المدخل

الجهاد بالمفهوم الذي يدركه الجميع هو النضال والكفاح في سبيل إعلاء كلمة الله. وقد وُجد هذا النضال منذ أن وُجد الإنسان نفسه على الأرض وسيمضي إلى أن يرث الله الأرضَ ومَنْ عليها، وما المخاصمة التي حدثت بين ابني آدم عليه السلام إلا أول مثال له.

الجهاد لغةً كلمة واسعة المعنى، تتسع باتساع الأحوال وعوارض الظروف لكل عصر، إذ قد يتحقق أحياناً بالتضحية بالغالي والنفيس من الأموال، ويبلغ أحياناً أخرى درجة الفداء بالنفس في هذه السبيل. ومن هذه الزاوية فإن تعريفه بأنه "قتال الأعداء" ما هو إلاّ تحديد وتقليص لمعناه الواسع الشامل.

ولقد كسب الجهاد في عصرنا الحاضر خواصاً متميزة، حيث تحولت دنيانا إلى ما يشبه القرية العالمية، وتوسعت فيها وسائل الاتصال والنقل توسعاً هائلاً قد لا يتصوره خيالنا، وقد أثر توازن القوى العالمية -إلى حد ما- بمعناه ومفهومه. لذا فلا شك أن شكل الجهاد سيكون أيضاً مختلفاً في هذا العصر. ولا يعني هذا تغيّر معنى الجهاد ولا مضمونه.

وقد أضاف بديع الزمان سعيد النورسي بُعداً آخر جديداً لمصطلح الجهاد وذلك بقوله: "الظهور على المدنيين المثقفين إنما هو بالإقناع وليس بالضغط والإجبار".[1] فإذا ما تصوّرنا سيطرة تيار الفلسفة الوضعية والمذهب العقلي حتى على العالم الإسلامي، فضلاً عن العالم الغربي، فإن تبليغ الإسلام بلا شك إلى هؤلاء الناس سوف لا يكون ضمن ذلك المعنى الضيق للجهاد الذي ذكرناه آنفاً، أي "القتال"؛ إذ إن جهاد أولئك إنما يتحقق بإجراء مقارنة بين أسس النظم التي ارتضوها -الواحد تلو الآخر- مع أسس الإسلام. نعم إن جهادهم لا يتحقق إلاّ بهذا الأسلوب، أسلوب الإقناع.

والجهاد في الوقت نفسه -حتى الجهاد المادي- ليس فرضاً على الرجال دون النساء بل هو مسؤولية تقع على كل مؤمن مسلم حاز على شروط التكليف سواءً أكان رجلاً أم امرأة. فإذا ألقينا نظرة على الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة المتعلقة بالجهاد نشاهد هذه الحقيقة بوضوح، علماً أن نماذجها التطبيقية تملأ خير القرون وما أعقبته من قرون. وإذا ما أردنا مثالاً حياً لهذه الحقيقة من تاريخنا القريب، نجد المعارك التي دارت في أرجاء الأناضول وفي حرب جناق قلعة.. شاهدات على اشتراك الرجال والنساء معاً في الجهاد، بل حتى الشيوخ والأطفال حيث استنفر الجميع خفافاً وثقالاً في سبيل الله.

ولقد قُسّم الجهاد إلى قسمين في أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهما: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر. وفي الحقيقة إن هذا التقسيم عبارة عن وجهين لحقيقة واحدة؛ إذ المقصود من الجهاد الأكبر هو عملية إعلاء الإنسان ورفعه إلى مستوى الإنسانية الحقة من حيث حياته القلبية والروحية. أي محاولة الإنسان مجاهدة جهاد نفسه على مدى حياته كلها، وفي كل جزء من جزئياتها، حتى في الأكل والشرب وفي الحل والترحال، ومقاومتها عن كل ما لا يرضى عنه الله جل وعلا.

