الفصل الثالث: التبليغ

التبليغ هو الصفة الثالثة للأنبياء. وإذا أردتم أن تطلقوا على هذا اسم تبليغ وبيان حقائق الإسلام أو "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فالنتيجة واحدة إذ تكونون قد أبنتم عن حقيقة كبيرة من الحقائق المتعلقة بالنبوة.

التبليغ هو الهدف من وجود كل نبي. فلولا مهمة التبليغ لكان إرسال الأنبياء عبثاً ودون معنى. لقد أظهر الله تعالى بأنبيائه عظيم كرمه وتجلت رحمانيته ورحيميته في حياة هؤلاء الأنبياء. وما كان في الإمكان انعكاس هذا الأمر على الناس الآخرين من دون التبليغ.

فكما يظهر الله رحمانيته بالشمس التي تبتسم وهي تشرق لنا كل صباح... هذه الشمس التي هي بمثابة مدفأة لمن يحتاج إلى الدفء، وموقد لما يحتاج إلى الطبخ، وريشة رسام يرسم بها أروع لوحات الجمال ملونةً بأبهى الألوان، فكذلك هم الأنبياء العظام، ولاسيما محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان أفضل أنموذج لتجلي الرحمانية والرحيمية للبشر والذي قال الله تعالى في حقه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ (الأنبياء: 107).

فلو لم يأت ويجدد دعوة الأنبياء السابقين لما تجلت علينا رحمة الله سبحانه وتعالى، ولبقينا تائهين حيارى في صحراء الجهل والكفر والضلالة الموحشة.

فبينما كانت الإنسانية تتردى في مهاوي الجهل والتوحش إذا بها تتنسم أنفاس نبينا صلى الله عليه وسلم التي تبعث الحياة في النفوس وتنقل لها أقوال الأنبياء السابقين... عند ذلك أحست وكأن الدنيا تحولت إلى ربيع مزهر وإلى بساتين خضراء نضرة تفتحت فيها آلاف الورود والأزهار، وصدحت في أفنانها وأغصانها آلاف البلابل. ولولا هذا لجُنّت من الوحشة ومن الحيرة ومن الوحدة.

أجل، فمن نحن؟ من أين أتينا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟

مثل هذه الأسئلة المحيرة كادت تنخر أدمغتنا مثل مثقاب... كادت تحفر، وما كنا نملك أو نجد لها أجوبة شافية، وكان حتماً علينا أن نتحمل هذا الألم طوال أعمارنا. وعندما سيخطر على خيالنا منظرنا وقد تحولنا إلى عظام نخرة في القبر كنا سنرتجف من رعب بارد مظلم يستولي على نفوسنا... الرعب من العدم... هذا العدم الذي نقترب منه كل دقيقة... مثل هذا الرعب كان سيحول حياتنا إلى جحيم دائم لا راحة فيه.

جاء الأنبياء فعلمونا غاية الحياة وحقيقة الموت، فتعلمنا منهم أن مجيئنا إلى الدنيا مرتبط بغاية، وأن فراقنا للدنيا مبني على حكمة، وأن الموت ليس فناء ولا عدما، بل هو انتقال من مكان إلى مكان، وتسريح من مهمة ومن وظيفة معينة. أما القبر فهو صالة انتظار وباب مفتوح على عالم الآخرة. وعندما سمعنا هذا من الأنبياء تبددت وحشتنا وتحول كل شيء إلى أنس وانشراح، وزالت جميع المخاوف والشكوك وأسباب القلق من قلوبنا وعقولنا، وحل الأنس والمسرة محلها.

لقد أرسل الأنبياء إلينا بمثل هذه الرسائل، وكان قيامهم بتبليغها لنا هو غاية وجودهم. وإذا كنا نرى التبليغ واجباً يجب القيام به، فقد كان الأنبياء يقومون بالتبليغ كغاية وهدف يرون فيه سر حكمة مجيئهم إلى الدنيا، وكأن لسان حالهم يردد: "ليس هناك غاية أخرى من مجيئنا إلى الدنيا، فالله تعالى أرسلنا للناس من أجل أن نزيح الظلام من بين أيديهم ومن خلفهم ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم لكي يستطيعوا المضي قُدما نحو الصراط المستقيم دون أي نحراف، فلا يستطيع الشيطان أن يتسلل إلى أرواحهم أو أن يحاول إغواءَهم في طريقهم هذا."

أجل، إننا نقوم بالتبليغ كمهمة ووظيفة، أما الأنبياء فيقومون به كغاية لوجودهم وهدف لحياتهم وسر لخلقهم.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.