رسالة الأستاذ فتح الله كولن إلى أهل مصر

كلمة تهنئة من الأستاذ فتح الله كولن بمناسبة الحفل التعريفي بمجلة حراء الذي أقيم في القاهرة.

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه تعالى نستهدي ونستعين

وصلى الله على سيدنا محمد، خاتمِ الأنبياء والمرسلين

وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعـد؛

حَضَرَاتِ السادة والسيدات، رِجَالَ مِصْرَ الكرام، ونساءَها الصالحات...

أيها العلماءُ والمفكرون، والأدباءُ والمثقفون، ورجالَ الصحافةِ والإعلام...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنه ليسعدني اليومَ -سادتي- أن يكون هذا الوفد التركي من إخوتي بين أيدي نخبة من علماءِ مِصَرَ ومفكريها الكبار. ولولا ظروفٌ قاهرةٌ لكنتُ اليومَ معهم، فما أَسْعَدَ أن يَحُلَّ المرءُ ببلد الحضارة الشامخة والتاريخ المجيد.

أيها السادة المحترمون! لقد قَدِمْنَا إليكم لعرض مجلتِنا "حِرَاءَ" على أنظار حضراتكم مستنصحين ومسترشدين. فهذا مجالٌ لكم فيه فضل السبق والريادة والتأسيس، ونحن لكم فيه تَبَعٌ. قدمنا إليكم في عهد طالت به السنوات الشِّدَاد، فلا زرعٌ ولا ضَرْع، وأكلت بَقَرَاتُهُ العِجَافُ سِمَانَهَا، حتى حللنا بمصر بلد الكيل الكريم، والخير العميم، وموطن خزائن العلم والأدب. ورغم أننا جئنا ببضاعةٍ مُزْجَاةٍ من الثقافة والفكر فإننا نرجو أن نَمِيرَ أهلَنا، ونحفظَ مجلتَنا، ونزدادَ كَيْلَ بعير.

لقد قدمنا إلى مِصْرَ كِنَانَةِ الإسلام وحِصْنِهِ المنيع، ذاكرين الدور القيادي الذي أداه رجالُها -قديما وحديثا- في نصرة الإسلام، ونشره في كثير من بقاع الأرض، وكذا ما حققوه -بعد ذلك- من نهضة تجديدية في مجال الإصلاح الديني، وريادةٍ في إحياء اللغة العربية والشعر والأدب. وما كان لهم من سبق باهر، ونجاح ساحر، في مجال النشر والصحافة والإعلام. إننا نشعر الآن ونحن بين أيديكم -أحبتَنا الكرام– أننا نَصِلُ رَحِمَنَا، ونجدد عهدَنا، ونُحْيِي أُخُوَّتَنَا. فليس يخفَى أن دماءَنا واحدة، وأن دينَنا واحد، وتاريخَنا واحد، فلا غَرْوَ أن تكون أشواقُنا واحدة. وليس ثَمَّةَ رابطٌ أَوْثَقُ في تجديد الأخوة، وصِلَةِ الرحم الروحية التي بيننا من رابط الكلمة، الكلمة المؤمنة المتوضئة التي تفتح مغاليق القلوب، وتُحْيِي مَوَاتَ النفوس، وتجدد صلتها بالله.

أجل؛ جئناكم بمجلتنا الفَتِيَّة "حراء"، نضعها اليومَ بين أيديكم عساها تَلْقَى الاحتضان الحنون بصدركم، والمدَدَ الكريم من أقلامكم. فإنما هي وليدة صغيرة، رَجَعْنَاهَا إلى أمها كي تَقَرَّ عينُها ولا تحزن. فعسى اللهُ أن يُلْقِيَ عليها محبةً منه؛ فَيَكْفُلُهَا منكم كُتَّابٌ، ومفكرون، وعلماءٌ، وأدباءٌ، ونكون نحن على أبوابها وعَتَبَاتِهَا في خدمتكم. وأي خدمة أفضل من خدمة أهل العلم الذين حَمَّلَهُمُ اللهُ أمانةَ رسالتِه، ورايةَ دعوتِه، وتجديدَ دينِه.

هذا، وإننا نحسب -سادتي- أن الإبَّانَ قد حان، للتفكير الجدي في تجديد قنوات التواصل العلمي والثقافي، بين أبناء الأمة الواحدة علمائِها ومفكريها لتبادل وجهات النظر، وتعاطي ثمرات التجارب، وتقريب الرؤى والتصورات، فيما يتعلق بأمر تجديد الدين، وعلاجِ جراحِ الأمة الثَّخِينَةِ، ومحاربة اليأس والقُنُوطِ، وتوجيه الجيل إلى ظلال الاِسْتِرْوَاحِ من رَوْحِ الله، وتجديد الثقة به تعالى واليقين. ونحسب أن نشر الكلمة الطيبة، المحملة بالعلم النافع، والأخلاق الرفيعة، والسلوك الروحي الصافي، وإيصال مواردها العذبة إلى جميع الناس، اعتمادا على المنهاج القرآني السليم، القائم على الوسطية والاعتدال، ونشر المحبة والسلام لكفيل بالنهوض بهذا الهدف النبيل والمقصد الجليل.

أيها السادة الكرام! إن شعوب العالم لفي حاجة إلينا نحن معشرَ المسلمين، إذا نحن مَثَّلْنَا دينَنا وحضارتَنا حَقَّ التمثيل. وإنه لا عذر لنا اليوم في عدم التواصل الإيجابي مع الآخر، وعرض نموذجنا الإسلامي الراقي، في أسواق العالم الثقافية. بَيْدَ أن أولى الخطوات أن نتواصل فيما بيننا نحن أبناء الأمة الواحدة أولا. وعسى أن تكون مجلة "حراء" قناةَ اتصالٍ علمي، تجدد الأُخُوَّةَ بين العرب والأتراك، وتُسْهِمُ في إحياء لغة القرآن وروحه وثقافته.

سادتَنا الكرام! هذه مجلتنا ممدودة إليكم، تنشر صفحاتِها تحت مِدَادِ أقلامِكم، عساها ترتوي من نِيلِ أفكاركم، وفيضِ أرواحكم. فبكم ننافس إذا تنافست الصحف، وبكم نفخر إذا تفاخرت المجلات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم المحب لكم

محمد فتح الله كولن

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2021.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.