أما الجهاد الأصغر فهو جهاد الإنسان بماله ونفسه في سبيل الله حفاظاً على مقدساته، وإذا اقتضى الأمر قتال الأعداء وجهاً بوجه.

فحسب هذا المفهوم الشامل للجهاد، فإن الجهاد الأكبر هو الطريق الذي يسلكه الإنسان طوال حياته، أينما كان وكيفما كان وفي أي ظرف كان، بينما الجهاد الأصغر هو مزاولة الإنسان له إذا اقتضت الظروف، ويكون في أوقات معينة وبين حين وآخر.

وفي الحقيقة إن الشرط الأساس لتحقق الجهاد الأصغر له علاقة قوية أيضاً بما يحققه المجاهدون من الجهاد الأكبر في أنفسهم وما التزموا به برغبة وإصرار. نعم إنه لا يمكن أن يذوق النصر إنسان لا يعيش في نفسه تلك الحقائق التي ينافح ويذبّ عنها في كل ميدان يخوضه. لذا ينبغي لأبطال الجهاد أن يحققوا الجهاد في أنفسهم أولاً ويظلوا معها في جهاد مستديم حتى يكونوا أخرويين يسيحون في منازل الآخرة وهم ما زالوا في هذه الدنيا. ومن بعد ذلك عليهم أن يسعوا لإسعاف القلوب الظمأى إلى الحق والحقيقة.

ولو ألقينا نظرة فاحصة على صفحات التاريخ نجد أن الذين أوفوا التبليغ والإرشاد حق الوفاء، سلكوا جميعاً هذا المسلك. فابتداءً من الأنبياء عليهم السلام إلى الأصفياء والأولياء، أو بتعبير أوضح ابتداءً من سيدنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى الإمام الرباني والشيخ الكيلاني ومولانا خالد وبديع الزمان سعيد النورسي رحمهم الله، سلك جميعهم هذا المسلك. لذا منح الله سبحانه وتعالى كلامهم قوة وتأثيراً، بناء على إخلاصهم لله وصدقهم معه، حتى جعلهم يحيون -منذ عصورهم إلى الآن- بآثارهم الطيبة وذكرياتهم الجميلة، وشرح الله صدور المؤمنين لهم. وكأنه خلّدهم بسجل حسناتهم.

وللجهاد جهة أخرى تضم المجتمع بأكمله وتحتضنه، وهو جانب مهم جداً، إذ الإنسان جزء من المجتمع الذي يعيش فيه والمجتمع بدوره يتألف من الأفراد. فالمجتمع الذي يهدف كل فرد فيه إلى جهاد نفسه أولاً لدى أدائه فريضة الجهاد، لهو مجتمع متماسك مترابط، تنسد أبوابه أمام عوارض الزمن ونوائب الدهور، حيث أتم كل فرد فيه مهمته وأعدّ عدته المادية والمعنوية، فلا يمكن أن يصدّهم شيء عمّا يسيرون إليه من المقاصد والأهداف.

ولا يخلو مجتمع أو أمة -في أي عصر من العصور- ممن هم بحاجة ماسة إلى الإرشاد والتبليغ. لذا فالمؤمنون الذين يعيشون مع هؤلاء الذين يجوبون في وديان الضلالة ويبحثون عن طريق للخلاص ويضيّعون حياتهم في سبيل العدم، مضطرون إلى أداء فريضة الجهاد مع هؤلاء الذين يشاركونهم العيش في سفينة الحياة الواحدة. فهذا فرض في أعناقهم من حيث كونهم بشراً. ومن جهة أخرى فهو فرض ألقاه الله عليهم وكتبه لهم. فكل إنسان مكلف بأداء هذه الفريضة ضمن إطار موضعه وموقعه وأحواله، وحسب إمكاناته وطاقته. وبخلافه يكون حسابه عسيراً يوم الحشر الأكبر.

