القسم الثالث: نصوص مرجعية في الزمن والوقت

الإحساس بالزمن

لكي نستطيع الإحساس بالشريط الزمني السعيد الذي نعيش فيه حقَّ الإحساس، يجب أن تكون الأرواح والضمائر مستعدَّة لسماع مثل هذه الموسيقى والشعر الآتي من وراء آفاق السماوات. أمَّا الأرواح الفجَّة من حيث عوالمها الداخلية وبيئاتها الخارجية وأنماط سلوكها الحياتية... أصحابُ مثل هذه الأرواح يحسبون أنَّ الزمن عبارة عن تغير الأهلَّة، لا غير، في صفحة السماء.

لقد تلوَّث الجو العام في أيامنا الحالية بأصوات محطَّات الإذاعة والتلفيزيون والطائرات والسيارات والبواخر والترامْوايات، وبضوضاء الصفارات وجلبة الدعايات والإعلانات، إلى درجة أننا أصبحنا بحاجة إلى عملية جراحية روحية وفكرية. وما لم تتم مثل هذه العملية الجراحية، وما لم يتم التوجُّه الكامل للآخرة، لا يمكن فهم وإدراك سماوية هذه الأشهر المباركة، ويصعُب جدًّا، بل ربما يستحيل سماع الموسيقى الحالمة الآتية من وراء السماوات.

أجل!. إنَّ الذين يستطيعون الاستماع إلى الوجود من خلال منافذ قلوبهم، تنقلب الأيام والليالي المباركة لديهم إلى شاعر يتكلَّم بلغة ما وراء هذا العالم، وإلى ملحِّن لألحان موسيقى من عالم آخر، فيهمسان في قلوبنا أعذب الكلمات والألحان. وتقوم هذه النسائم التي تهبُّ علينا بإزاحة الصور الأخرى المادية التي تحيط بكياننا الماديِّ لتوصلنا من خلال المنافذ والممرات الخاصة التي تفتحها في أعماق قلوبنا والمطلَّة على دار العقبى... لتوصلنا إلى السفوح المجهولة للعالم وللطرف الآخر لنغرق في لجة من الوجد. في مثل هذه الأوقات يكون الصباح كأنه سعادة الخطوة الأولى في دخول الجنة، والظهر كأنه أوان التخلُّص من تعب النهار، ولحظة الفرحة لرؤية الحبيب والتملِّي بحسنه. ويكون المغرب أوان سعادة المشي لوصال الحبيب عند إقبال الظلام. أمَّا الليل فهو أوان لأنواع لا يستوعبها العقل والإدراك من ألوان جمال الخلوة. وكلُّ وقت من هذه الأوقات يمر بطعم وبلذة مختلفة ثم يذهب ويغيب. (ترانيم روح، ص:165-166).

رشحة

لقد تلوث الجو العام في أيامنا الحالية بأصوات المحطات والصفارات والدعايات والإعلانات، إلى درجة أننا أصبحنا بحاجة إلى عملية جراحية روحية وفكرية.

الحركية والفكر

تدريب الأذن على التخلص من ضجيج الحياة، والاستماع إلى صوت الروح والمعنى والوجود.

يجب أن تكون الأرواح والضمائر مستعدة لسماع الموسيقى والشعر الآتي من وراء آفاق السماوات.

 

تنظيم الحياة على إيقاع الصلاة

إنَّ انتظار الإنسان أوقات الصلاة بلهفة تَقرُب من لهفة العاشق إلى الوصال، وتنظيم أوقات حياته ونشاطه حسب أوقات الصلاة مفهوم خاصٌّ للزمان، يستطيع به الإنسان أن يملأ الفراغات الموجودة بين مختلف أوقات أعماله، وينقل الهدوء والاطمئنان والارتباط بالله تعالى الموجود في الصلاة إلى خارج أوقاتها، ويربط كلَّ مشاغله الدنيوية بالله تعالى فيحوِّل كلَّ هذه المشاغل إلى عبادة، فتتحوَّل العبادة المحدودة إلى عبادة غيرِ محدودة، فيكون أداء الصلاة بروح الانتظار عنوان ارتباط العبد بربه، وبمثابة الجهاد الماديِّ والمعنوي المعبَّر عنه بكلمة "الرباط". (النور الخالد، ص:223).

رشحة

يستطيع الإنسان أن يملأ الفراغات الموجودة بين مختلف أوقات أعماله، وينقل الهدوء والاطمئنان والارتباط بالله تعالى الموجود في الصلاة إلى خارج أوقاتها.

الحركية والفكر

تنظيم البرنامج اليومي للمسلم على إيقاع الصلاة.

نقل روحانية الصلاة إلى عالم المشاغل، لا العكس.

أداء الصلاة بروح الانتظار، والجهاد، والرباط، يحوِّل العبادة المحدودة إلى عبادة غير محدودة.

 

الرسول صلى الله عليه وسلم يتجاوز حدود الزمان وصحابته على إثره

الرسول والمعرفة المتجاوزة للزمان

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يعرف الأيام المقبلة مثلما يعرف يومَه، بل مثلما يعرف راحة يده، وكان هذا كيفيةٌ خاصَّة به. فالرسول r كان يضع دساتير جديدةً تبقى نضِرةً يانعةً رغم تقدُّم الزمان.. يشيخ الزمان، ولكن يتجدَّد شباب هذه الدساتير على الدوام. (النور الخالد، ص:333)

انطواء الزمان والمكان عند رسول الله r

كان هناك شخصٌ واحد في مكَّة لم يستطع المشاركةَ في هذه البيعة، وهو عثمان بن عفان t الذي لم يكن أحد من المسلمين يعرف عما إذا كان حيًّا أم ميتًا. في هذه الأثناء كان الرسول r يعيش إحدى فتراته التي يتجاوز فيها الزمان والمكان وينطويان أمامه... رفع رسول الله r يده اليمنى قائلاً: «هذه يدي» ثم رفع اليسرى قائلاً: «وهذه يد عثمان» ثم ضرب إحداهما بالأخرى. ما أقدس هذه البيعة التي يقوم الرسول الوكالة فيها. (النور الخالد، ص:380).

صحابة رسول الله r اجتازوا أبعاد الزمان والمكان

أمَّا نحن فقد حُبسْنا ضمن سجن المكان ذي الأبعاد الثلاثة، وضمن الزمان الذي هو بُعد نسبي، أمَّا الصحابة الكرام y فقد اجتازوا أبعاد الزمان والمكان إلى بُعد آخر لا ندركه. هؤلاء هم تلاميذ الرسول r، وسينشأ في المستقبل إن شاء الله تعالى أمثالهم. (النور الخالد، ص:340)

التجليات الجوانية لنظام الوجود

هناك جانب للروح يتجاوز الزمان والمكان.. وما نعرفه عن الزمان والمكان ليس شيئًا قطعيًّا، كما أن الأمور المعروفة في هذا الموضوع ليس شيئًا كثيرًا. فـ"أينشتاين" يقول بوجود بُعد رابع غير أبعاد المكان الثلاثة -مع أن هذا لم تتم البرهنة عليه بمعطيات القوانين الفيزيائية حتى الآن- هذا مع العلم أن كثيرًا من أولياء الله وقفوا على هذا الأمر، وكانت أحوالهم التي تتجاوز الزمان والمكان إشارة إلى التجليات الجوانية لنظام الوجود.(النور الخالد، ص:653).

رشحة

كان الرسول r يعرف الأيام المقبلة مثلما يعرف يومَه، بل مثلما يعرف راحة يده.

يشيخ الزمان، ولكن يتجدَّد شباب الدساتير التي يضعها رسول الله r.

الصحابة الكرام y اجتازوا أبعاد الزمان والمكان إلى بُعد آخر لا ندركه.

نحن حُبسنا ضمن سجن المكان ذي الأبعاد الثلاثة، وضمن الزمان الذي هو بُعد نسبيٌّ.

ما نعرفه عن الزمان والمكان ليس شيئًا قطعيًّا.

الحركية والفكر

من الحصافة أن نرتبط بالدساتير التي لا تقدم مع الزمان، وأن نعرض عمَّا يبلى يوما بعد يوم.

لنبشِّر دومًا بجيل يأتي على إثر الصحابة الكرام y، الذين تجاوزوا معايير الزمان والمكان

ليبايع كلُّ واحد منَّا رسول الله r بيعة عثمان t، التي هي رمز لإمكانية البيعة إلى يوم الدين.

ولنعلنها صريحة: "يا رسول الله، هذه يدي".

 

حلُّ المعضلات بالتحرُّر من قيود الزمان

في هذه الأيام المطلَّة على أيام الحبور، إذ يستنشق فجرَها أنفاس العيد، نجدُ في الواقع نوبات مرضٍ ومعضلات تبدو مستعصيةً على الحلِّ. وإنَّ العلل الاجتماعية، والأمراض "الملِّيّة"، والآفات الطبيعية، وما يشبهُ هذه الأزمات التي تستشري في جسد المجتمعات، لا تعالَج بتدابير يوميةً قصيرة الباع. فإنَّ معالجة أزمات واسعة الآثار كهذه، منوط بشيوع البصيرة والعلم والحكمة في المجتمع. وعلى نقيض ذلك: الاشتغال بمعالجتها بسياسات "المناورة اليومية" التي لا غاية لها ولا أفق فيها، ليس إلاَّ هدرًا للزمن. ونعلمُ من أمسنا ويومِنا أنَّ رجال الروح والمعنى والبصيرة قد حلُّوا عُقَد أعصى المعضلات والأزمات بيسرٍ لا يستوعبه خيالنا، وذلك بسعة آفاقهم وعلوِّ هممهم، وبتحريك قسمٍ من مصادر قوَّة اليوم لحساب المستقبل. وكثيرًا ما حسبنا تدابيرهم الفذَّة فوق قدرةِ البشر وأصابنا الدهش والشَّدَه منها. والواقع أنَّ ما قاموا به هو ما يقوم به كلُّ موفَّق من الرجال... ألا وهو استنفاد كلِّ الطاقات والقدرات التي وهبها لهم الحقُّ تعالى وبأحسن وجه مفيد.

نعم، أولئك ينشغلون بحساب الغد مع اليوم قيامًا وقعودًا، ويستعملون الإمكانات والحركيات الحاضرة أحجارًا لإنشاء الجسور الموصِلة إلى الغد، ويجدون في حناجرهم غصص نَقْل الأيام الحاضرة إلى الأيام القابلة... يبتلعون حسابات هذا النقل غصَّة بعد غصَّة، لأنَّ حلّ عقدة المعضلة مرتبط بتجاوز الزمن الحاضر، بل بالتحرُّر من قيود الزمان... إلى درجة النظر إلى الماضي والحاضر والقابل، والقدرةِ على تحليله وتقويمه، بالصفاء والنقاء نفسه. هذا الفكر الرحيب الذي يعني احتضان الغد منذ الآن، وفهمَ محتوى المستقبل روحًا ومعنى، سَمّه إن شئت "مثالية". لكن لا يُتصوَّر أن يتغلَّب من لا تتسع آفاقه هذا الاتساع على معضلات ومشاكل كهذه، ولا أن يَعِدنا بشيء ذي بال باسم المستقبل. إنَّ الفخامة والعظمة والحياة الصاخبة لفرعون ونمرود ونابليون وقيصر وأمثالهم، لم تقدِّم شيئًا باسم المستقبل -مهما كبرت أعمالهم في عيون قوم يحسنون الظن بلا تمحيص- بل محالٌ ذلك؛ لأنَّهم وضعوا الحقَّ تحت إمرة القوَّة، وشدُّوا الروابط الاجتماعية حول المنافع، وقضوا أعمارهم عبيدًا للنفسانية عبودية لا ترتضي عتقا.(ونحن نقيم صرح الروح، ص:110).

