د . دقتهم في الرواية

لم يكن الصحابة الكرام ولا تابعوهم بإحسان ولا تابعو التابعين من نمط الأشخاص الذين يقبلون ويتبعون كل ما يسمعونه، فمع أن قلوبهم كانت صافية ونقية إلا أنهم كانوا دقيقين لا يقبلون شيئاً إلا بعد التمحيص والتدقيق ولاسيما إن كان الموضوع متعلقاً بالسنة النبوية. لذا، حفظوا السنة بدقة كبيرة وسجلوها في الكتب وحققوا الروايات تحقيقاً دقيقاً ثم نقلوها بالدقة نفسها. وهناك أمثلة عديدة جداً على هذا ندرج هنا بعضها.

1- تحذير النبي صلى الله عليه وسلم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية أخرى «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.»[1]

في ذلك العهد الذي كان الفرق بين الصدق والكذب كالفرق بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذّاب وكالفرق بين السماء والأرض.. في ذلك العهد الذي كان الصدق أهم سمة له وأهم صفة ما كان بوسع مؤمن ولاسيما إن كان هذا المؤمن صحابياً أو تابعياً أن يكذب في أمر عادي، فكيف يجرؤ على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ فما كان بمقدور أحدهم أن يلفق شيئاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم متبعاً في ذلك أهواءه. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فوَالله لأن أخِرّ من السماء أحَبّ إليّ من أن أكذب عليه."[2] كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»[3]

إذن، فأمام كل هذه التحذيرات والتهديدات، هل يمكن للذين أرشدوا العالم إلى الصدق وإلى الحق وإلى النور وكانوا أئمة الهدى والحق أن ينحرفوا ويدخلوا ضمن دائرة هذا التهديد والوعيد؟

2- حرص الصحابة والتابعين

ولكون هذه المسألة تتطلب كل هذه الحساسية فقد تناولها الصحابة بحرص شديد ودقة متناهية، لذا نرى الكثير من الصحابة يحذرون من رواية الحديث، حتى أن صحابياً جليلاً مثل ابن مسعود رضي الله عنه الذي كان بعض الصحابة يظنونه من أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم لكثرة تردده وتردد أمه على بيت الرسول صلى الله عليه وسلم والذي قال في حقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما بعثه إلى الكوفة: "إني والله الذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي وخذوا منه"،[4] هذا الصحابي الجليل نرى وصفه وحاله عندما كان يضطر إلى رواية حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول بشيء قط "قال رسول الله"، فلما كان ذات عشية قال: "قال رسول الله" قال: فنكس. قال: فنظرت إليه فهو قائم مُحللةً أزرار قميصه، قد اغْروْرقتْ عيناه، وانتفخت أوداجه. قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك.[5]

كان الزبير بن العَوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته البطلة صفية من المسلمين الأوائل ومن العشرة المبشرة بالجنة، ولكنه كان قليل الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سأله ابنه عبد الله بن الزبير مرة عن سبب ذلك قائلاً: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان فقال: أما إني لم أفارقه ولكن سمعته يقول: «من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار.»[6]

أما الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فقد قال: "لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم."[7]

يقول التابعي الكبير عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه الذي قابل خمسمائة صحابياًّ: "لقد أدركت في هذ المسجد عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما منهم أحدٌ يحدث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفاه الفُتيا.[8]

في السنوات الأولى لظهور الإسلام فتح الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه بيته للرسول صلى الله عليه وسلم، أما ابنه زيد فقد صحب الرسول صلى الله عليه وسلم وأدرك خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهم وكان أمين بيت مال المسلمين، ولكنه عندما رأى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه بدأ يوزع بعض ماله الذي أودعه في بيت مال المسلمين على بعض أقربائه حمل مفاتيح البيت وسلمها إلى عثمان رضي الله عنه مُعلناً استقالته من عمله لأن الناس سوف يظنون به الظنون، هذا الصحابي الجليل جفل عندما طلب منه التابعي عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذر. إليكم الرواية: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن الأرقم: حدِّثْنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كبِرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد."[9]

