الفصل الأول: موقع الفكر في منهج الأستاذ كولن

فهرس المقال

كولن وحديثه عن أمة القرآن

امتدت شجرة الفكر الإسلامي ضمن بنية عضوية لها أصل ثابت هو القرآن والسنة، ولها فروع نمائية تتمثل في حاصل التوليدات التشريعية التي ظل يستنبطها فقهاء المدنية وعلماء الاجتماع وأرباب النظر العقلي المسلمون من خلال تَرَصُّد المستجد من القضايا الحياتية، وتمحيص القيم والنوازل، حلالها من حرامها.

الصيرورة المدنية جعلت التفكير الإسلامي يمضي في وجهات حيوية متشعبة، تحكمه الشروط التاريخية والمقومات المدنية والنزعات الروحية والمذهبية، الأمر الذي أكسب هذا التفكير "الإسلامي" هويته الثرية المتّسمة بالتعدد، إذ أضحى فكرًا أفرزته مدَنية عظيمة ازدهرت قرونا، واستوعبت روافد المعارف العالمية من خلال استقطاب وتوطين ومفاعلة الناجز العقلي والنظري في المدَنيات الأخرى، سواء منها تلك التي عاصرت مدنية الإسلام أو التي سبقتها.

لا ريب أن كونية الدين الإسلامي هي أساس هذا التفتّح الفكري الذي يميّز الاجتهاد الإسلامي، إذ إنه اجتهاد وليد شريعة جاءت لتشمل الناس كافةً، وفي مختلف أوطانهم وأعصارهم، وتغطّي مقتضيات التجدد المدَني، فلذا تأصلت فيه المرونة بقدر ما ترسّخت له روح التحوط وحفظ الضوابط والأسس.

حين نتحدث عن الفكر الإسلامي، فإننا نقصد هذا التفعيل النظري والتطبيقي الذي مارسه العقل الإسلامي في شتى مناحي المعرفة وحقولها، واستنجز وأثل محاصيل وذخائر معتبرة، شكّلت تراث الأمة ورصيدها الذي انْبنَت عليه ثقافتها، وتَشَكَّل وجدانُها. فبعد أن كانت ثقافة العرب شعرية، أضحت للأمة بحلول الإسلام وانتشاره عبر القارات، علومًا أسّس لها الدين الإسلامي، ووسّع من ألوانها وأجناسها المعرفية تعدد الأمم والشعوب التي انضوت تحت لواء الإسلام، وانخرطت فيه انخراط انتماء وعطاء، فكان الحاصل هو هذا التراث الزاخر الذي كان ذات حين يمثل -وفي شتى المجالات- سقف المعارف والعلوم والفنون الذي بلغته البشرية، والمرجع التوثيقي المحال عليه في المعرفة الإنسانية في تلك العهود، إذ ازدهرت تلك المعارف والفنون والعلوم، بازدهار الحضارة الإسلامية نفسها.

على أن هوية هذا الفكر "الإسلامي" لا يمكن أن تنحصر في نطاق أصوله الأم (القرآن والسنة وما انبثق عنهما من تأصيلات)؛ لأن النماء الذي عرفه العقل الإسلامي عبر العهود، كان نماء ديناميا لافتا. فحتّى الدخيل (الاسرائيليات والثقافة اليونانية والهندية وغيرها) قد تماسّ مع هذا الفكر، وشكل بُعدًا من أبعاد إحالاته، ولو بِسَوْق الأمثلة والعبر. من هنا ينبغي الاعتراف بأن هوية الفكر الإسلامي تستجمع بنية متجذعة هي جداره الأصيل، وعاموده القويم، من حيث تنامت الفروع، وتكاثرت الغصون، أشبه بالشجرة، لها قائم مكين، وأدواح متكاثفة وممتدّة في مختلف الاتّجاهات.

وفيما ظل الفقه الإسلامي يمارس مهمة تمحيص ومَعْيَرَة النوازل الاجتماعية والتعاملات المدنية من وجهة نظر الشرع، حاول الفكر الإسلامي أن يتطارح التصاميم والخطاطات والحدود السقفية التي تسوغها الشريعة، وتنسجم مع المقاصد الرئيسة التي تؤطّر المسار الحضاري في مضيه عبر سيولة الأزمنة والأمكنة وتحولات الحياة.