رشحة

الأزمات التي تستشري في جسد المجتمعات، لا تعالج بتدابير يومية قصيرة الباع.

إنَّ حلَّ عقدة المعضلة مرتبط بتجاوز الزمن الحاضر، بل بالتحرُّر من قيود الزمان... إلى درجة النظر إلى الماضي والحاضر والقابل، والقدرة على تحليله وتقويمه، بالصفاء والنقاء نفسه.

الحركية والفكر

مهما بدت المعضلات مستعصية، لا بدَّ من الأمل في حلِّها، باعتماد المقدِّرات والملكات المتجاوزة للزمان

لنعالج أزماتنا الواسعة بإشاعة البصيرة والعلم والحكمة في المجتمع، لا بالانخداع بمعالجتها بسياسات "المناورة اليومية" التي لا غاية لها ولا أفق فيها.

 

علم الله تعالى يطلُّ من الأعلى، ويقهر الزمان والمكان

علم تابع وعلم قاهر

لنفكِّر -مثلاً- في قطار يقطع المسافة بين محطّتين معلومتين بزمن معلوم. فهذه نتيجةٌ محسوبةٌ ومحسومةٌ وهي معلومة قبلَ حركة القطار بكثير. وتطبع هذه المعلومات في قوائم ولوحات أحيانًا. فالنتيجة المعلومة هذه عبارة عن تخطيطٍ وتصميمٍ. والآن إذا ما قسنا المثال على مسألتنا نقول: "إنَّ هذه النتيجة هو القدر"؛ إلاَّ أنَّ هناك أمرًا وهو أنَّ هذه المعلومات التي لدينا ليست قوَّة جبرية تدفع القطار إلى الحركة؛ بمعنى أنَّ القطار لا يسير إلى المحطَّة المعنيَّة لأنَّ هذه الخطة مرسومة ومصمَّمةٌ، وإنما لأنَّ القطار سيكون في تلك المواعيد في تلك المحطَّات حسب تصميم هذه الخطَّة، أي في قَدَر القطار يُسجَّل هكذا؛ حيث إنَّ العلم تابع للمعلوم. فكيفما يكن الشيء يكن العلم به، ويوضع التقدير بحقِّه وفق ذلك العلم.

إنَّ علم الله سبحانه يطل من الأعلى، ينظر في آن واحد إلى كلِّ ما حدث ويحدث وما سيحدث كأنه حادث الآن. فالسبب والنتيجة، والعلَّة والمعلول، والبداية والنهاية، مندمجة كلُّها في علمه، منحصرة كلُّها في نقطة واحدة بلا زمان ولا مكان. ولهذا فليس هناك أوَّل وآخر، وقبلُ وبعدُ. أي أنَّ علم الله سبحانه محيط بكلِّ شيء من جميع جهاته. فهو سبحانه يقدّر تقديره وفق هذا العلم المحيط. ولهذا فهذا التقدير قد حسب حساب إرادة الإنسان في الأفعال الإرادية ولا يخرجها من حسابه، أي لا يبطلها. (القدر في ضوء الكتاب والسنة، ص:24)

لولا مشيئته سبحانه لما كان زمان ومكان

على الرغم من كون الإنسان صاحب اختيار وإرادة، فلله الخلقُ والأمر، فلا يحدث شيء قطعًا ولا يردُ شيء إلى الوجود أصلاً ما لم يصدر الأمرُ منه تعالى. فلولا مشيئته لم يكن زمان ولا مكان؛ ولو لم يرد دوام ما أوجده لأصبح كل شيء هباءً منثورًا.

فهو الذي قلّد جواهر الوجود على جيد العدم، وهو الذي فتح أبواب السماء على ظلمات العدم، وهو الذي جعل الأكوان كلَّها كالكتاب وكالمعرض، ونوَّرها ليُقرأ الكتاب ويُشاهد المعرض. فالعيون تتفجَّر بأمره، والسيول تجري بأمره، والجبال تتصدَّع وتسقط بأمره.. أحجار تتحوَّل إلى تراب، بفتْح صدرها للبذور والنوى؛ والسهول والوديان تتسربل بحلل سندسية بأمره، حتى تغري نظر الأرض والسماء.. وتتحوَّل الأرض من أقصاها إلى أقصاها جنانًا وارفة بنسائم أوامره، فتشحن البساتين والحدائق بالثمار والفواكه، وتغرِّد الطيور والطويرات بأمره.. بل حتى يتكلم كلُّ كائن حيٍّ وغير حيٍّ، كل بلسانه، حامدًا، داعيًا، سائلاً منه تعالى. (القدر، ص:31).

رشحة

المعلومات التي لدينا ليست قوَّة جبرية تدفع القطار إلى الحركة.

في حقِّ المخلوقات: العلم تابع للمعلوم.

السبب والنتيجة، والعلَّة والمعلول، والبداية والنهاية، مندمجة كلُّها في علمه تعالى، منحصرة كلُّها في نقطة واحدة بلا زمان ولا مكان.

لولا مشيئته لم يكن زمان ولا مكان؛ ولو لم يرد دوام ما أوجده لأصبح كل شيء هباءً منثورًا.

الحركية والفكر

الحذر كلُّ الحذر من الوقوع رهينة المعلومات، والتورط في سجن المعلوماتية.

العلم اليقيني الوحيد، هو علم الله تعالى، الذي يسمو على الزمان والمكان، فلنثق فيه، ولا نشك قيد أنملة، ولنسأله سؤال الخضر: "اللهم علِّمنا من لدنك علما"، وسؤال الملائكة: "سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم"

يقول ابن العربي: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم ولا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء.

 

تسارع الزمان... وتقارب الزمان

حيث تسارُع الزمن

الثقوب السوداء... هذه النجوم المؤلَّفة من الإلكترونات والنوى [النوى: جمع نواة]. فحينما تفقد الإلكترونات طاقتها تنهار، وعندما تنهار النوى ويتراكم بعضها على بعض تتحوَّل النجوم العملاقة إلى نجوم قزمة. فإن كانت هذه النجوم بحجم الشمس أو أصغر منها تحوَّلت إلى نجوم نابضة. ومع أنَّ هذه النجوم لا تفقد شيئًا من كتلتها ووزنها إلاَّ أنَّ حجمها يصغر جدًّا، ثم تتحوَّل إلى ثقوب سوداء كبيرة. وهذه الثقوب لا تُرى ولكنَّ الضوء المارَّ بقربها يختفي، أي يتمُّ امتصاصه من قِبل هذه الثقوب. ويتسارع الزمن فيها. وعندما تختفي الأشياء في دوامة هذه الثقوب تحدث أمور تحفُّها الأسرار، فمثلا إن اقتربت مجموعة كالمجموعة الشمسية من هذه الثقوب السوداء أصبحت لقمةً سائغة لها وتحطَّمت واختفت فيها. ويقول بعض علماء الفيزياء الفلكية عن هذه الثقوب السوداء بأنها مَوَاقِع النُّجُومِ(الوَاقِعَة:75). (أضواء قرآنية في سماء الوجدان، ص:324).

تقارب الزمان، والماهية

وفي حديث آخر يقول الرسول r: «لا تقوم الساعة حتى يكون القرآن عارًا ويتقارب الزمان وتنتقض عراه».

وكلمة «التقارب» الواردة في الحديث تعني اقتراب شيئين من بعضهما، وهذا يشير من جهة إلى نسبية الزمان، ومن جهة أخرى إلى أن الأمور التي كانت تأخذ وقتًا طويلاً لإنجازها في العهود السابقة ستنجز في وقت قصير. فمن المعلومات البديهية التي يعلمها الآن حتى الأطفال أنَّ التقدم الصناعي والتكنولوجي جعلنا ندخل إلى عالم من السرعة المذهلة في كلِّ ناحية من نواحي حياتنا. وكما يشير الحديث الشريف إلى هذا الأمر فإنه يشير من ناحية أخرى إلى وسائط النقل السريعة التي قرَّبت المسافات. كما أود الإشارة إلى مسألة يعرفها مَن يعمل في مجال علم الفلك والفيزياء الفلكية، وهي أنَّ الأرض تأخذ تدريجيًّا وبمرور الزمن شكلاً بيضويًّا، وهذا التغير يؤثر على الزمن وعلى ساعاتنا دون أن نشعر. وهناك معنى آخر أفهمه من هذا الحديث وهو: أنَّ للزمن ماهية نسبية، ولكن مع هذا فأينما كان فالزمن هو زمن، فلو ذهبت مثلاً إلى برج الثور ونظرت من هناك إلى سحابة تبعد عنك أربعين مليون سنة ضوئية وتتحرك بسرعة 150 ألف كيلومتر في الثانية، فستشاهد أزمانًا مختلفة.

ولو استطاع الإنسان يومًا الخروج خارج المجموعة الشمسية، فلا شكَّ أنَّ المفهوم الحالي للزمن سينقلب عنده رأسًا على عقب. وهكذا فبوساطة كلمتين سحريتين وهما «تقارب الزمان» يشير رسول الله r إلى ما سيحدث من تغير في مفهوم الزمن عندنا.

ولنا أن نتساءل الآن: أمثل هذا القول قول بشر؟ مَن غير صاحب الزمان والمكان الذي يغيرهما بيد القدرة؟! مَن غيرُه كان يعلم مثل هذه الحقائق..؟! أكان هذا العلم ضمن قدرة شخص أميٍّ عاش في بيئة أميَّة..؟ كلا طبعًا. فالله هو الذي علَّمه هذا من علمه وقام بتبليغنا بذلك.

الأيام والشهور والأعوام والعصور تمضي والعلم والتقنية تتقدَّمان بخطوات جبارة، وعندما يتمُّ الوصول إلى الهدف نرى هناك الحقائق التي أخبرنا بها رسول الله r قبل عدة قرون، فلا يستطيع رجل العلم أن يخفي إعجابه فيقول من كل قلبه "أنت هو الصدق بعينه يا رسول الله r!"(النور الخالد، ص:106-107)

رشحة

يقول بعض علماء الفيزياء الفلكية إنَّ الثقوب السوداء هي "مَوَاقِع النُّجُومِ"".

هناك معنى آخر أفهمه من هذا الحديث وهو: أنَّ للزمن ماهية نسبية.

بوساطة كلمتين سحريتين وهما "تقارب الزمان" يشير رسول الله r إلى ما سيحدث من تغير في مفهوم الزمن عندنا.

الحركية والفكر

فتح الآفاق على العلوم يزيد في اليقين، ويمكن من فهم الأسرار.

باطلاعنا على الفلك نعرف جوانب لامُتناهية من عظمة الخالق سبحانه.

اليومَ، على المسلمين واجب استعادة الريادة، لا في الأرض فقط، بل فيما وراء الجوزاء.

 

معرفة العصر، وسرُّ القبول والتأثير

لقد تبدَّل تقويم الأشياء والنظر إلى الحوادث في وقتنا الحاضر تبدلاً كليًّا، فالمنطق والعقلانية في مقدِّمة الأمور، وقد حازتا أهمية كبرى في التقويم، حيث إنَّ الكفر والإلحاد يتكلَّمان باسم العلم والفلسفة. ومِن هنا يضطر المسلم إلى مقابلتهم بالأسلوب نفسه، وهذا وثيق الصلة بمعرفة ثقافة عصره، وما العلم والعرفان اللذان لا ينفكّان عن المسلم إلاَّ هذا الأمر.