أ. الحرص في الرواية

يجب على الراوي للحديث أن يكون ملماً باللغة العربية إلماماً جيداً لكي لا تتسلل كلمة أجنبية إلى سياق الحديث. ومع أنه يجوز إيراد معنى الحديث إن تعذر إيراد نصه، إلا أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا حريصين جداً على كل كلمة بل على كل حرف عند رواية الحديث. فمثلاً عندما أورد الصحابي عبيد بن عمير رضي الله عنه حديث «مَثَل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين» في مجلس ضم الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه غضب هذا الصحابي وقال: كلا، لم يقل هكذا. فسأله عمير: وكيف قال إذن؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين.» علماً بأن الفرق بين الروايتين هو الفرق بين "الرابضة" و"العائرة" فقط.

أما في "المسند" فقد جاءت رواية الحديث عن عبيد الله بن عمير بهذه الصيغة:

«إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، وإن أتت هؤلاء نطحتها.» بينما يورِد عبد الله بن عمر رضي الله عنه هذا الحديث مقطع "كشاة بين الغنمين" بدلاً من "كشاة بين الربيضين" لأنه سمعه هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.[10]

وانتقل هذا الحرص من الصحابة إلى التابعين وإلى تابع التابعين. فمثلاً نرى العالم المشهور سفيان بن عيينة يروي الحديث التالي: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدُّبّاء والـمُزَفَّت أن يُنتبَذ فيه." ولكن عندما روى هذا الحديث مرة في مجلسه بصيغة "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدُّبّاء والـمُزَفَّت أن يُنبَذ فيه" قال سفيان: أنا لم أسمع هكذا من الزُهرى.[11] بينما الفرق بين الصيغتين هو فقط بين الفعل الخماسي "ينتبذ" والفعل الثلاثي "ينبذ" وليس بينهما فرق كبير في المعنى. ولكن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين كانوا حريصين جداً في رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله تماماً.

لذا، فأمام مثل هذا الحرص والحساسية الشديدة في رواية الحديث أيمكن أن يأخذ أحد مأخذ الجد ما يزعمه البعض من أن الصحابة كانوا ينقلون ما يسمعونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم بكلماتهم وتعابيرهم، لذا فلا مجال لاتخاذ الأحاديث أساساً في التشريع؟

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتَ مَضْجعَك فتوضأْ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رهبة ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنـزلت وبنبيك الذي أرسلت. فإنْ مِتَّ متّ على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول» فقلتُ: أستذكرهن "ورسولك الذي أرسلت" قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت.»[12]

وسواءٌ استطعنا أن نحدس الفرق الذي عناه رسولنا صلى الله عليه وسلم من وجوب قول "بنبيك" وليس "برسولك" أم لم نستطع فقد ألزمَنا قراءة الدعاء بهذه الصيغة.

أجل، إن الإنسان عندما يغمض عينيه وينام فإنه يدخل إلى عالم الرؤية والأحلام، أي يدخل إلى عالم فيه جزء من النبوة (هذا الجزء يبلغ 1/46). أي أن النوم والرؤيا له علاقة بالنبوة وليس بالرسالة التي تتطلب الصحو، أي تتطلب صحوة العين والقلب. لذا، فالدقة والحرص والحساسية التي أبداها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع أبداها الصحابة الكرام عند تلقّيهم للأحاديث وعند نقلهم وروايتهم لها.

