاهق النبوة في مجلس الأرض على أبنائها من بني آدم وغيرهم. ولك أيضا أن تستمع من جبرائيل وهو يخاطب النبيَّ في الأفق الأعلى عليهما الصلاة والسلام.. ولك أن تستمع من خلفِ سبعين ألفَ حجابٍ من المتكلم الأزلي، وهو يتكلم مع النبي في قاب قوسين أو أدنى. فألبسْ إن استطعتَ لكلٍّ ما يليقُ به!"

وكتاب "المثنوي" يُعد في الحقيقة معرضا لمواضيع واسعة جليلة، وفهرسا لها.. يمكن أن يؤلف حول كل واحد منها كتاب خاص.. هذه المواضيع التي تناولها بالشرح والتفصيل فيما بعد في رسائل النور في مختلف أجزائها.

فما أهمَّ وما أعظم تلك الحقائق التي تناولها تحت عنوان "زهرة" باختصارٍ، وضمَّها فيما بعدُ إلى رسائل النور!

ورسالة "ذرة" تعد مثل نبتة صغيرة للتقوى والعمل الصالح، فهناك يتم استجواب رغباتنا ومشاعرنا الدنيوية، وتُنفخ فكرة التوحيد لأذهاننا ويُعرض الإيمان الشامل المترامي الأطراف أمام الأنظار.

أما رسالة "شمة" فتمس القلوب مثل طيف رقيق، حيث تعرض أمام الأنظار أن غنى الآيات وعمق معانيها لا يمكن مقارنتها بالشعر، وتقف أمام غايات خلق أعضاء الإنسان فيكشف بعض الأستار عن العيون ويزيل الألفة التي تكدر البصائر وتضعفها.

وفي "الرسالة العاشرة" يأخذ بيدنا إلى سفوح معاني القضاء والقدر والعطاء الإلهي ليمس قلوبنا بمعاني الآيات القرآنية وأسرارها، ومن ثم يجد مقدمة لكي يعرض على الباحث عن الحقيقة اليوم طريقا مختلفا لكي يوصله إلى الحق.. يعرض هذا بينما هو يحول أنظارنا إلى أفق عجزنا وفقرنا. وبعد خطوتين فقط وتحت عنوان آخر يسترعي انتباهنا إلى أن الإنسان يختلف في خلقه عن جميع الأحياء الأخرى، حيث يؤكد ويذكّر أنه فهرس للوجود بأجمعه، ومن ثم نراه يعود إلى الأدعية التي تناولها بالتحليل فيما بعد في "كليات رسائل النور" مرات عديدة، فيفرج بين الأبواب السرية لقبول الأدعية والاستجابة لها، فيثير في قلوبنا الرغبة والشوق للمناجاة. وفي موضع آخر نراه يقيم التوازن بين "التحدث بالنعمة" و"الغرور".

وبعنوان "شعلة" نسيح معه في المعاني الواسعة للفظ الجلالة "الله" الذي هو اسم ذات له، فيهز قلوبنا بانفعال معرفةٍ ذاتِ طعم مختلف لم نتذوقها من قبل.

ثم سرعان ما يفتح فقرة حول الأدعية فينبه قُرّاءه بأن إيفاء الوظائف الدينية بهمة عالية يُعَدّ دعاءً فعليا.

ثم يعود فيوجه الأنظار إلى أهمية التربة وكيف أن الدنيا تعد كقلب للعالم. وينهي ملاحظـاته بعد ذلك بشرحِ حديثِ "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

وتحت عنوان "نقطة" يضيف الأستاذ "بديع الزمان" دليل الضمير الإنساني (الوجدان) -الذي يَعده نقطة تماس بين عالم الغيب وعالم الشهادة- إلى الأدلة الرئيسية الثلاثة حول الذات الإلهية التي كثيرا ما وقف عندها في رسائل النور، ففرج بذلك فرجة في بابٍ وقف عنده الكثير من المفكرين وأرباب القلوب من المتصوفة وهم على درب السير في مدارج السلوك.

ويؤكد على استحالة التطور إذ ذكر منذ البداية أن الطفرات لا يمكن أن تفسِّر شيئا ولا أن تكون كافية لأي تطور، وذلك في وقت مبكر وقبل أن ينتبه الكثيرون إلى هذه الحقيقة، وذَكر أن من المستحيل الانتقالَ من نوع إلى نوع آخر في عالم الأحياء. لذا فقد قال بشكل مجمل وبشكل مطلق: "لا، لنظرية التطور"، مستندا في ذلك إلى أساس فكري سليم.

إن جهود الأستاذ المدقق "إحسان قاسم الصالحي" المشكورة في تهيئة الطبعة العربية للمثنوي -مثلما هيأ من قبلُ ترجمةَ كليات رسائل النور- فوق كل تقدير، وهي بلا شك أفضلُ بكثير من مثل هذه المقدمات التي حررناها والتي لا تخلو من العيوب والقصور.

والحقيقة أن الجهود المباركة للأستاذ إحسان قاسم لم تقتصر -كما فعلنا نحن- على جزء من كليات رسائل النور وبشكل مجمل، بل شملت كل رسائل النور.

وكان من المفروض أن تكون كل مسألة من المسائل التي عرضتْها هذه الرسائل موضوعا لرسالة دكتوراه تراعي كل الأسس العلمية الموجودة في المستويات الأكاديمية الغربية. وهذا الأمر مهم من ناحية ظهور القيمة الحقيقية لرسائل النور على المستوى الأكاديمي. وكذلك من ناحية كونها جهودا في مستوى الجهود التي بذلها الأستاذ إحسان قاسم.

صحيح أن العديد من أصدقائنا الشباب قدموا دراسات وأطروحات ماجستير ودكتوراه حول رسائل النور، ولكن لم تكن أيٌّ منها كافية لإعطاء القيمة الحقيقية لذلك العملاق بإبراز مستوى فكره الرفيع.

وكل ما نتمناه هو تأسيس معهد يأخذ على عاتقه القيام بهذه المهمة في أقرب فرصة.

ألف هذا المقال في 1994كمقدة لكتاب "المثنوي العربي النوري" لبديع الزمان سعيد النورسي؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.