إنَّ من لا يعرف مجريات عصره كمن يعيش في دهليز مظلم، عبثًا يحاول أن يبلّغ شيئًا عن الدين والإيمان إلى الآخرين، فعجلات الزمن والحوادث ستفقده التأثير إن عاجلاً أو آجلاً. ومن هنا فعلى المؤمن أن يفهِّم ويبلِّغ -ما ينبغي أن يُفهَّم- بأسلوب ملائم ومنسجم مع المستوى الفكري والعلمي والثقافي لعصره، ولعلِّي أجزم أنَّ مرشدًا وداعية -في يومنا هذا- إذا ما تمكَّن من تطبيق هذه النقطة المذكورة يسبق الأولياء والأقطاب في الآخرة، إذ يقف خلف الأنبياء عليهم السلام. نعم إنَّ هذه النقطة سامية وجليلة إلى هذا الحد. علمًا أنَّ التمسك بها وتنفيذها صعب أيضًا مثلما أنها ضرورية جدًّا.

إنَّ من لا يعرف عصره لا يختلف عمن يعيش تحت الأرض، بينما المبلّغ أو الداعية يجوب في الفضاءات. وعندما يجول بين النجوم بعقله، يعاين بقلبه وبلطائفه الأخرى رياض الجنان، أي عندما يحجزه عقله في المختبر جنب "باستور"، ويسيّره برفقة "أنشتاين" في أعماق الوجود، تراه واقفًا بروحه بكلِّ إجلال وتوقير أمام الله سبحانه وأمام رسوله الكريم، فينصبغ بصبغة الله مراتٍ ومراتٍ في اليوم الواحد.. وأعتقد أنَّ المرشد الحقيقي هو هذا. تأمَّلوا في كلام النبي r، لماذا لقي قبولاً وتأثيرًا لدى مخاطبيه؟ لأنه تعامل مع عصره بمثل ما يتعاملون به بينهم. ولا شكَّ أن جميع الأوامر الآتية من الربِّ الجليل لا تخالف الحوادث الجارية في الكائنات، ويكفي للإنسان أن يدرك حكمة الوجود وروحه، فينسّق ما يريد أن يبلّغه وفق ذلك.

وكذا الأمر لدى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، أخذوا ظروف واقعهم ومستوى مخاطبيهم بنظر الاعتبار لدى تبليغهم ودعوتهم، وذلك ما تعلّموه من الرسول الكريم r، ولذا سَمَوا إلى مستوى رفيع في قوة التأثير مما جعل الدنيا تجثو أمامهم في أقصر وقت. وكذلك فعل جميع العظماء الذين أتوا بعدهم من الوارثين الحقيقيين للرسول الكريم r، سلكوا الأسلوب نفسه في التبليغ وإن تخالفت مسالكهم، حيث أدركوا مدارك عصرهم، فدام تأثيرهم إلى يومنا هذا، كالإمام الغزالي والإمام الرباني ومولانا جلال الدين الرومي وأمثالهم من الدعاة الأثبات.

ولكن لما آل الأمر إلينا.. فأسفًا.. أدرنا ظهرنا إلى العلم، كوارثين غير صالحين لأولئك الأبرار؛ حيث دمّرنا ما يجعل المسلم مسلمًا حقًّا من آداب وأركان، فنحن ضحايا جهلنا. (طرق الإرشاد في الفكر والحياة، ص:101).

رشحة

إنَّ الكفر والإلحاد يتكلَّمان باسم العلم والفلسفة.

من لا يعرف مجريات عصره كمن يعيش في دهليز مظلم.

من لا يعرف عصره لا يختلف عمن يعيش تحت الأرض، بينما المبلّغ أو الداعية يجوب في الفضاءات.

لما آل الأمر إلينا.. أسفًا.. أدرنا ظهرنا إلى العلم، كوارثين غير صالحين لأولئك الأبرار.

نحن ضحايا جهلنا.

الحركية والفكر

تأمَّلوا في كلام النبي r لماذا لقي قبولاً وتأثيرًا لدى مخاطبيه؟ لأنه تعامل مع عصره بمثل ما يتعاملون به بينهم.

يكفي للإنسان أن يدرك حكمة الوجود وروحه، فينسّق ما يريد أن يبلّغه وفق ذلك.

 

بحث في "الأزل، والفناء، والوجود"

وجود الحقِّ تعالى يعلو على الزمان

الأزل ليس نهاية الزمان الماضي، إنه لا زمان. فلو بلغَت الأزمان (كاتريليون x كاتريليون) سنة لما بلغ عشر معشار الأزل. بينما يعرف الجميع تقريبًا الآن بأنَّ المادة التي هي أساس تسلسل الأسباب لها بداية معيّنة. فحركات الألكترونات، وأسرار فيزياء نواة الذرَّة، والعمليات الغامضة التي تجري في الشمس وتؤدِّي إلى إطلاق الإشعاعات، والقانون الثاني للديناميكا الحرارية "الثرموديناميك" -وهو القانون الشامل للكون-... يشير إلى أنَّ لكل شيء نهاية. كلُّ هذه الأمور أدلَّة على ضخامة النجوم وعلى وضوح الشموس وبريقها، وكلُّ شيء له نهاية لا بدَّ أن تكون له بداية، وهذا أمرٌ واضح قد لا يحتاج إلى أيِّ نقاش.

لذا فإنَّ أيَّ شيء أسبغت عليه نعمة الوجود يشير إلى الخالق ويدلُّ عليه، كذلك فإنَّ انطفاء وجوده وفنائه يدلُّ على أنَّه (أي الخالق) لا أوَّل له ولا آخر. لأنَّه إن كانت القاعدة الآتية صحيحة وهي "ما كانت له بداية كانت له نهاية"، كان من الضروري "أنَّ ما لم تكن له بداية لم تكن له نهاية". لذا فإننا نرى أنَّ المادة وكلَّ شيء نبع منها إن كان موجودًا اليوم فهو غير موجود غدًا. ولكنَّ سير الكون البطيء نحو الفناء، والفناءَ التدريجيَّ للمادَّة قد يخدع الكثيرين. ولكن مصير هذه العوالم -التي نمت وتوسَّعت ضمن عهود طويلة- هو إلى الفناء. أجل إنَّ المادة مع أنها موجودة اليوم، فإنها -على ضوء بعض الأبحاث- متوجهة دون شك نحو التغير. والآن لنوضح هذا بمثال قطار أيضًا:

لنفرض أنَّ قطارًا توجه من مدينة "إِزْمِير" نحو "تُورْكُوتْلُو" التي تبعد عنها 55 كم. ولنفرض أنَّ سرعة القطار كانت 55 كم/ساعة عند بداية الرحلة، أي أنَّ الرحلة ستستغرق ساعة واحدة. سار القطار بهذه السرعة نصف ساعة ثم هبطت سرعته إلى النصف بعد أن بقي من المسافة 27،5 كم، أي أنَّه سيقطع نصف هذه المسافة فقط في نصف ساعة، ولنفرض أنَّ القطار كلَّما سار نصف ساعة أنقص سرعته إلى النصف... وهكذا، مثل هذا القطار يبدو أنه لن يصل إلى مدينة "تُورْكُوتْلُو" أبدًا. ومع أنَّ القطار سيصل حتمًا إلى هذه المدينة إلاّ أنَّ راكب القطار قد يتصور أنه لن يصل إلى المدينة أبدًا بهذه السرعة المتناقصة.

وشبيه بهذا فإنَّ المادة سائرة نحو التحلل والتجزؤ. وسيتحقق هذا وإن كان بعد عدة ملايين من السنين، أي أنَّ كل شيء فانٍ سواه تعالى.. سوى الموجود الذي لا يستند وجوده إلى شيء آخر غيره.

والخلاصة أنَّ الله موجود وهو خالقُ كلِّ شيء. وتوهُّم أنه مخلوق تفكير ساذج يسند إلى الخالق صفة المخلوق ولا يميز الفرق بين الخالق وبين المخلوق. (أسئلة العصر المحيّرة، ص:22).

فناء الزمان والمكان، ردٌّ على التطوريين

نودُّ أولاً أن نذكِّر بأنَّ التطوريين -سواء شعروا بهذا أم لم يشعروا- يتوهَّمون مكانًا لانهائيًا. لأنَّ إسباغ صفة الأزلية على المادة، وسحب بداية التطور إلى زمن غير معلوم ضمن هذه الأزلية، يعني إسباغ صفة الأزلية على المكان، لأنه لا يمكن التحدث عن الزمان وعن المكان بشكل منفصل، لارتباط أحدهما بالآخر.

إنَّ الزمن يملك وجودًا اعتباريًّا (اسميًّا)، والمكان هو الذي يجعل الزمان بعدًا للأشياء وللحوادث. بدون المكان لا يكون للزمان وجودٌ. أمَّا ما نطلق عليه اسم المكان فهو عبارة عن عالم المادة، أي عالم الذرَّات. لذا فعندما تتم البرهنة على عدم أزلية المادة، يظهر أمامنا عدم أزلية المكان والزمان. وأي شيء لا يملك صفة الأزلية لا يمكن أن يكون خالقًا ولا أن يظهر للوجود بنفسه تلقائيًا.

ثم إن القانون الثاني للديناميكية الحرارية (الثرموديناميك Thermodynamic) الذي أصبح معروفًا من قبل الكثيرين ينفي أزلية المادة. إنَّ القانون الأوّل للديناميكية الحرارية هو حول حفظ الطاقة. أمَّا القانون الثاني فهو قانون "كارنوت" المشهور. وحسب هذا القانون فإنَّ الجسم الحارَّ يبعث الحرارة حواليه حتى يأتي يوم تنتهي فيه هذه الحرارة. كما أنَّ مصادر الضوءِ والطاقة تبعث الضوء والطاقة حواليها حتى يأتي يوم تتساوى فيه الطاقة في جميع أرجاء الكون، فيقف انتقال الطاقة. وهذا وإن كان لا يعني فناء الطاقة، إلاَّ أنه يعني الموت ويعني زوال الزيادة والنقصان في الكون. وضع "كارنوت" هذا القانون نتيجة مشاهداته وتجاربه عندما كان يغلي الماء في بيته، وعندما كان يلاحظ حرارة مدفأته. ثم تم توسيع تجاربه هذه وربطها من قبل كبار العلماء بنظام معين، ويتم اليوم تدريس وتعليم هذا القانون باسمه.

لا يمكن اليوم ذكر شيء أكيد حول تأثير الديناميكية الحرارية الكلي في الكون. ولكن يمكن القول بأنَّ الكون ليس كتلة واحدة صلدة، بل يتألف من أجزاء. وما يجري على جزء منه يجري على الكلِّ فيه. وقد دلّت التجارب والمشاهدات في هذا الميدان بأنه إن لم تقم القيامة قبله بسبب من الأسباب، فإنَّ القيامة الناتجة عن قانون الثرموديناميك (الديناميكية الحرارية) ستقع حتمًا، أي ستنفد الطاقة في الكون وينهار النظام (System) فيه. وقد يتساءل البعض عن العلاقة الموجودة بين عدم أزلية المادة وبين هذه القيامة الثرموديناميكية، أو "ما الطعنة التي توجهها هذه العلاقة إلى أزلية المادة والزمن؟"..