ب. التدارس

لم يكتف الصحابة الكرام رضي الله عنهم بنقل الأحاديث وروايتها، بل كانوا يتدارسونها فيما بينهم لكي يحيطوا بمعانيها. وكما تدارسوها فقد طلبوا من طلابهم تدارسها أيضاً، فمثلاً نرى الصحابي الجليل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول لطلابه: "تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج الحديث"[13] كما كان الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنه يقول: "رُدُّوا الحديث واستذكروه فإنه إن لم تذكروه ذهب، ولا يقولن رجل لحديث قد حدثه "قد حدثته مرة"، فإنه من كان سمعه يزداد به علماً ويسمع من لم يسمع."[14] ذلك لأن الصحابة الكرام كانوا يعرفون مدى أهمية الحديث والسنة، ويعرفون من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم،[15] لذا، حرصوا على حفظ الحديث وتدارسه ثم روايته ونقله. هذا هو الجو الذي تم فيه حفظ الحديث ونقله إلينا.

3- تحقيق الصحابة والتابعين

بجانب تدارس الصحابة للأحاديث فيما بينهم، كانوا أمام أي أمر أو مسألة تثار يبحثون عما إذا كان هناك حديث في هذه المسألة، أي أنهم كانوا يدركون مدى الأهمية التشريعية للسنة وللحديث، ومع كونهم رجال صدق واستقامة إلا أن هذا لم يكن يمنعهم أن يكونوا رجال تحقيق أيضاً فما كانوا يقبلون كل ما سمعوه.

جاءت مرة إلى أبي بكر رضي الله عنه امرأة تسأله عن نصيبها من ميراث حفيدها، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: "ما أجد لك في الكتاب من حق، وما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء، وسأَسْأل الناس" ثم سأل الناس فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: ومن سمع ذلك معك؟ قال: محمد بن مسلمة، فأعطاها السدس.[16] كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها التي جاء حديث ضعيف في حقها «خذوا نصف دينكم من هذه الحُميراء»[17] ذكية وفطنة تسأل وتحقق كل شيء، فعن ابن أبي مُلَيْكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حوسب عُذّب»، قالت عائشة فقلت: أوليس يقول الله تعالى ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ (الانشقاق: 8)؟ فقال: «إنما ذلك العرضُ ولكن من نوقش الحساب يهلك.»[18]

وبصدد قيام الصحابة بتحقيق ما يسمعونه يرد هنا موضوع الأوجه المختلفة التي أنـزل فيها القرآن الكريم، وهناك روايات عديدة حول هذا الموضوع نورد هنا ماجاء في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حِزَام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، وكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف ثم لبّبته بردائه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها فقال لي: «أرسله.» ثم قال له: «اقرأ.» فقرأ قال: «هكذا أنـزلت»، ثم قال لي: «اقرأ» فقرأت، فقال: «هكذا أنـزلت، إن القرآن أنـزل على سبعة أحرف، فاقرؤا منه ما تيسر.»[19]

وكمثال آخر نورد هذه الرواية عن أبي سعيد الخُدري قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت. فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذَن له فليرجع.» فقال: "والله لتُقيمن عليه بينة" أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أُبيّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم. فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.[20]

أ. الرحلة من أجل التحقيق

كان الصحابة يولون تحقيق الحديث أهمية بالغة إلى درجة أنهم كانوا يسافرون من بلد إلى بلد ويقطعون المسافات الطويلة أياماً وليالي لتحقيق حديث واحد أو لسماع حديث واحد. إذ يروي عطاء بن أبي رباح -الذي تتلمذ عليه كبار العلماء- أن الصحابي أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه أراد أن يحقق حديثاً سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أن الصحابي الوحيد الباقي على قيد الحياة من الذين سمعوا هذا الحديث هو عُقبة بن عامر وكان مقيماً في مصر فتوجه إليه، أي سافر من المدينة المنورة إلى مصر من أجل تحقيق حديث واحد يعرفه.