وإذا ما أردنا أن نضع تعريفًا مبسّطا لكل من مَنْشَطَيْ الفكرِ والفقهِ، قلنا: إن الفكر هو الفاعلية الذهنية التي تستهدف فهم الحياة والوجود، واستقراء الوقائع الموصولة بالإنسان، ماضيه وحاضره ومستقبله، باعتباره (الإنسان) ماهية وجودية فردية وجمعية، مهيّأةً للتحولات والتحديات المصيرية. وإن الغاية من وراء ذلك الفهم هي بناء رؤى معرفية تسهم في ضبط الظواهر (الاجتماعية والمدنية والوجودية..)، بقصد تَهْييئ نوع من السيطرة أو الأمان للإنسان في رحلته في هذا الكون.

وبالمقابل نقول في تعريف الفقه أنه حقل مصادرة الحوادث الحياتية والأنشطة المدنية والتعاملية، ووضع الضوابط الملائمة لها من وجهة نظر شرعية الزامية.

وحتى نكون موضوعيين في هذا الصدد، علينا أن نسجّل أن منْزلة الفقه في سُلَّم المباحث والمقاربات الإسلامية قديما، قد ترجّحت ولبثت تجنّح -باطراد- نحو التفوّق والعلوّ بالقياس إلى كفّة المفكر، وتزامن ذلك مع تثاقل وتائر السير والنماء في الحضارة الإسلامية، حيث سادت عقلية الكساد والتكفّف على الحياة في كافة الحقول المادية والمعنوية.

كان الفقه يعرَّف بأنه العلم،[1] وكاد مصطلح العلم أن يختص بالتشريع، لما بين الاجتهاد وبين مدونة الكتاب والسنة من ترابط عضوي لاحم، إذ الأصل أن لا ممارسة اجتهادية إلاّ بنصّ أو ما ينوب عنه من قياس واستحسان وما إلى ذلك.

ومثلما ترجحت مكانة الفقيه قديمًا، وتأصّلت له صدارة الفتوى والتوجيه الشرعي في العهود الإسلامية الماضية، تتميّز اليوم منزلة المفكر، ويحظي بعلو الشأن لدى الأوساط الحية، رغم الانبخاس العام الذي نراه يشمل القيم النبيلة، نتيجة ارتباط الأمم والشعوب بحضارة مهيمنة، لا تفتأ تتَوَحُّل وتغرق في حمإ سياسات التهتك والسقوط في بوائق التحلل والجشع والاستهلاكية.

إن التلاطمات الثقافية الكونية، والوهن المدني شبه العقيم الذي عليه مجتمعاتنا المسلمة، يجعلان وجدان هذه الأمة أشد ظمأ إلى التأصيل، وأكثر شوقا إلى التميز؛ لأن ضمير الأمة المؤصلة بتعاليم عقيدتها، مهما ضغطته التردياتُ، يظل دائما يصطنع، وبوازع من التأبي، ما وسعه اصطناعه من أسباب الارتباط بالجذور، إنْ على مستوى الثقافة، أو على مستوى العقيدة، أو على مستوى بقية منابع الهوية.

يلتقي اليوم المشربُ الفقهي بالمشرب الفكري، ويشكّلان مسيلا واحدًا تُستَقى منه القواعد الاسترشادية التي تكفل شرطَ التحرزِ، ومضمونية المسار، واطرادية التطوّر، وصنع التاريخ.

مفكر العصر الحاضر، عصر الرهان على التموقعات المستقبلية الحاسمة، أَكثر استيعابًا لمعطيات وقته، وأكثرُ إدراكًا لمقتضيات مرحلته، وأعمقُ وعْيًا بالمتطلّبات التي تستلزمها سلامة النهج ورشدية الحراك والتوجه.

المفكر اليوم، هو فيلسوف بأصالة الاشتغال العقلي الذي يتعاطاه.. فقيه بحتمية المراس الضمني الاجتهادي الذي يزاوله.. خبير استراتيجي بحكم الاهتمام الاستشرافي الأوكد الذي يربطه بالمستقبل والمصير.

وحين نتحدّث عن المفكر فتح الله كولن، فإننا نتحدث عن واجهة اجتهادية معاصرة، أهّلتْها مسيرتها الكدحية أن تلفت الأنظار وتستقطب الجهود بكفاءاتها النفاذية، ورهاناتها الشمولية، وعطاءاتها العملية، ومحظوظيتها الصلاحية.

  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2020.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.