لنبين أولاً بأنَّ الظاهر هو أنَّ الذين يقولون بأزلية المادة لا يعرفون معنى الأزلية. فلو وضعت أصفارًا بعدد رمال جميع الصحارى في الأرض أمام الرقم واحد، لعدّ هذا الرقم الهائل صفرًا بالنسبة للأزل. وكذلك الأمر بالنسبة لأكبر عدد يمكن أن يتفتق عنه ذهن الإنسان أو يستطيع التفكير فيه أو تخيله فهو أيضًا يعد صفرًا بالنسبة لمفهوم الأزل؛ لأن الأزل يعني اللانهاية، والشيء الأزلي يتصف بما يأتي:

لا يكون مركبًا، ولا يتركب. بل يكون بسيطًا وغير قابل للتجزئة. لا يتغير أبدًا، ولا يمكن التدخُّل فيه. يكون خارج الزمان والمكان، أي يكون خارج كلِّ حركة متعلقة بالزمان والمكان. يكون أبديًا، لأنَّه في جميع الأحوال خارج الزمان. ولكون الأزل والأبد خارجَي الزمان، فهما يلتقيان في نقطة واحدة بوجه من الوجوه. ولا توجد أيُّ خاصية من هذه الخواص في المادة. فالمادة متغيرة، ولا يمكن تصورها خارج نطاق الطاقة حسب ما يقرره قانون الديناميكية الحرارية (الثيرموديناميك). كما أنها صالحة لكلِّ نوع من أنواع التراكيب. ثم إنها موجودة تحت قيد الزمان والمكان (حقيقة الخلق ونظرية التطور، ص:74-75).

رشحة

الأزل ليس نهاية الزمان الماضي، إنه لا زمان.

المادة التي هي أساس تسلسل الأسباب.

كلُّ شيء له نهاية، لا بدَّ أن تكون له بداية.

إنَّ أيَّ شيء أسبغت عليه نعمة الوجود يشير إلى الخالق ويدلُّ عليه.

إن كانت القاعدة الآتية صحيحة وهي "ما كانت له بداية كانت له نهاية"، كان من الضروري "أنَّ ما لم تكن له بداية لم تكن له نهاية".

إنَّ الزمن يملك وجودًا اعتباريًّا (اسميًّا)، والمكان هو الذي يجعل الزمان بعدًا للأشياء وللحوادث.

أيُّ شيء لا يملك صفة الأزلية لا يمكن أن يكون خالقًا ولا أن يظهر للوجود بنفسه تلقائيًّا.

الذين يقولون بأزلية المادة لا يعرفون معنى الأزلية.

الحركية والفكر

مناقشة علماء العصر بما يفهمونه، وفي مستواهم العلميِّ، وهذا ما يدفع إلى البحث في الأزل والأبد، والزمان والمكان... لا بدَّ من إنشاء مراكز بحث، وجماعات علمية، ذات مستوى متفوق، وهذا من صميم واجبنا.

 

الزمن المبارك

المناسبات المباركة كليلة المعراج، أو ليلة المولد، هي من الليالي التي تُعَدّ تيجانا على هام الزمن، وذروة الأيام القريبة من الله، أو هي الشواطئ والموانئ المفتوحة نحوه، ومنصَّات الانطلاق إليه. ففي هذه الأيام والليالي المباركة تبرُق القلوب بشفافية غير عادية، وتتوجه الأرواح نحو اللانهاية، وتطير إليها بشوق آخر، ويشارك كلُّ شيء في الشعر الأزلي لما وراء هذه الآفاق، ويغطِّي سحر جو العالم الآخر كلَّ جانب، ويغطِّي كلَّ صدرٍ إيقاع ونغمة ضراعة وتوسل لا يستطيع أي لسان التعبير عنه. ويتحوَّل المكان نتيجة بعض التجليات الخاصَّة إلى أبواب ومنافذ ونوافذ عالم وراء هذا العالم، ويقوم الزمان الذي يتبلور بتحول الآمال والتطلعات إلى ضراعات وتوسُّلات، ويبدو القرآن وكأنه نزل حديثا، فكلُّ سورة وكلُّ مقطع، وكلُّ آية، وكلُّ جملة منه تهدر كشلاَّل تدعو كلَّ إنسان إلى حياة جديدة، وتسقي قلوبنا الظامئة إكسير الحياة وماءه، وتسير بها في سفوح جبال خضرٍ من جبال الجنة، لا ترى إلاَّ في الأحلام، وتُهدي لأرواحنا منافع الإيمان وإيجابياته. وتُظهر معاني تعجز الألسنة عن التلفُّظ بها أو التعبير عنها. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:166)

رشحة

المناسبات المباركة كليلة المعراج، أو ليلة المولد، هي من الليالي التي تُعَدّ تيجانا على هام الزمن، وذروة الأيام القريبة من الله، أو هي الشواطئ والموانئ المفتوحة نحوه، ومنصَّات الانطلاق إليه.

الحركية والفكر

فتح القلوب لسماع نغمات الضراعة والتوسل.

الاستجابة الحثيثة إلى صوت القرآن الدفاق مثل شلال على قلوبنا الظامئة

تقبل هدية الله لأرواحنا، بتشرب منافع الإيمان وإيجابياته.

 

نهر الزمن، ويد الزمن

نهر الزمن

إنَّ تماسك أجيال الغد وقِوامها وسعادتها حاصلٌ من حواصل الأرواح والأنفاس المضحية هذا اليوم. وإنَّ انتظار مستقبلٍ متكامل ومنظَّم من ركُام البشر الضجِر الشريد السادِر في الراحة والرخاوة، ليس إلاَّ محض وهْم وسلوان كاذب. المستقبل يتطوَّر إلى براعم في رحم اليوم، ويربو برضاع اليوم، ليتماسك قِوامه. وكما يحمل وجودُنا اليوم سماتِ أمسنا، بخيرها وشرها، كذلك يكون الغد نسخة من اليوم بصورتها المطوَّرة والموسَّعة والمتحولِّة من الفردية إلى الاجتماعية. وإنَّ حياتنا "الملّيَّة" بألوانها وأحوالها الخاصة، تشبه نهرًا يسيل متسربًا من جبال الماضي ووديانه، وسهوله وأريافه، فينحدر إلى المستقبل بتلوُّناته الخاصة. وإذ ينحدر نحو قابلِ الأيام يحمل معه خصوصيات الأرجاء التي يمرُّ منها. وسنرى إنْ أمعنّا النظر في الشلال الذي ننحدر نحن أيضًا معه، آثار أقدامِ أجدادنا، وخلجات أرواحهم، ونتاجات أدمغتهم وعضلاتهم، وأفكارهم، وخفقات قلوبهم. فلا جرم أنهم منابع حياتنا، وأننا بأنفسنا وبحركيات تاريخنا، عصارة وجود الأجيال القادمة.(ونحن نقيم صرح الروح، ص:115).

يد الزمن

الصبر هو فهم لفعل الزمن وصروفه وتأثيره في الأشياء، وإدراكُ أنَّ الزمن يأخذ الحوادث ويلوكها بين أسنانه الحادَّة ويفتِّتها ويطحنها، ويقلبها من حال إلى حال، ومن شكل إلى شكل. والذين يعرفون كيف يكونون فولاذا في أحيان وجليدا في أحيان أخرى حيال هذه الإذابة الصامتة للزمن، يستطيعون الوصول إلى بعدٍ آخر في خطِّ جريان الزمن، فيتخلَّصون من العدم. ومن لم يستطع إدراك هذا، عصرته يد الزمن. (ترانيم روح وأشجان قلب؛ ص:159)

رشحة

المستقبل يتطوَّر إلى براعم في رحم اليوم، ويربو برضاع اليوم، ليتماسك قِوامه.

إنَّنا بأنفسنا وبحركيات تاريخنا، عصارة وجود الأجيال القادمة.

الصبر هو فهم لفعل الزمن وصروفه وتأثيره في الأشياء.

مَن لم يُدرِك معنى "الإذابة الصامتة للزمن" عصرتْه يد الزمن.

الحركية والفكر

المستقبل يُصنَع اليوم، بمهج جادة، وعقول ذكية، وقلوب حاملة للهمِّ؛ فلنصنع التاريخ بأيدينا.

لنتبع نهر الزمن في سريانه؛ حتى نعتبر من حركة السبب والمسبب؛ ولنفهم مدى حكمة الله وعدله.

التحلي بالصبر مدعاة للوعي والفهم الصحيح.

 

الوقت المرهون

مهما كان الاسمُ والعنوان، فالشرُّ يلد شرًّا، والظلمُ ينقلب إلى مظالم تدور حول حلقة مفرغة ودائرة فاسدة. والذين يزرعون الفتنة، أمسِ أو اليومَ، يحصُدون الشرَّ، والذين يزرعون فسائل الخير، يجنون ثمار الخير والبركة. وفي الواقع، ربما تعرَّضت نتائج مساعي الخير والشرِّ إلى إمهال مؤقَّت، لكنَّها ظهرت وبرزت حينما أينعت، فأذاقت الظالمين الآلام في حسرتهم، وصارت وسيلة لإنقاذ المظلومين وإسعادهم. وقد تنقضي سنوات أو عصورٌ بين السبب والنتيجة. ولكن، حين حلول "الوقت المرهون"، والإحساس بالأثر، تغدو النتيجة عين الجنة للأبرياء، وعين الجحيم للعصاة والظالمين. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:119).

رشحة

الشرُّ يلد شرًا، والظلمُ ينقلب إلى مظالم تدور حول حلقة مفرغة ودائرة فاسدة.

قد تنقضي سنوات أو عصورٌ بين السبب والنتيجة.

حين حلول "الوقت المرهون"، والإحساس بالأثر، تغدو النتيجة عين الجنة للأبرياء، وعين الجحيم للعصاة والظالمين.

الحركية والفكر

لا تعالج الشرَّ بالشرِّ، ولا توقف الظلم بالظلم، وإلا دخلت حلقة مفرغة ودائرة فاسدة.

اعلم أنَّ كلَّ سبب له نتيجة، قد تؤجَّل ولكنها ستأتي، فاعمل وفق علمك هذا، تغد النتيجة جنة بالنسبة لك.

 

لي مع الله وقت!

نعيش منذ جيلين بحمد الله ابتهاجَ العودة إلى روحنا، بوتيرةٍ أسرعَ سيرًا وأدقَّ منهجًا مما شهدناه في الماضي. فإنَّ إنساننا الذي اعتاد حتى الآن أن يلجأ إلى المادَّة والآلة، ويقيسَ كلَّ شيء بالمعايير المادية، بدأ يستيقظ -ولو من غير وعي تامٍّ- بالصفعات المتوالية للطواطم التي عبدها منذ قرنين، عبوديةً لا ترضى بعتق، فبدأ يشعر بأنَّه ضحيةً في معبرِ تحولٍ تاريخيٍّ، وعلِمَ أنَّ عليه أن يردم الهوَّة السحيقة بين واقعه وذاته، بالهمَّة والإخلاص والدموع والشعور بالمحاسبة، وحمل عصا الترحال بتمام العزم والتوكُّل والثبات. وسيسِير إلى الآباد في هذا المسير الذي لن ينتهي وإن انتهت السبل وانقطعت، بعدما قال: "السياحة، يا رسول الله!".