خرج أبو أيوب إلى عُقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم أتى منـزل مسلمة بن مخلّد الأنصاري وهو أمير مصر، فأخبر به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: "ما جاء بك يا أبا أيوب؟" قال: "حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغير عقبة فابعث من يدلني على منـزله." قال فبعث معه من يدله على منـزل عقبة، فأخبر عقبة به فعجل فخرج إليه فعانقه وقال: "ما جاء بك يا أبا أيوب؟" فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن. قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر مؤمناً في الدنيا عن خزية ستره الله يوم القيامة.»[21] فقال له أبو أيوب: "صدقت" ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جائزة ابن مخلد إلا بعريش مصر.[22]

وهناك رواية عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه فسِرت شهراً إليه حتى قدمت الشام، فإذا هو عبد الله بن أُنيس فأرسلتُ إليه أن جابراً على الباب، فرجع إليّ الرسول فقال: أجابر بن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج إليّ فاعتنقني واعتنقته. قال: قلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه في المظالم، فخشيت أن أموت أو تموت. قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يُحشر الناس -أو العباد- عُراةً غُرْلاً بُهْماً، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك، أنا الديّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى يقتصه منه، حتى اللطمة.» قال: وكيف، وإنما نأتي عراةً غُرْلاً؟ قال: بالحسنات والسيئات.[23]

ب. رحلة التابعين

لم تقتصر الرحلات من أجل تحصيل الحديث على الصحابة الكرام فقط، بل استمرت في العهود التي تلت عهد الصحابة. فسعيد بن المسيّب كان يسافر أياماً وليالي في طلب حديث واحد،[24] وكان مسروق بن الأجدع يرحل من أجل حرف واحد.[25] وعن كثير بن قيس قال: "كنت جالساً عند أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء! أتيتك من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فما جاء بك تجارةٌ؟ قال: لا. قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا."[26]

انتقل الحرص الذي أبداه الصحابة في رواية الأحاديث إلى التابعين، وكما سنشرح فيما بعد فقد ورث هذا العلم -حسب تعبير الأعمش- أناس كان أحبَّ إليهم أن يخروا من السماء ولا يزيدوا "واواً" أو "ألفاً" أو "دالاً" على الحديث،[27] إذ كانوا يتحرجون جداً ويحرصون على ألا يتبادل حرفا "الواو" و"الفاء" مكانهما في الحديث، أي الحفاظ على متن الحديث مثلما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وعلى الرغم من كون الصحابة الكرام بأجمعهم عدولاً لا يتسلل الكذب إلى أي أحد منهم إلا أن أئمة التابعين كانوا يحققون ما سمعوه من حديث ويراجعون الصحابة الآخرين كذلك. فمثلاً نرى أبا العالية -وكان من كبار علماء التابعين- يقول: "كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالبصرة فما نرضى حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم."[28]

ففي رواية مسلم عن ابن سيرين أنه قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم"،[29] فلم يكونوا في العهود الأولى يسألون عن الإسناد، أي عن الشخص الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حينما وقعت الفتنة بعد شهادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه -الذي كان باباً موصداً أمام الفتنة- ومقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه والحوادث التي جرت في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدأ وضع الحديث وإن كان في نطاق ضيق، إذ وُضعت أحاديث ضد عثمان رضي الله عنه، ودفع هذا بعض البسطاء إلى اختراع أحاديث في صالحه وللدفاع عنه وكأنه يحتاج إلى مثل هذا الدفاع. كما تم وضع أحاديث في الثناء وفي مدح علي بن أبي طالب رضي الله عنه -مع أن هذا العملاق لا يحتاج إليها- وذلك مقابل الأحاديث الموضوعة للطعن فيه.

