طباعة

4- التبليغ يتطلب الاستمرار

كتب بواسطة: فتح الله كولن نشط . شارك في طرق الارشاد في الفكر والحياة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

إن وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتطلب الدوام والثبات. وقد وضحت الآية الكريمة الآتية هذا الأمر بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّـاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(آل عمران: 110) فإذا ما أنعمنا النظر إلى عبارات الآية الكريمة تتوضح أمامنا قرآنية ما ذكرناه من أمور.

إن كلمة ﴿كُنْتُمْ﴾ تعني "أصبحتم" ولا تعني "أنكم سـابقاً كنتم".. فاختيار هذه الكلمة ذو مغزى دقيق. بمعنى أن هناك "كينونة"؛ أي الوجود من بعدُ. بمعنى: أصبحتم هكذا. ولم تكونوا هكذا منـذ الأزل. ومن المعلوم أن الكيفية الحاصلة في الأزل لا تـزول. وإنما الذي يـزول هو ما يحدث ويحصل من أوضاع. بمعنى أن دوام ذلك الوضع و ثباته مشروط بموجودية الظروف التي تُكسِب تلك الحالة.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ أي أصبحتم خير أمـة بين الأمم. فهذا الحدوث، كسبُ حادث عَرَضي، أي أن زواله ممكن أيضاً. لأن الخير ليس نابعاً من ذاتيتنا قطعاً. إذ لا فرق بيننا وبين المولود في موسكو أو في غيرها من الأماكن، فكلنا مخلوقون من قطرة ماء. وليس هناك إلاّ عامل معنوي وتأثير عَرَضي يوجّه كياننا المعنوي وماهيتنا نحو الخير، بحيث يجعلنا نتميز عن الناس الآخرين. والمقصود هنا من "نحن" هو "الأمة" بكاملها. فهذه الأمة ليست خير أمة من الأزل. بل وُضِعَتْ فيها هذه "الخيرية". وليست مما لا تفارقها ولا تنفك عنها. فهناك حالات تحققت من قبلها فأصبحت خير أمة. أي كونها خير أمة لا تعني أنها ستبقى أبداً هكذا. فإن لم تراع هذه الأمة تلك الحالات التي جعلتها خير أمة، ستضيع تلك الخيرية.

فالشرط الأول لتلك الخيرية هي: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنكَرِ﴾ بمعنى أنكم إذا قمتم بالأمـر بالمعروف والنهى عن المنكر فإنكم تصبحون خير أمة. ولكن لنرى المفهوم المخالف للآية الكريمة، وهو: أنكم إن لم تقوموا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تصبحوا شر أمة. ومما يؤيد هذا المعنى أحاديث شريفة كثيرة وروايات متعلقة بالصحابة الكرام. فمثلاً:

إن هذه الأمة التي كانت تتفضل على الآخريـن بتقبيل ركاب أفراسها، ظلت عزيزة الجانب طالما أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر. ولكن بعد ما تخلت عن هذه الوظيفة المقدسة أصبحت ذليلة مهينة تتوسل بتقبيل ركاب الآخرين. ولعل السبب الأسـاس في الذل والهوان الـذي يتجرعه العالم الإسلامي حتى لا يؤبَه له في مختلف المستويات الاجتماعية هو تقصيره في هذه المهمة الحياتية.

نعم، إذا لم توف هذه المهمة الجليلة حقها تنقطع برَكة الوحي. وتصبح الأفكار سائبة عقيمة، والمحاكمات العقلية ضعيفة واهية لا تأثير لها. وكل كلمة تفوه بها تصبح جافة غير مجدية، لا تترك أثراً إلاّ الإبهام الذي فيها، حتى لا تبقى فيها رشحة من حقيقة. وكل هذا علامة انقطاع برَكة الوحي. ومتى ما ينقطع مصدر الإلهام في التفكير والتفكر يبدأ التراجع والتقهقر حتى في ميدان الثقافة والتكنولوجيا.