وإنَّ مصدر قوة روحه اللازمَ الذي لا مندوحة عنه في هذه السبيل؛ هو اكتشاف حقيقة الإيمان من جديد، واستشعاره في وجدانه، وتغذيةُ إرادته بالعبودية لله، حتى تبقى منفتحة ومستعدَّة للإقبال على الخير والصلاح، وتعميق روح "الإحسان" يومًا بعد يوم بالإحساس بحقيقةِ: "لي مع الله وقت"، ثم الارتباط الدائم "بالعالم الآخر"، وامتلاك آفاقٍ روحية رحيبة. فإن أفلحنا في التزود بمثل هذه الذخائر المعنوية، فعندما يهتف الربيع، ويحلُّ الموسم، ستُهرع إلى الحياة تلك البذورُ المنثورة بنشوة العبادة في أرجاء الأرض كلِّها، وستحيي عهودا ورْدية عديدة دفعة واحدة في مجتمع المغمومين (ونحن نبني حضارتنا، ص:8).

رشحة

إنَّ إنساننا بدأ يستيقظ بالصفعات المتوالية للطواطم التي عبدها منذ قرنين، عبوديةً لا ترضى بعِتْق.

علم إنساننا أخيرا، أنَّ عليه أن يردم الهوَّة السحيقة بين واقعه وذاته، بالهمَّة والإخلاص والدموع والشعور بالمحاسبة.

الحركية والفكر

إذا غذينا إرادتنا بالعبودية لله وحده، كانت الثمرات:

أنها تبقى متفتحة ومستعدة على الخير والصلاح. ويتعمق لديها روح الإحساس بحقيقة "لي مع الله وقت"؛ ثم ترتبط دوما باليوم الآخر؛ وتمتلك آفاقا روحية رحيبة.

 

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا، ولا يمكن أن يكون... ولا يمكن أن يستمر الفراغ إلى الأبد، ولا يمكن للصمت والتدهور أن يستمرا إلى ما لا نهاية... لذا، فإنَّه حتى في أظلم لحظة من هذا الليل البهيم الذي نعيشه... هذا الليل البعيد عن آمالنا... حتى في هذه اللحظة لم تنعدم أنوار تطرف بعيونها لنا، وتومئ لنا من بعيد... وأنفاس إلهية تملأ أرواحنا وتشرح صدورنا... ونسائم تقوي عزائمنا... لم تنعدم ولا يمكن أن تنعدم في أي حين من الأحيان.

في هذه الأيام وفي مختلف أرجاء هذه الأرض مواسم الربيع المتفتحة... كل ربيع أزهى من الآخر وأجمل!.. ولا شك أنَّ "أياصوفيا" ستأخذ نصيبها من هذه الخضرة التي بدأت تنتشر في كلِّ مكان، فهذا شيء طبيعي. ولم نفقد نحن هذا الأمل في أي وقت من الأوقات طوال أيام البعد والهجران التي عاشتها وتعيشها "أياصوفيا". لم نفقد هذا الأمل، بل بدأنا وكأننا نرى أبوابها وهي تنفرج قليلا قليلا، ونحس أننا نعيش أيام أفراح وزينة واحتفالات. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:51).

رشحة

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا، ولا يمكن أن يكون.

ولا يمكن أن يستمر الفراغ إلى الأبد.

لم نفقد نحن الأملَ، في أيِّ وقت من الأوقات، طوال أيام البعد والهجران التي عاشتها وتعيشها "أياصوفيا".

الحركية والفكر

الأمل... الأمل... مع العمل.

لا تستسلم للظلام، فبعد كلِّ ظلام بارقة نور، فقط يجب أن تؤمن بذلك، وترجعه إلى ربِّ النور والظلام.

 

أداء الصلاة بروح الانتظار

في حديث شريف يقول رسول الله r: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.. فذلكم الرباط.. فذلكم الرباط».

لنقف ونمعن النظر في عقد لآلئ هذا الحديث حسب قدرتنا. فالرسول r يبين الطرق التي تنقذ الإنسان من الأخطاء التي تؤدي به إلى أودية جهنم...

ثم إنَّ انتظار الإنسان أوقات الصلاة بلهفة تَقرُب من لهفة العاشق إلى الوصال، وتنظيم أوقات حياته ونشاطه حسب أوقات الصلاة مفهوم خاص للزمان، يستطيع به الإنسان أن يملأ الفراغات الموجودة بين مختلف أوقات أعماله، وينقل الهدوء والاطمئنان والارتباط بالله تعالى الموجود في الصلاة إلى خارج أوقاتها، ويربط كلَّ مشاغله الدنيوية بالله تعالى، فيحوِّل كل هذه المشاغل إلى عبادة، فتتحول العبادة المحدودة إلى عبادة غير محدودة، فيكون أداء الصلاة بروح الانتظار عنوان ارتباط العبد برب*ه وبمثابة الجهاد المادي والمعنوي المعبر عنه بكلمة "الرباط".

وهذا الحديث الذي يقدِّم مقطعًا عميق المعنى من الحياة النيرة للمؤمن، هذا المقطع الذي يتزين بالوضوء ويرتفع في الصلاة إلى السماء... هذا الحديث مثال للحديث الموجز ذي الدلالات العميقة الشاملة. (النور الخالد، ص:217-218)

رشحة

الصلاة بروح الانتظار عنوان ارتباط العبد بربّه، وهو بمثابة الجهاد الماديِّ والمعنويِّ المعبَّر عنه بكلمة "الرباط".

الحركية والفكر

انتظرْ أوقات الصلاة بلهفة تَقرُب من لهفة العاشق إلى الوصال..

نظّم حياتك ونشاطك حسب أوقات الصلاة.

اربط كلَّ مشاغلك الدنيوية بالله تعالى، لتتحوَّلَ إلى عبادة غير محدودة.

 

عندما يصارع الضوءُ الظلام

عندما يصارع الضوءُ الظلامَ يصل إلى عمقه الحقيقي... والجمال يظهر بشكل أفضل عندما يحيط به القبح... كما يظهر تفوق الأخيار عندما يكونون بين أشرار، على الأقل بالنسبة لبعضهم. وعندما يكون المجتمع في حاجة للأمن والطمأنينة يدرك بشكل أفضل حاجته الماسة إلى هذا الأمن ولأجله يموت ويحيا. ولا يعرف طعم الراحة إلا مَن ذاق مشقّة التعب والإرهاق، كما لا يعرف قيمة الجنة إلا من ذاق أهوال المرور على الصراط. أحلك وقت للظلام هو في الوقت نفسه بشائر أنوار الفجر. والليل يحمل جنين نور النهار، ويحمل بردُ الشتاء وثلجه جنينَ الربيع. وعندما تنتهي الأسباب ولا يعود لها أي تأثير تتوجه القلوب إلى صاحب القدرة اللانهائية. وحسب قاعدة "المشقة تجلب التيسير" فإن المشقات تفتح أبواب اليسر على الدوام (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:181)

رشحة

عندما يصارع الضوءُ الظلامَ يصل إلى عمقه الحقيقي.

الجمال يظهر بشكل أفضل عندما يحيط به القبح.

عندما يكون المجتمع في حاجة للأمن والطمأنينة، يدرك بشكل أفضل حاجته الماسة إلى هذا الأمن ولأجله يموت ويحيا.

الحركية والفكر

لا يعرف طعم الراحة إلا مَن ذاق مشقّة التعب والإرهاق.

عندما تنتهي الأسباب ولا يعود لها أي تأثير تتوجه القلوب إلى صاحب القدرة اللانهائية.

حسب قاعدة "المشقة تجلب التيسير" فإن المشقات تفتح أبواب اليسر على الدوام.

 

أوقات تقرِّبنا من طهر الملائكة

يتضمَّخ كلُّ شيء في شهر رمضان بالعطر والنور... بدءً من الكتابات بين مآذن الجوامع إلى القناديل الموجودة على يمين وعلى يسار الطرق المؤدية إلى المساجد، إلى مصابيح بيوتنا، إلى الطهر البادي في وجوه المؤمنين، إلى النور في القلوب. أمَّا أوقات السحور التي تهبّ عليها نسائم السحر في هذه الأيام التي يسترجع فيها الدين شبابه، والإفطار الذي يكون مظهرا لألطاف سرية... فهي أوقات ذات طعم وذات ضياء خاصٍّ ولهجة خاصَّة تخالط القلوب. ولا يصل إلى مرتبة هذه السعادة سوى العشق الذي يطير بأجنحة أمل الوصال... كأنه كان هناك ستار بين الإنسان وبين شوقه إلى اللانهاية حتى مجيء شهر رمضان، وكأنَّ هذا الستار ينفرج بالصوم. وكأن العشق والشوق اللذيْن كانا في غفوة في ركن من أركان القلب حتى تلك اللحظة يستيقظان فجأة، ويفوران ويستوليان على كيان الإنسان، وينقلبان إلى رغبة لا تقاوم في الوصال. وفي سبيل تحقيق هذه الرغبة المقدَّسة يحاول الإنسان اغتنام التجليات التي تهبّ في أوقات السحر، وتقييم أوقات الصلوات التي هي منافذ تنتظر الإنسان لمشاهدة آفاق وراء أفق الدنيا هذه. وفي صلوات التراويح تفور المشاعر وتتصاعد بالرَّوْح والريحان، وتعبّ الأرواح من النفحات الإلهية كؤوسا بعد كؤوس، فإذا بكل واحد -كل حسب درجته- قد انقلب إلى شخص أخروي، واقترب من طهر الملائكة. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:135).

رشحة

يتضمخ كل شيء في شهر رمضان بالعطر والنور.

كأنه كان هناك ستار بين الإنسان وبين شوقه إلى اللانهاية حتى مجيء شهر رمضان، وكأنَّ هذا الستار ينفرج بالصوم.

الحركية والفكر

سبيل تحقيق الرغبة المقدَّسة هو أن يحاول الإنسان اغتنام التجليات التي تهبّ في أوقات السحر.

الاجتهاد في تقييم أوقات الصلوات التي هي منافذ تنتظر الإنسان لمشاهدة آفاق وراء أفق الدنيا هذه.

إقامة صلوات التراويح، التي فيها تفور المشاعر وتتصاعد بالرَّوْح والريحان.

 

الدعاء بمعيار الحقِّ تعالى

ليس من الصحيح توقع الاستجابة لكلِّ أدعيتنا كما هي؛ لأننا لا نأخذ بنظر الاعتبار إلاَّ رغباتنا وطلباتنا المتعلقة بأيامنا الحالية، فنضيِّق بهذا إطار طلباتنا، وننسى أو نهمل المستقبل أو الأمور الأخرى المتعلقة بنا عن قرب، ولا نأخذها بنظر الاعتبار. ولكنه تعالى يرى حالنا الحاضر، وكذلك مستقبلنا القريب والبعيد في اللحظة نفسها، فيوسِّع ما ضيقناه؛ حتى يجعل أدعيتنا بوسعة الدارين في الدنيا وفي العقبى، ويستجيب لها ضمن أبعاد متعدِّدة حسب موجبات رحمته وحكمته. أجل!.. فهو عندما ينير أوضاعنا الحالية لا يفسد مستقبلنا، ولا يحوّل أضواء أيامنا الحالية إلى ظلمات في المستقبل. وعندما يقوم بالإنعام علينا لا يَسحب من الآخرين نعمه ولا يحرمهم من فضله، بل يستجيب للجميع ولكلِّ شيء استجابات عميقة، ليظهر لنا أنه سمع أدعيتنا، وأخذ طلباتنا بنظر الاعتبار، فيهب قلوبنا بقربه وحضوره انشراحا وبهجة وراء كلِّ خيال وتصور. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:27).