لذا، فما أن ظهرت الأحاديث الموضوعة حتى بدأ الأئمة الكبار بالاستفسار عن "السند" وبتحقيق الأحاديث. فبدأ علماء مثل شعبة والشعبي والثوري رحمهم الله بتحقيق دقيق عند جمع الأحاديث. ونجد حادثة مشابهة في رواية وردت في صحيح مسلم لمجاهد بن جَبْر قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدّث ويقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" فجعل ابن عباس لا يأذن[30] لحديثه ولا ينظر إليه. فقال: يا ابن عباس! مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول[31] لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.[32]

يروي العالم الأندلسي الكبير ابن عبد البر عن الشعبي الذي كان من كبار أئمة التابعين عن الربيع بن خثيم الحديث الآتي: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كن له كعتق رقاب أو رقبة»، قال الشعبي: فقلت للربيع بن خثيم: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: عمرو بن ميمون الأودي. فلقيت عمرو بن ميمون فقلت: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلقيت ابن أبي ليلى فقلت: من حدثك؟ قال: أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.[33] وبعد هذا البحث والتدقيق اطمأن الشعبي إلى صحة الرواية.

4- حملة ضد الوضع والوضاعين

في تلك العهود بدأت حملة ضد الكذب وإعلان حرب ضده، إذ بدأ العلماء من أمثال ابن شهاب الزهري وابن سيرين وسفيان الثوري وعامر بن شراحيل الشعبي وإبراهيم بن يزيد النخعي وشعبة وقتادة بن دِعامة وهشام الدستوائي ومسعر بن كُدَام الهلالي بإعلان حملة ضد وضع الحديث وضد الوضاعين وفرز الأحاديث الصحيحة عن الأحاديث الموضوعة.

وعندما كان أبو هلال وشعبة وسعيد بن أبي صَدَقة يروون حديثاً عن قتادة بن دِعامة واختلفوا في صيغة الحديث هل كان كذا أم كذا، راجعوا هشام الدستوائي ليكون حَكماً. وعندما كان شعبة والثوري يختلفان كانا يراجعان مسعر بن كُدَام الهلالي.[34]

كان هؤلاء العلماء يتعقبون من يرون فيه تعصباً مذهبياً، فإذا شكّوا في رواية أحدهم وقفوا أمامه وحاسبوه وسألوه: ممن سمعت هذا الحديث؟

أ.  مهمة الحفظ ودوره

في هذه الأثناء كان عباقرة الحفظ يحفظون الأحاديث دون توقف، فقد روى أبو زرعة الرازي أن أحمد بن حنبل رحمه الله كان يحفظ ألف ألف حديث مختلف من ناحية السند والمتن ومختلف من ناحية الصحة من صحيح أو حسن أو ضعيف،[35] واختار في مسنده المشهور أربعين ألف حديث من بين ثلاثمائة ألف حديث، هذا علماً بأن من بين هذه الأحاديث البالغ عددها أربعين ألفاً بعض الأحاديث المكررة وبعض الزوائد التي أضافها ابنه عبد الله.

أما يحيى بن معين الذي نذر حياته كلها لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حفظ حتى الأحاديث الموضوعة، وعندما سأله أحمد بن حنبل مرة عن سبب قيامه بكتابة "الجامع" لمعمر عن أبان عن أنس مع أنه يعلم أنها موضوعة قال له: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء بعده إنسانٌ فيجعل بدل أبان ثابتاً ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك فأقول له: "كذبت إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت."[36]

فبدءاً من الإمام الزهري إلى يحيى بن سعيد القطّان، ومن البخاري ومسلم إلى الدارقطني والحاكم نرى المئات من كبار محققي الأحاديث وحفاظها.

ب. شعور الالتزام بالحق ورعايته

مطاردة الكذب والوضع والوقوف ضد الكذب وإعزاز الحق وعدم السماح بقول غير الحق.. كان هذا شعارهم.. فمثلاً خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه مرة فقال: ألا لا تغالوا في صَداق النساء، وإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سيق إليه جعلتُ فضل ذلك في بيت المال. ثم نـزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، لَكتاب الله أحق أن يتبع أم قولك؟ قال: كتاب الله، فما ذاك؟ قالت: نَهيتَ الناس آنفا أن يتغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَآتَيتُم إحدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأخُذُوا مِنهُ شَيئاً﴾ (النساء: 20)؟ فقال عمر: كل أحد أفقه من عمر -مرتين أو ثلاثا-. ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: "إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، فليفعل رجل في ماله ما بدا له."[37]