وقد غدا قدراً مقدوراً لا يتبدل للمسلمين المحرومين من بركة الوحي، احتياجهم إلى غيرهم في كل الميادين والساحات حتى غدوا شحاذين سَألَة في أبواب الآخرين، يرقبون ما في أيديهم. والحقيقة أن بداية التقهقر والانحطاط تتزامن مع انهيارنا الداخلي.

وسنسعى في الفصول القادمة لتوضيح هذه المسألة بأمثلة متنوعة كثيرة. والآن نعود إلى الموضوع لتناول القيود الموجودة في الآية واحداً واحداً:

لقد ذكرنا أن مهمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تقتضي الدوام والثبات كما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَن الْمُنكَرِ﴾ والحديث الشريف يؤيد هذا المعنى: "من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يسـتطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".[1]

والمنكر: هو كل ما يستقبحه الإسـلام، لذا فالمسلم عندما يجابه ما يستقبحه الإسلام فأول ما عليه أن يؤديه هو تغيير ذلك المنكر. أما كيفية التغيير فيختلف حسب وضع المنكر. والمهم في الأمر هو بذل الجهد في التغيير. ذلك لأنه يحتاج إلى الثبات والدوام. والذي يجب على المؤمن في تغييره ذلك المنكر أن يغيّره أولاً بيده، فإن لم يستطع باليد فبلسانه سواءً بالكلام أو بالكتابة. وإن لم يستطع فبقلبه، أي ببغضه ذلك المنكر. وذلك أضعف الإيمان. وليس بعد ذلك من خردل من الإيمان. لأنه يعني الرضا بالمنكر المشاهد.

أما إنكار القلب وبغضه فيمكن أن نفهمه كالآتى: إن الإنسان إذا اغتاظ وغضب على أحد يحاول جاهداً ألاّ يجالسه في مجلس واحد، وألاّ يتبادل معه الفكر والرأي؛ لأن المحبة والعداء لا تجتمعان في قلب واحد وفي آن واحد، ولأن الإنسان لا يميل قلباً إلى مَن يبغضه. فالمؤمن الذي يغضب على منكر ما ويبغضه يحتفظ بشدّه الروحي ويصون قوته المعنوية، ولكن الاكتفاء بهذا القدر من الانفعال ليس هو المطلوب من المؤمن، بل البغض القلبي هذا لا بد وأن يعقبه عمل باللسان أو باليد. علماً أن هذا النفور القلبي الجزئي من المنكر علامة على وجود الإيمان؛ إذ لا يستصوب مؤمن قط ما لا يستصوبه الإسلام من منكر. وحتى إن كان المؤمن يعايش من يرتكبون المنكر في نطاق المواطنة فعليه ألايتغاضى عن هذا والقصور. وبخلافه يُعدّ منهم. ولهذا فالمؤمن يكون دوماً في شدّ روحي وفي قوة معنوية عالية. وهذا الأمر هو ما تُعلمنا الآيةُ الكريمة والحديث الشريف الذي أوردناهما.

نعم، قد يؤدى الإنسان هذه المهمة أحياناً باليد واللسان مع زوجته وأولاده، وعندها تتكلم اليد وينطق اللسان. ولكن قد يقتضي الأمر أن تُؤدَّى هذه المهمة باللسان في الأماكن التي تعجز اليد عن الكلام. وعلى الأغلب تنفّذ هذه الطريقة مع الأقربين. ولئن عجز المرء عن هذا أيضاً فعليه أن يراجع علاقاته القلبية معهم. ويمكن أن يطلق على هذا معنى من معاني المقاطعة. لأن الذي يفعل المنكر قد قطع علاقته مع ربه، والمؤمن يأخذ سلوك المقاطع مع مَن قطع علاقته مع ربه ويبتعد كلياً عن كل ما يومئ إلى تقديره واحترامه. حيث إنه مضطر لتنسيق علاقته مع أمثال هؤلاء على وفق ارتباطهم مع ربهم. أي يجب إعادة النظر في العلاقة والارتباط مع مَن قطع علاقته مع الله ورسوله.