رشحة

يرى الله سبحانه وتعالى حالنا الحاضر، وكذلك مستقبلنا القريب والبعيد في اللحظة نفسها.

وهو تعالى عندما ينير أوضاعنا الحالية لا يفسد مستقبلنا.

عندما يقوم الحقُّ بالإنعام علينا، لا يَسحب من الآخرين نعمه ولا يحرمهم من فضله.

الحركية والفكر

أن ندعو الله تعالى موقنين أنه هو العليم بصلاحنا، فنسأله ما يراه صالحا لنا، لا ما نراه نحن.

أن نؤمن أنه لكل دعاء صادق استجابة، غير أنَّ الأثر ليس بالضرور كما نتوقع.

 

الزعيم، وحدس المستقبل

على الزعيم أن يكون بعيد النظر يتجاوز زمنه، ويكتشف مسار الحوادث المستقبلية بحدسه وبفكره الثاقب ويراها مثلما يرى الأحداث الماضية، ويعطي أحكامه وقراراته على هذا الأساس. ولكن إن كانت الأيام تثبت على الدوام عكس ما أمَّله وما توقَّعه، وتنقض حدسه، فليس في إمكانه إقناع من برأسه مسكة من عقل.

على الزعيم أن يرى المستقبل لكي تكون قراراته نهائية، وإلا اضطر إلى تبديل قراراته على الدوام حسب تقلب الأيام، وهذا سيولد الخلاف الفكري والشقاق بين جماعته، وهذا يؤدي إلى انهدام الجماعة. فالقرارات المتغيرة على الدوام ستؤدي إلى تفتيت الجماعة إلى أفراد كل منهم يحمل فكرًا خاصًّا به. إذن، فعلى القائد أن يكون ذا بصيرة نافذة وفراسة حادة.

لا يوجد في أي مرحلة من مراحل حياته شيء يمكن إشهاره في وجهه كتهْمة، فماضيه معروف كحاضره، وماضيه نقي كحاضره، ولو قام أحد بتدقيق ماضيه -سواء بنية سيئة أو حسنة- لما وجد فيه ما يخجل منه، ولو أصبحت الدنيا بأجمعها خصما له لما استطاعت إلقاء أي ظل من الشك على عفته وسمعته.. طبعًا إن تم الالتزام بالصدق، ولم يسلكوا سبل الكذب والافتراء. (النور الخالد، ص:493)

رشحة

القرارات المتغيرة على الدوام ستؤدي إلى تفتيت الجماعة إلى أفراد كل منهم يحمل فكرًا خاصًا به.

الحركية والفكر

على الزعيم أن يكون بعيد النظر يتجاوز زمنه.

على الزعيم أن يرى المستقبل لكي تكون قراراته نهائية، وإلا اضطر إلى تبديل قراراته على الدوام حسب تقلب الأيام.

على القائد أن يكون ذا بصيرة نافذة وفراسة حادة.

 

المحاسبة على خطِّ الزمن

أجل، إن تقييم الفرد لوضعه الحالي وتهيّؤه للمستقبل، وتلافيه الأخطاء التي ارتكبها في الماضي وتطهّره منها لدى الحق تعالى؛ واكتشافه لقيمته الحقيقية بتفقّده لنفسه في أمسه ويومه وغده؛ والأهم من هذا تجديد عالمه الداخلي باستمرار، من حيث علاقته بالله تعالى، لا يكون إلاّ بعد محاسبته لنفسه محاسبة صارمة دقيقة. ذلك لأن محتواه الذي هو فوق الزمان ومشاعره المقيدة بالزمان، مرتبطتان ارتباطًا قويًّا بحياته القلبية والروحية وببقائه مستشعرًا بما أنعم الله عليه من نعم لدُنّية.

هذا ولا يمكن للمسلم أن يستغني عن المحاسبة قطعًا، سواءً من حيث حياته القلبية والروحية أو من حيث أطواره وأحواله العامة. فهو من جانب يسعى لإحياء ما فرّط في أمسه وإقامة ما انهدم من أركان ماضيه الذي تغافل عنه، بما يسمع في أعماق وجدانه من أصداء نفحات إلهية آتية من الماوراء (الغيوب) بأداء ملؤه الأمل وبلهجة مفعمة بالرحمة: (وبُوا إِلَى اللهِ) و(أَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ)... ومن جانب آخر يتيقظ بتنبيهات:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) التي تُرعد كالصواعق، وتبشّر كالرحمة، فتدفع بالإنسان إلى تفحص نفسه وتنظيمها مُعرضًا عن جميع السيئات ما وسعه ذلك.. فيقيّم آنَه الحاضر كأنه فصل ربيع وموسم إخصاب، مُكسبًا كل لحظة من لحظات ذلك الآن عمقًا آخر، بالبصيرة وبالشعور الذي يبعثه الإيمان.. وإن واجه عارضًا جسمانيًّا بين حين وآخر وتزعزع، فهو حذر متأهب في كل آن كالمتقين الذين تخفق صدورهم بالمهابة والخشية من الله، وفق البيان الإلهي: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ). (التلال الزمردية؛ 1/39-40).

رشحة

لا يمكن للمسلم أن يستغني عن المحاسبة قطعًا، سواء من حيث حياته القلبية والروحية أو من حيث أطواره وأحواله العامة.

المسلم يكتشف قيمته الحقيقية بتفقّده لنفسه في أمسه ويومه وغده.

الحركية والفكر

على المسلم أن يجدد عالمه الداخلي باستمرار، من حيث علاقته بالله تعالى.

وأن يحاسب نفسه محاسبة صارمة دقيقة.

وأن يستشعر نعم الله اللدنية.

 

دقُّ أبواب الماضي والمستقبل

الحياة الحقيقية هي حياة القلب. والإنسان الذي يحيا بحياة القلب يصبح كيانًا فوق الزمن ويستطيع دق أبواب الماضي والمستقبل ويراهما وجهين لعملة واحدة يمكن فتحهما. فمثل هذا الإنسان لا يأبه بآلام الماضي ولا بتهديدات المستقبل.

أما الذين لم يجدوا أنفسهم في قلوبهم فتراهم -وهم يتقلبون في حياتهم الضحلة- في شكوى دائمة، وتشاؤم مستمر. فالماضي في نظرهم قبر رهيب، والمستقبل بئر لا قعر لها... فهم في عذاب مستمر سواءً أعاشوا أم ماتوا.

إنَّ علاقة الإنسان بالماضي البعيد وبالمستقبل الذي لا نهاية له، مرتبطة فقط بدرجة وبمستوى إدراكه لحياة القلب والروح. والأرواح المحظوظة التي تعيش في هذا المستوى الرفيع للحياة وتدرك علوها ترى الماضي خيمة وسدة حكم للأجداد وترى المستقبل طرقًا ممتدة نحو حدائق الجنة، وتعب من مياه الكوثر التي تفجرها في وجدانها وهي تعيش في دار هذه الحياة حتى وداعها لها.

أما البائسون الذين لم يدركوا الحياة هذا الادراك ولم يفهموها هذا الفهم فحياتهم أسوأ من الموت، وموتهم كظلمات جهنم بعضها فوق بعض. (الموازين أو أضواء على الطريق، ص:27).

رشحة

الحياة الحقيقية هي حياة القلب.

علاقة الإنسان بالماضي البعيد وبالمستقبل الذي لا نهاية له مرتبطة فقط بدرجة وبمستوى إدراكه لحياة القلب والروح.

الحركية والفكر

اضْبطْ علاقتك بالماضي والحاضر والمستقبل ضبطا مختلفا عن مسلك البائسين، الذين لم يدركوا حقيقة الحياة، ولم يفهموها الفهم الصحيح.

ارْق بمستوى إدراكك لحياة القلب والروح.

 

الجوُّ المعراجيُّ للصلاة

أجل!.. إنَّ من يتواصل مع تناغم الصلاة السماوية، فإن كل حركة وراء الإمام في الصلاة وكلَّ كلمة، هي عند ابن آدم صوت داء الوصال وصوت حسرة للجنة المفقودة، وتظهر بشكل شعور بالأمل وبالفرح بالوصال. والصلاة بالنسبة لمعظم من ترك نفسه في الجو المعراجي للصلاة تعد إشراقات فجر للأيام الحلوة التي تملأ خيالاتنا لعهودنا في الجنة من قبل، أو للجنات المقبلة. أما نحن فعند وقوفنا لكل صلاة نحس -بنسبة سعة عالم الأحاسيس لدينا- وكأننا نرتشف بهجة صفو جيل نوراني وصمته... بهجة ممتدة من جمال الجنة إلى العهود الذهبية لتاريخنا. وبفضل هذا نستطيع جمع أذهاننا المشتتة بفعل المشاغل العديدة للدنيا، وتركيزها. أما أرواحنا فتنسلخ من الجو القاسي للجسد، وتنفعل مرة أخرى بأمل الوصال. ومع أنه لا يكون في كل صلاة ولا في كل صلاة فريضة فإن أرباب القلوب يستطيعون السياحة بين عالم الأزل والأبد عدة مرات في اليوم الواحد، ويمررون الماضي والمستقبل معا من منشور الفكر بوتائر متعاقبة، ويتأملون الشرائط الذهبية للزمن الماضي مع التلال الزمردية الخضراء للمستقبل المحفوف بالأمل في آن واحد. وبهذا نستطيع أن نشعر ونعيش حياتنا وحياة الآخرين في اللحظة نفسها، ونجد في أعماقنا لذة آلاف الذكريات وكأننا نرتشف ماء الكوثر. وكما يحدث في الأحلام نقوم بطيّ المسافات، والتجول في عوالم فوق الزمن... ونتذوق طعم جميع الأمور الخارقة وغير الاعتيادية... وننتقل من فكر إلى فكر، ومن شعور إلى آخر... ونقضي كل لحظة في جو من عرفان، وفي جو من محبة، وفي طوفان من شعور باللذة... وينطبق هذا على من استطاع الوصول إلى مثل هذا الأفق من العرفان. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:83).

رشحة

الصلاة بالنسبة لمعظم من ترك نفسه في الجو المعراجي للصلاة، تعدُّ إشراقات فجر للأيام الحلوة التي تملأ خيالاتنا لعهودنا في الجنة من قبل، أو للجنات المقبلة.

الحركية والفكر

أن نلج صلاتنا مع شعور بالأمل وفرح بالوصال.

نستطيع جمْع أذهاننا المشتتة بفعل المشاغل العديدة للدنيا، وتركيزها، حين نصلي صلاة الخاشعين.

 

لا نفدي قيمَ ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا بعضها لبعض!

الحال أننا ملزمون بإعداد البيئة الطيبة لزمانٍ ثقافي جديد يُطوِّر حياتنا الفكرية، بتفسيرِ ثقافتنا تفسيرًا معمَّقا، وتقويمِها تقويما دقيقا، ليس من أجل منطقتنا الجغرافية وحدها بل من أجلِ تأسيسِ جسر متين ودائم بيننا وبين العالم المتحضر. بعبارة أخرى: يتحتم علينا -من أجل بناءِ فهمٍ ثقافي أمتن وأسلم وأقوم وأبقى لأمّتنا- أن لا نفدي قِيَمَ ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا بعضَها لبعض مع مراعاة الأولوية للمستقبل، وأن نوقر ونصون الديمومة والتوسع بنفس الدرجة.. والحقيقة أن الزمان الثقافي غير مرتبط بفكرة التواجد قبلُ أو بعدُ، على خلاف مفهوم الزمان المعروف لدينا. وأرى من الأنسب أن نسميه بـ"ما فوق الزمان". بل الأحرى أن ننظر إليه مستقلا عن الزمان ومتعاليا عنه. والواقع أن ديمومة الثقافة بذاتها منوطة باستقلالها. لكن من البدهي وجودُ إطار من المرجعيات تنظِّم بنائها الذاتي والمستقل تماما، وتُشكِّل كيفية علاقتها بالجهات المختلفة. فمن هذه الوجهة وفي داخل إطار كهذا يمكن أن نقول: إن الثقافة هي عبارة عن مجموع المفاهيم المختلفة وسبل التفكير المتنوعة، وأوجهِ الرؤية المتعددة، "والتصوراتِ" الفنية والقيمِ الأخلاقية المرتبطة كلٌّ منها بتفسيرٍ مختلف. (ونحن نبني حضارتنا، ص:79).