وعلى هذا المنوال تصرف كبار علماء التابعين، فمثلاً نرى زيد بن أبي أُنيسة يقول: "لا تأخذوا عن أخي"،[38] قد يكون بسبب عدم دقة أخيه أو توهمه أو تعصبه المذهبي أو لسبب آخر لا نعرفه، وعندما سئل الإمام علي بن المديني -وهو إمام الكثير من المحدثين الكبار من مستوى الإمام البخاري ومسلم وأول من كتب عن الصحابة- عن أبيه قال: "سلوا عنه غيري" فأعادوا المسألة فأطرق ثم رفع رأسه فقال: "هو الدين، إنه ضعيف."[39]

أما الإمام وكيع بن الجرّاح الذي تربى في مدرسة أبي حنيفة وتتلمذ عليه الإمام الشافعي القائل بأنه لم ينس شيئاً سمعه طوال حياته. وقد ذكره الشافعي في قصيدته:

شكوتُ إلى وكيع سوء حفظي      فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبـرنـي بأن العلم نـور      ونور الله لا يهدى لعاصي[40]

كان والد هذا الإمام الكبير على بيت المال، لذا فعندما كان يروي عنه كان يقرن معه آخر،[41] لأنه كان يخشى أن يقوم والده الموظف لدى الدولة بتخفيف بعض العبارات من أجل الدولة.

ج. كتب العلل

كتب هؤلاء الأشخاص العظام كتباً عديدة في العلل، أي قدموا كتباً تتناول سند الأحاديث ومتونها بالتحليل الدقيق. وكتبوا عن الضعفاء والمتروكين أي عن الرواة الضعفاء والذين لا يجوز أخذ الأحاديث عنهم بل يجب تركهم وأعلنوا هذا ونشروه، فقد كانوا حساسين جداً في هذا الموضوع إلى درجة أن أحدهم كان يراقب -كما قلنا- والده لأنه موظف في خزينة الدولة لكيلا يحرف رواية الحديث، ونرى آخر يقول إن والده روى الحديث حتى بلغ عمره كذا سنة، ولكن ما إن كبر حتى ضعفت ذاكرته، لذا قام بمنع الزوار من لقائه.

يقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي -وهو من كبار أئمة الحديث-: "سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس عن الرجل يُتهم بالكذب، فقالوا: أنشره، فإنه دين."[42] وعن يحيى بن سعيد قال: "سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكاً وابن عُيينة عن الرجل لا يكون ثبتاً في الحديث فيسألني الرجل عنه، قالوا: أخبر عنه أنه ليس بثبت."[43]

وعن أبي بكر بن خلاّد قال: قلت ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءَك عند الله يوم القيامة؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحبّ إليّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: لِمَ لم تَذُبّ الكذب عن حديثي.[44]

الهوامش

[1] البخاري، العلم، 38؛ مسلم، الزهد، 72؛ أبو داود، العلم، 4؛ الترمذي، الفتن، 70

[2] البخاري، استتابة المرتدِّين، 6؛ مسلم، الزكاة، 154؛ أبو داود، السنة، 28

[3] مسلم، المقدمة، 1؛ الترمذي، العلم، 9؛ ابن ماجه، المقدمة، 5

[4] «الطبقات الكبرى» لابن سعد 3/157؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/291