وهكذا كان الصحابة الكرام. وكلام سيدنا عمر رضي الله عنه نموذج لما ذكرناه فعندما كانت الاستشارة مستمرة في شأن أسرى بدر قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطّاب؟ فقال: لا والله يا رسول الله ما أرى الّذي رأى أبو بكر ولكنِّي أرى أن تُمَكّنّا فنضربَ أعناقهم فتُمكِّن عليًّا من عَقيل فيضربَ عنقَهُ وَتُمَكِّنِّي من فلان نسيبا لِعُمَرَ فأَضربَ عنقه فإنّ هؤلاء أئمّة الْكفر وصناديدها".[2] علماً أن هذا الرأي لم يُقبل في الاستشارة إلاّ أنه أسلوب يستحق أن نقف عنده من حيث التعبير عن سلوك المؤمن تجاه المنكر، رغم أنه لم ينفّذ.

والمؤمن يتخذ مدى ارتباط من يقابله بربه مقياساً لارتباطه وعلاقته معه، فلا يكون صديقاً حميماً بالمعنى الحقيقي، ولا يوثق علاقته مع المبتوتى الصلة بربهم. وعلامة ذلك في أدنى حدودها بغض المنكر قلباً، ودوام هذا الانفعال القلبي. ولهذا نحن مضطرون إلى أن نتحرك كالصحابة الكرام. فإن كانت محبة الله ومحبة رسوله في كفة وفي الكفة الأخرى محبة القريبين لنا ولكنهم بعيدون عن الله، فمحبة الله ورسوله لا بد أن تُستشعر بكل ثقلها في قلوبنا.

والأمر ليس مسألة محبة فحسب. بل ينبغي أن يكون الحق والحقيقة فوق كل شيء في مسلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وتُستعمل اليد أو اللسان حسب الاستطاعة، فإن لم يستطع الإنسان كل هذا، يقطع علاقته القلبية ويعيد النظر في علاقات الودّ مع المقابل. وليُعلم أن العلاقة مع أي شخص إن كانت تضادّ العلاقة مع الله ورسوله وتخالفها فسيقلب الأمر عليه دائماً ويهلكه ويفنيه.

والجهة الأخرى من الأمر هي شمول هذه المهمة، بمعنى أن دوام مهمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من مسؤوليات الدولة الدائمة أيضاً؛ لأن الدولة من المؤسسات التي هي في موقع تغيير المنكر باليد، حيث إنها قادرة على تغيير المنكرات باليد كالفحش والخمر والقمار والاحتكار وما شابهها. فهناك مواقع لا ولن تصل إليها يد الفرد، وتصل إليها يد الدولة؛ فالفرد لا يمكنه أن يعاقب الزاني وشارب الخمر وممارس القمار، ولا يستطيع أن يصرفهم بيده عن هذا المنكر.

ولقد ذكرنا آنفاً ميدان مداخلة الفرد. أما هنا فنذكر إنسان العالم الخارجي. فهذه المهمة في هذا الموقع تتعهدها الدولة، لأنها لا تدخل ضمن نطاق تغيير الفرد للمنكر. فهي من مهمات الدولة، وعليها أن تؤديها ما بقيت. فإذا هي أرخت عنان الأمر فالشعب ينبهها ويذكّرها بمهمتها في الانتخابات مثلاً. وهذا أيضاً -من جهة- يولّد جزءاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولنضرب مثلاً من خير القرون:

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة،[3] والقائد العام للجيش الفاتح لإيران في عهد عمر بن خطاب رضي الله عنه أصبح والياً على البلاد التي فتحها. شكى الناس سعداً إلى سـيدنا عمر بأنه نصب على بابه حرساً، والحال يجب ألاّ يكون شيء حائلاً بين الوالي والناس. وعندما سـأل سيدنا عمر: هل لديكم شكاوى أخرى؟ قالوا: إنـه لا يُحسن أداء الصلاة!![4] وهذا رأيهم، إذ لا يمكن أن نقبل أو نوافق بأن صحابياً جليلاً كسعد لا يُحسن أداء الصلاة بأركانها. ولكن الذي نريد أن نقف عنده هو إظهار أنه كيف اسـتطاع الناس أن يقوّموا الدولة ويراقبوها. فالشعب يقوّم الدولة دائماً، والدولة بدورها تراقب الشعب وتنضبط به، وبهذا تتوازن الأمور ويصان العدل. حيث إن الدولة تنجو أيضاً من الولوج في المنكرات مثلما ينجو منها الشعب.