رشحة

الحقيقة أنَّ الزمان الثقافي غير مرتبط بفكرة التواجد قبلُ أو بعدُ، على خلاف مفهوم الزمان المعروف لدينا.

ديمومة الثقافة بذاتها منوطة باستقلالها، لكن من البدهي وجودُ إطار من المرجعيات تنظِّم بناءها الذاتي والمستقل تماما، وتُشكِّل كيفية علاقتها بالجهات المختلفة.

الحركية والفكر

يتحتم علينا أن لا نفدي قِيَمَ ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا بعضَها لبعض مع مراعاة الأولوية للمستقبل.

إنَّنا ملزمون بإعداد البيئة الطيبة لزمانٍ ثقافي جديد يُطوِّر حياتنا الفكرية:

بتفسيرِ ثقافتنا تفسيرًا معمَّقا،

وتقويمِها تقويما دقيقا.

أن نؤسس جسرا متينا ودائما بيننا وبين العالم المتحضِّر.

مساءلة الماضي والتوثب نحو المستقبل

صحيح أنه كلما دار الحديث حول التغير والتطور في بلادنا، حصل التركيز على ثقافتنا الذاتية، غير أنه لا يمكننا الحديث عن مبادرة تتصف بالديمومة والمنهجية في هذا المجال؛ فالمدارس (التقليدية) والزوايا والتكايا التي كانت تربي مهندسِي فكرِنا وعمالَ روحنا في الماضي، لم تنتج مشاريعَ تأخذ بأيدينا إلى المستقبل. وإذ لم تنجح هذه المؤسسات في ذلك، فإنها قد انسحقت تحت ركام أنقاضها. ونحن إذ نقول هذا القول، فإننا نواجه مبدأً يكاد يُسكتنا ويضرب على أفواهنا، هو: "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم"، ويمنعُنا من أن نتفوه بشيء غيرِ هذا، إلا أن نقول: "إنَّ حوادث التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها. فاللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروسًا مباشرة منها". ومن ثم نوجه الأسئلة عن الماضي إلى أنفسنا في الحاضر، فنقول: إن الذين سبقونا قد انقرضوا لما انحرفوا عن الغاية والهدف من وجودهم. ونحن اليوم في الموقف عينه.. فالأصوب إذن أن نقاضي أخطاءنا بدلاً عن الانشغال بأخطائهم، وإن سلّمنا بوقوعها. (ونحن نبني حضارتنا، ص:24).

رشحة

لا يمكننا الحديث عن مبادرة تتصف بالديمومة والمنهجية في مجال التغيير والتطوير.

إننا نواجه مبدأً يكاد يُسكتنا ويضرب على أفواهنا، هو: "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم".

الحركية والفكر

إنَّ حوادث التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها. فاللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروسًا مباشرة منها.

نوجه الأسئلة عن الماضي إلى أنفسنا في الحاضر.

الأصوب أن نقاضي أخطاءنا بدلاً عن الانشغال بأخطاء من سبقونا، وإن سلّمنا بوقوعها.

التفسير القادر على احتضان شريط الزمن!

إن عجزنا في زماننا هذا عن إعداد أبطال كهؤلاء، أو عن منحهم فرصة تمثيل الحركيات المذكورة آنفًا، أو عن حياكة فصول العمر المختلفة بمغزل حركيات هذا الروح والمعنى، فلن نستطيع أن نَعِدَ بشيء باسم المستقبل، ولا أن نديم وجودنا في الأيام المقبلة. فإذا اقتنعنا بأنَّ المرحلة التي نحن فيها أساسٌ للجزء الذهبي من الزمن المقبل، فينبغي أن نستفيد أقصى استفادة من هذا الأساس بالبصيرة والشعور والإدراك والصبر، وتجهيزه للمستقبل بالحفاظ على الروح والجوهر، مع إشباع جوانبه المفتوحة للتفسير بخزائن تجعله قادرًا على احتضان المستقبل. ولا محيص من تلك المحذورات المذكورة آنفًا إذا ما أهملنا المتطلبات اللازمة. فلا يصح في روح الدين وقواعد "الشريعة الفطرية" إهمال الأسباب، ثم توقع حصول النتائج المتعلقة بالأسباب، أعني من جهة العلية بداهة. وما نشهده دائمًا في صدر الوجود من "مُعَيَّنِية" (Determination) بقدر معلوم وشروط متعلقة بظروفها، جارية في أحداث التاريخ أيضًا. إنَّ البشر والحوادث السالفة في الماضي والتي صارت تاريخًا، هي اليوم شبيهة بالحيوانات المنوية المودعة في حضائن اللقاح، أو بالبيوض في بيوت التفقيس أو تحت عقدة الحياة... وتُعَدّ مصدرًا لإضفاء الصورة على الحاضر. وإنَّ الأسباب المنثورة اليوم -من جهة العِلّية- كالبذور على سفوح التاريخ، هي عوامل تُعَيّن نتائج الغد المتسمة ببُعْد الحكمة وصبغة العدالة وسلوكية الاستقرار ومعادلة الاستقامة. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:117).

رشحة

إنَّ المرحلة التي نحن فيها أساسٌ للجزء الذهبي من الزمن المقبل.

إنَّ الأسباب المنثورة اليوم -من جهة العِلّية- كالبذور على سفوح التاريخ، هي عوامل تُعَيّن نتائج الغد.

الحركية والفكر

لا يصح في روح الدين وقواعد "الشريعة الفطرية" إهمال الأسباب، ثم توقع حصول النتائج المتعلقة بالأسباب، أعني من جهة العلية بداهة.

البصيرة، والشعور، والإدراك، والصبر... هي محركات الاستفادة من الزمن الذهبي.

السطحيون والمفكرون، في احتضان الزمن

الضحال فكرًا والسطحيون رأيًا كأنهم أطفال يقلِّدون كلَّ ما يرون ويسمعون، وينجرون وراء الطغام هنا وهناك، ولا يجدون سانحة للإحساس بأنفسهم والإنصات إلى دواخلهم وتمحيص قيمهم الذاتية... بل لا يشعرون البتة بوجود قيم تخصهم بأنفسهم. فيحيون كعبيد لأحاسيسهم الجسمانية والبدنية عبودية لا انعتاق منها، ويُسَخِّرون كلَّ شيء حصلوا عليه ويحصِّلون، لخدمة الجسمانية في إطارها الضيق، ويغيّرون أعظم الألطاف التي وهبها الله للإنسان، كالقلب والإرادة والحس والشعور، إلى وسائل رخيصة لملذاتهم البدنية، ويقضون أعمارهم في بوهيمية. المقام والمنصب والشهرة والمنفعة والحرص على الحياة، من أهم العوامل التي تُعيّن حركة هؤلاء وفعالياتهم. وسواء أعَرفوا أم لم يعرفوا، فهم يقعون كل يوم في واحد أو أكثر من هذه الفخاخ القاتلة، ويذبحون أرواحهم مرات بسكين أرذل أنواع الموت.

وليس لأمثال هؤلاء ماضٍ ولا مستقبل، ما داموا يرددون قول عمر الخيام: "لا تَشغل البَال بماضي الزمان/ولا بآتي العيش قبلَ الأوان/ واغنم مِن الحاضر لذّاتهِ/ فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان"، ويتبعون غرائزهم الحيوانية، ويرَوْن الدنيا عشبا ومرعى، ويحيون راغمين أنف مشاعرهم ومَلَكاتهم الإنسانية. فلا ينفكون من التقلب المضطرب في المستنقع و"اللوثيات".

أمَّا الذين يعيشون حياتهم مفكرين، ويجعلون -حسب درجاتهم- كل يوم، أو كل ساعة، من حياتهم ميناءً أو مرسى أو طريقًا للأفكار المبتكرة، فهؤلاء يمضون أعمارهم في خوارق العيش ما فوق الزمان، ومفاجآته وسحره، فيتجرعون الماضي كماء نبع مبارك، ويتنفسونه نفحةَ رائحةٍ في رئاتهم، ويطالعونه ككتاب، ويسيرون إلى المستقبل بهذه العُدة... ويحضنون الزمن الآتي بحرارة قلوبهم، ويلونونه بآمالهم، ويصورونه بعزمهم وإرادتهم... ويحتسبون الزمن الحاضر مركزًا استراتيجيًّا لتنفيذ أفكارهم المثالية، ومصنعًا لإنتاج التقنيات الضرورية في هذا السبيل، وجسرًا للعبور من النظري إلى العملي... وَيَجدّون دوما كي يكونوا فوق الزمان وفوق المكان (ونحن نقيم صرح الروح، ص:121).

رشحة

أعظم الألطاف التي وهبها الله للإنسان، هي القلب والإرادة والحس والشعور...

الضحال فكرا، والسطحيون رأيا يحيون كعبيد لأحاسيسهم الجسمانية والبدنية عبودية لا انعتاق منها.

وليس لأمثال هؤلاء ماضٍ ولا مستقبل.

الحركية والفكر

المقام والمنصب والشهرة والمنفعة والحرص على الحياة، من أهم العوامل التي تُعيّن حركة السطحيين، بها يفضحون.

كن من الذين يعيشون وهم يفكرون، فهم يحتسبون الزمن الحاضر مركزًا استراتيجيًّا لتنفيذ أفكارهم المثالية، ومصنعًا لإنتاج التقنيات الضرورية في هذا السبيل، وجسرًا للعبور من النظري إلى العملي.

العيد، بنشوة الماضي والمستقبل

في مثل هذه الأيام نضع الماضي والمستقبل معا في خيالنا... نقبِّل أيدي آبائنا وأجدادنا العظام... والوجوه النيرة الحلوة لأحفادنا... فنشعر في قلوبنا بسعادة لا توصف للماضي وللمستقبل. ومع أنّ أصحاب الأنفس المتشائمة، والقلوب السوداوية لا يفهمون معنى هذا فإن جميع ألوان غبطة الماضي المجيد، وكلَّ الآمال العريضة للمستقبل تشكِّل بكلِّ ألوان الطيف إكليلاً فوق رؤوسنا، ونحن نعيش احتفالات هذه الأيام.

أجل!.. فأي سعادة يمكن أن تضاهي سعادة تأمل لوحة الماضي بكل عظمته، مع المنظر الأخاذ للمستقبل في إطار واحد؟!