إن أمماً كثيرة جداً لا يتحملون -على أية حال- دور الإسلام المسيطر في العالم، والذي تحقق عبر التاريخ في عهد الأمويين والعباسيين وأخيراً العثمانيين، فهؤلاء يغمضون أعينهم عن الحقيقة، لذا من العبث توقع صدور فكر آخر منهم غير هذا النمط. وكما هو واضح أيضاً -في أيامنا الحاضرة- أن أعداء الإسلام ما زال عداؤهم على شدته وعنفه رغم مرور العصور، فتراهم يسلكون مسلكاً ذا وجهين محمّلين بكل السلبيات على الإسلام. وينشر الغرب ما لا يعد ولا يحصى من الكتب ويسخّر الأقلام لأجل بث هذا الفكر الغربي إلى العالم أجمع وحمل الناس على التصديق به، متخذين في اعتبارهم أن القضية هي قضية الإسلام والنصرانية ، ولم يغيروا سياستهم هذه على مدى العصور. فالمسلمون في نظرهم وُحوش ضارية، وسفاحون قتلة وجناة سفلة... وكم هو مؤلم أن في عالمنا نحن، من المثقفين على الرغم من قلتهم مَن يعتقد بهذه الفرية.

هذا وقد تناولنا هذا المفهوم الشامل للجهاد في كتابنا "النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية" وبشكل مفصل مع سرد الأمثلة الكثيرة من عصر النبوة وإيراد الأجوبة على ما يبثه الغرب من اعتراضات على الجهاد. لذا لا نرى داعياً للتطرق إلى ذلك الموضوع مرة أخرى. نعم، لقد وضحنا في ذلك الكتاب أن الأصل في الإسلام هو السلم وليس الحرب، وأفضنا في بيان أن الأسباب الموجبة للحرب هي الدفاع، والحدّ من الظلم، وفتح باب حرية الإرشاد والتبليغ. فمن شاء فليراجع ذلك الكتاب.

لم يبق مفهوم الجهاد في الإسلام منذ فجر الدعوة حتى يومنا الحاضر على حالة نظرية بحتة، بل ظهر في كل عصر من العصور من يحوّله إلى عمل في الحياة، وعلى أفضل وجه. ومن الجدير بالذكر أن الذين تم على أيديهم النصر -نصراً تاماً أو غير تـام- أصبحوا في أحيان أخرى مغلوبين على أمرهم. ولكن يتميز الصحابة الكرام -من بين ممثلي كل العصور- بأنهم دائماً في الذروة لا يرقى أحد إلى مقامهم الرفيع. فالمؤمنون الذين اتخذوا الصحابة الكرام قدوتهم -كما أمر به الرسـول صلى الله عليه وسلم- قد ساروا في الدرب الذي ساروا فيه. وسيحظون بالحشر معهم يوم القيامة بإذن الله.

ونحن في هذا الكتاب، حاولنا -كما سيتبين- سرد أجمل الأمثلة للجوانب العملية لمفهوم الجهاد في الإسلام.

أما حكم الجهاد -وفق القواعد الإسلامية- فهو يختلف حسب الظروف المحيطة. فإن كان اسم الله مَنسياً في موضع ما، وأوامره ونواهيه يضرب بها عرض الحائط، فالجهاد في ذلك الموضع فرض عين على كل مؤمن، بل هو أفضل الفرائض وأوجبها، ولاسيما إن كان ذلك المجتمع أسير ذلك المفهوم بمؤسساته ومنظماته. ولا يكون الجهاد فرض كفاية إلاّ إذا أدّت مؤسسات ومنظمات -في جبهة الإيمان- وظيفتها وبصورة منتظمة منسقة.

والآن يمكننا أن نمضي في فصول الكتاب بدءً بمعنى الجهاد لغةً واصطلاحاً، ثم تعريفه، ومضمونه بجمل قصيرة موجزة.

الهوامش

[1] سيرة ذاتية لبديع الزمان سعيد النورسي، ص:95.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2021.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.