فإذا ما قيّمنا العالم الإسلامي الحاضر ضمن هذه الأطر، لا يمكننا أن نقول أن الدولة وكذا الناس يؤدون المهمة التي عليهم. فالناس في الوقت الحاضر يرتكبون الرذائل بكل أنواعها، والدول تبقى في وضع اللامبالاة والمتفرجة عليها. حتى أنها تضع قوانين بأسماء وعناوين متنوعة للحفاظ عليها. وأوضح مثال على ذلك ما تُرتكب من منكرات في دول مختلفة حالياً، علماً أن وظيفتها الأساس منع المنكرات والحد من سوء الأخلاق. ولأجل تحقيقها لهذه المهمة، أي منع المنكرات، تستعمل القوانين الرادعة. فالفرد لا يمكن أن يعاقب السارق ولا أن يقيم الحد على الزاني. بل لا يمكن أن يقيم أيّاً من الحدود الجزائية باسمه. فلو أقام كل شخص الحد على غيره فهذا هو الفوضى واضطراب النظام بعينه.

و يمكن أن نستنتج من هذا أن للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حدوداً تخص الدولة لا يمكن أن يتجاوزها الفرد، وحدوداً تخص الأفراد وهي التي يمكنهم أن يؤدوها بالقلب واللسان.

فمثلاً: إفهام الناس العاقبة الوخيمة للزنا والقمار والسرقة والربا والاحتكار والسعي لمنع انتشار مثل هذه المنكرات في المجتمع وظيفة كل فرد ومسؤولية اجتماعية. بمعنى أن التغيير باليد تخص رجال الدولة بينما التغيير باللسان هو وظيفة كل مؤمن. وهذه الوظيفة تتعلق بالعلماء أكثر من غيرهم.

أما الذين يكتفون بالوضع الثالث أي البغض القلبي فهم العاجزون عن أداء المهمة على وجهها. فلئن كانت الأمة برمتها تكتفي بالبغض القلبي لِما يُرتكب من المنكرات في العالم فهي إذاً أمة عاجزة بائسة مسكينة.

ويمكن أن نقسّم هذه المهمة على الفرد نفسه كما قسمناها سابقاً على الأمة.

فهناك مواضع يؤدي الفرد مهمته باليد. مثلاً: محل للقمار غير مجاز من قبل الدولة. فالذهاب إلى صاحب المحل وإبلاغه بأني سأخبر الدولة عنكم، يعنى إزالة المنكر -من جهة- باليد. ولكن إن كان المحل مجازاً من قبل الدولة والفرد لا يستطيع إنكار هذا المنكر، فعليه أن يفهّم صاحب المحل بلسان لين أن هذا العمل منكر. وإن لم يستطع هذا أيضاً فعليه أن يعيد النظر في علاقاته مع هذا الشخص أي صاحب المحل ويقطع علاقته القلبية معه وينبّه الآخرين على القيام بمثل هذا الإجراء. وليس بعد ذلك أمر رابع.

توضح مما سبق جلياً، أن ﴿كُنْتُمْ﴾ في الآية الكريمة تفيد الدوام والثبات، وأنهما موجودان في جميع الأحوال.

فعلينا إنكار المنكر باللسان والقلب فيما إذا أهملت الدولة والأمة قاطبة واجبها المقدس. ولكن يجب ألاّ ننسى "أن الغلبة على المدنيين (المتحضرين) إنما هي بالإقناع وليس بالإكراه".[5]

الهوامش

[1] مسلم، الإيمان 78؛ الترمذى، الفتن 11.

[2] مسلم، الجهاد 58؛ المسند للإمام أحمد، 1/30-32.

[3] أسد الغابة لابن الأثير، 2/366؛ الإستيعاب لابن عبد البر، 2/513؛ الإصابة لابن حجر، 3/73.

[4] البخاري، الأذان 95؛ مسلم، الصلاة 158؛ المسند للإمام أحمد، 1/176، 179، 180.

[5] صيقل الإسلام لسعيد النورسي، ص 527.