[5] ابن ماجه، المقدمة، 3؛ «المسند» للإمام أحمد 1/452

[6] البخاري، العلم، 38؛ أبو داود، العلم، 4؛ ابن ماجه، المقدمة، 4

[7] مسلم، المقدمة، 2؛ الدارمي، المقدمة، 25

[8] «الطبقات الكبرى» لابن سعد 6/110؛ «سير أعلام النبلاء» للذهبي 4/263

[9] ابن ماجه، المقدمة، 3؛ «المسند» للإمام أحمد 4/370

[10] مسلم، صفات المنافقين، 17؛ النسائي، الإيمان وشرائعه، 31؛ «المسند» للإمام أحمد 2/68؛ «المسند» للطيالسي  ص248

[11] «الكفاية» للبغدادي  ص178

[12] البخاري، الدعوات، 6؛ مسلم، الذكر، 56

[13] الدارمي، المقدمة، 51

[14] الدارمي، المقدمة، 51

[15] أبو داود، العلم، 1؛ الترمذي، العلم، 19؛ النسائي، الطهارة، 113؛ ابن ماجه، المقدمة، 17

[16] الترمذي، الفرائض، 10؛ ابن ماجه، الفرائض، 4؛ الموطأ، الفرائض، 8

[17] «البداية والنهاية» لابن كثير 8/100؛ «الأسرار المرفوعة» لعلي القاري ص116؛ «كشف الخفاء» للعجلوني 1/374؛ «الفوائد المجموعة» للشوكاني ص399؛ «الفردوس» للديلمي 2/165

[18] البخاري، العلم، 35؛ مسلم، الجنة، 79

[19] البخاري، الخصومات، 4؛ مسلم، صلاة المسافرين، 270؛ أبو داود، الوتر، 22؛ النسائي، الافتتاح، 37؛  الموطأ، القرآن، 4

[20] البخاري، الاستئذان، 13؛ مسلم، الأدب، 33، 34، 37؛ أبو داود، الأدب، 128

[21] البخاري، المغازي، 3؛ مسلم، البر والصلة، 58؛ أبو داود، الأدب، 38؛ الترمذي، الحدود، 3

[22] «الرحلة في طلب الحديث» للبغدادي  ص118؛ «جامع بيان العلم» لابن عبد البر 1/392؛ «الكفاية» للخطيب البغدادي  ص402

[23] «المسند» للإمام أحمد 3/495؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 10/345-346؛ «أسد الغابة» لابن الأثير 3/178؛ «الأدب المفرد» للبخاري  ص337؛ «جامع بيان العلم» لابن عبد البرر 1/389-390

[24] «تذكرة الحفاظ» للذهبي 1/55؛ «الرحلة في طلب الحديث» للبغدادي  ص127؛ «الكفاية» للخطيب البغدادي  ص402؛ «جامع بيان العلم» لابن عبد البرر 1/395

[25] «جامع بيان العلم» لابن عبد البر 1/396؛ «الرحلة في طلب الحديث» للبغدادي  ص127

[26] الترمذي، العلم، 19؛ ابن ماجه، المقدمة، 17؛ «الرحلة في طلب الحديث» للبغدادي  ص78

[27] «الكفاية» للبغدادي  ص178

[28] «الكفاية» للخطيب البغدادي  ص402- 403

[29] مسلم، المقدمة، 5

[30] لا يأذن: أي لا يستمع إليه ولا يصغي.

[31] ركب الناس الصعب والذلول: أي سلك الناس كل مسلك مما يُحمد أو يُذم.

[32] مسلم، المقدمة، 4

[33] «المحدث الفاصل» للرامهرمزي ص208؛ «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب ص222-223

[34] «المحدث الفاصل» للرامهرمزي ص395؛ «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب  ص229

[35] «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني 1/64

[36] «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للبغدادي 2/283؛ «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب  ص229

[37] «كنـز العمال» للهندي 16/536-538

[38] مسلم، المقدمة، 5

[39] «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب  ص233

[40] «ديوان الإمام الشافعي» للإمام الشافعي  ص69

[41] «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب  ص233

[42] «السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب  ص234

[43] «مسلم» المقدمة، 5

[44] «علوم الحديث» لابن الصلاح  ص389

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2022.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.