إنَّ روح الإنسان -من ناحية المشاعر والفكر- يستطيع الإحساس بنشوة الأذواق القلبية العائدة للماضي وللمستقبل، ويعيشها مثلما يعيش لحظات أذواقه الحالية، فيتجاوز الزمن ويدرك العيد ويحس به كأنه طار بأجنحة إلى أبعاد أخرى. ويختلف العيد المدْرَك بهذا المعنى تماما عن بيانات التهنئة والمعايدات الروتينية المذاعة في هذه الأعياد. فالعيد عند أصحاب هذه المعايدات يوم باهت بعيد عن الحياة ومعزول ومنبتّ عن الماضي وعن المستقبل، وكأنه مجرد يوم توزع فيه الحلويات على الصغار. يأتيني كلُّ عيد بزينة المستقبل الملونة بأنواع الألوان، ويعكس في قلبي -قبل رحيله- أحلى لوحات الماضي وأروعها. فكم تملأني النشوة عندما أشاهد بعين الخيال الأجيال السعيدة القادمة التي وصلت إلى مرتبة العرفان من الناحية المادية والمعنوية، ورهفت مشاعرها، وتوحدت مع أرواحها، وتعانقت بعضها مع البعض الآخر... أتخيل جيلا ملأ العلم عقله... وملأ الإيمان بالخالق العظيم وحبه قلبه... وامتلأ بحب الوجود... ووصل إلى ساحل الاطمئنان. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:140).

رشحة

أي سعادة يمكن أن تضاهي سعادة تأمل لوحة الماضي بكل عظمته، مع المنظر الأخاذ للمستقبل في إطار واحد؟!.

يأتيني كلُّ عيد بزينة المستقبل الملونة بأنواع الألوان، ويعكس في قلبي -قبل رحيله- أحلى لوحات الماضي وأروعها.

أتخيل جيلا ملأ العلم عقله... وملأ الإيمان بالخالق العظيم وحبه قلبه... وامتلأ بحب الوجود... ووصل إلى ساحل الاطمئنان.

الحركية والفكر

في مثل أيام العيد نضع الماضي والمستقبل معا في خيالنا... نقبِّل أيدي آبائنا وأجدادنا العظام... والوجوه النيرة الحلوة لأحفادنا...

تجاوزْ الزمن لتدرك العيد وتحسّ به كأنك تطير بأجنحة إلى أبعاد أخرى...

حماس العبور من الماضي إلى الآتي

إبّان تزحزح العالم كله نحو الربيع في هذه الأيام، يتفق الجميع على أن المستقبل سيكون خيرًا على الرغم من معوقاتٍ بسبب الوضع التاريخي. وجدير بنا أن نطلع على حال الذين يضغطون على هذا "التكوين" العالمي بعزم وإرادة وقدرة عالية. ولا شك في أن من واجب كل مثقف أن يفكر مليًّا في مستقبل وطننا وشعبنا. لكن الشك فيما إن كان الجميع يحسون بمسؤوليتهم هذه أم لا. الثابت عندي هو أن نفرًا قليلاً في هذا الوطن يقومون ويقعدون منذ سنوات مديدة حالمين بالمستقبل ومضطربين، على أملٍ بأن الطرق الوعرة ستوصل إلى الممهدة في يوم آت.

هذا الوطن، وهذه الأرض، التي رويت منذ زمان بدماء ملايين النفوس المضحية، تعيش اليوم مع كثير من أبنائها الأوفياء حماس العبور من الماضي إلى الآتي... طافحين بالرجاء والأمل وممسوسين بقشعريرة حمّى الارتقاء بشعبهم. فترى إحدى يديهم ورجليهم منشغلة بالعمل اليومي، وأخراها منشغلة في تجهيز الخطط والبرامج للمستقبل، بل تجدهم قد وهبوا أحاسيسهم ومشاعرهم لإمرة فكرهم ودعواهم. ولا بأس أن نقول بأنَّ التاريخ التليد المجيد، والشعب المحظوظ الذكي، الذي حمى وحفظ قضيته الكبرى منذ ألف عام، فطوّرها وصوّرها حُسنًا وشكلا، يحس بالتهاب جذوتها في الأرواح كرَّة أخرى بوازع الحنين المزمن الحاد. فإن كثرة من الجيل الجديد يبدون وكأنهم رموز هذه القضية، وممثلو هذه الرسالة، بفيض مشاعر الوحدة والتضامن، والعزم على الرقي بشعبهم فوق شعوب العصر. وكأنّ مآل المستقبل إلى أن يكون سرادقًا أبديًّا لهؤلاء، ما لم تهب عاصفة مضادة لا تُبقي ولا تذر. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:104).

رشحة

يتفق الجميع على أن المستقبل سيكون خيرًا على الرغم من معوقاتٍ بسبب الوضع التاريخي.

الثابت عندي هو أن نفرًا قليلاً في هذا الوطن يقومون ويقعدون منذ سنوات مديدة حالمين بالمستقبل ومضطربين، على أملٍ بأن الطرق الوعرة ستوصل إلى الممهدة في يوم آت.

الحركية والفكر

جدير بنا أن نطلع على حال الذين يضغطون على هذا "التكوين" العالمي بعزم وإرادة وقدرة عالية. ولا شك في أن من واجب كل مثقف أن يفكر مليًّا في مستقبل وطننا وشعبنا.

مراجعة ماضينا المجيد

إنَّ سعينا لتحقيق هذا الأمل ومن اللوازم أثناء استعمال حقنا والإيفاء بواجبنا أن نراجع ماضينا المجيد باستمرار، ونلجأ إلى قيمنا التي جعلت أمسنا زاخرًا بالعظمة. فعندما حقق الغرب نهضة كهذه في مسيره نحو المدنية الحاضرة، التجأ إلى المسيحية واتخذ اليونانية مثلاً وتزاوج مع الرومانية. أشباه هذه الأسس مقبولة للحضارات الأخرى في كل زمان. إذن سنلجأ نحن أيضًا إلى ماضينا وجذور معانينا ونقتبس من مثلنا الروحية التي لم يتكدر صفاؤها بتعاقب الزمان. وسنأخذ من إبداعات عصورنا البيضاء التي نراها شريحتنا الزمنية الذهبية ومصدر فخرنا الأبدي، في الفكر الفلسفي كما في الحقيقة الصوفية، وفي طبيعة متلقيات الدين المستقرة كما في بعده الأخلاقي، ونزيد بغزل النقوش على أردية مرفلة تسربل المستقبل. في هذه النقوش يتجاور مولانا جلال الدين الرومي مع التفتازاني، ويسجد يونس أمْرَهْ مع مخدوم قولي، ويضم "فضولي" إلى صدره "عاكف"، ويقف أُولُوغ بَكْ تحية لأبي حنيفة، ويجلس الخُوجَا الدهّاني قبالة الإمام الغزالي، ويلقي ابن عربي وردة على ابن سينا، ويفيض الإمام الربّاني السرْهندي ببشرى بديع الزمان النورسي... يتوحد عماليق الأفكار لهذا الماضي المارد العظيم بقاماتهم العملاقة، فيهمسون في آذاننا طلاسم الخلاص والانبعاث. وانتظارنا له هو حقنا وواجبنا وضرورة إيماننا. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:32).

رشحة

يتوحد عماليق الأفكار لهذا الماضي المارد العظيم بقاماتهم العملاقة، فيهمسون في آذاننا طلاسم الخلاص والانبعاث. وانتظارنا له هو حقّنا وواجبنا وضرورة إيماننا..

الحركية والفكر

سنلجأ نحن أيضًا إلى ماضينا وجذور معانينا ونقتبس من مثلنا الروحية التي لم يتكدر صفاؤها بتعاقب الزمان،

وسنأخذ من إبداعات عصورنا البيضاء التي نراها شريحتنا الزمنية الذهبية ومصدر فخرنا الأبدي،

ونزيد بغزل النقوش على أردية مرفلة تسربل المستقبل.

 

في طريق الأبدية

يا من وُجدنا بوجوده وتنوَّرْنا بنوره! يا صاحب الرحمة اللانهائية الذي أنقذنا برحمته من ظلمات النفس الأمَّارة! لو لم يكن نورك الأزليُّ الذي تنوَّرت به الكائنات لما استطعنا رؤية أيَّ شيء على حقيقته، ولما تمكَّنّا من إصدار أيِّ حكم صائب. وُجدنا جميعًا بعنايتك أنتَ، فلتكن عنايتك معنا... تعلَّمنا الحقيقة من علمك، ولو لم تتلطَّف بإلهام أرواحنا عن وجودك كيف كنَّا نعرفك؟! ومن أين كنَّا ندرك وجودك؟ وكيف كنَّا نصل إلى الاطمئنان؟ (الموازين أو أضواء على الطريق، ص:59).

الفكر الأبدي

هذا هو السر في أن المؤمن يستطيع في حياة مؤقتة الوصول إلى السعادة الأبدية وإلى الخلود. أمَّا المنْكِر فيكون من نصيبه الشقاء والندَم الأبدي. وإلاَّ كان من المفروض حسب اقتضاء العدالة الظاهرية أن يثاب الإنسان بقدر عبادته وفضيلته، أو يعاقب بقدر ضلالته وآثامه. أي أن يبقى الإنسان الصالح في الجنة بعدد السنين التي عاشها صالحا، وأن يبقى الإنسان الآثم في جهنم بعدد السنين التي عاشها في الدنيا آثما، بينما يكون الخلود سواء للصالح أو الآثم هو نقطة الوصول الأخيرة التي لا يمكن التفكير فيما وراءها.

وهكذا تكمن السعادة الأبدية والشقاء الأبدي في نية الإنسان؛ فكما يكون فكر الإيمان الأبدي والاستقامة وسيلة إلى السعادة الأبدية، يكون فكر الكفر الأبدي والانحراف وسيلة إلى الشقاء الأبدي (أسئلة العصر المحيّرة، ص:51).

النعمة المهداة

إن كانت الحياة الأبدية مهداة إلى المؤمن، فهي لطف ونعمة مهداة لنيته في العبودية الأبدية مما يكسب بها الجنة الخالدة. والشيء نفسه وارد في القطب المقابل أي قطب الكافر الذي يستحق النار الأبدية. أجل، إننا نكسب الجنة بسبب نيتنا في العبودية الأبدية. ويكسب الكافر النار بسبب الجحود الأبدي الموجود في نيته. (النور الخالد، ص:195).

الشعور بالأبدية، والغاية السامية

في الإنسان الشعور بـ"الأبدية" أيضًا، بينما الإنسان ببنائه المادي ليس أبديا فله بداية ونهاية، فالحياة تبدأ بتلقيح البيضة بالحيمن في رحم الأم، وعلى الرغم من أنَّ الموت يأتيه من كل مكان منذ اللحظات الأولى إلاّ أنه لا يتمكن من اقتلاع ما فيه من الشعور بالأبدية، بمعنى أنَّ الشعور لم يُعط له إلاّ لغاية سامية. ولا شكَّ أن هذه الغاية هي الفوز بالحياة الأبدية. ولأجل ذلك فعلى الإنسان أن يستعمل هذا الشعور الموهوب له في موضعه، أي للبقاء في الجنة ورؤية جمال الله.. وإلاّ سيكون هذا الشعور سوط عذاب له يذكّره بإهماله ويأسه، ولا يستطيع إنسان يتعذب تحت هذا السوط أن يعيش عيشة متوازنة، ولا أن يتصرف تصرفًا متوازنًا، ولا أن يحيا بأمان. (طرق الإرشاد في الفكر والحياة، ص:161).

رشحة

المؤمن يستطيع في حياة مؤقتة الوصول إلى السعادة الأبدية وإلى الخلود.

تكمن السعادة الأبدية والشقاء الأبدي في نية الإنسان.

إن كانت الحياة الأبدية مهداة إلى المؤمن، فهي لطف ونعمة مهداة لنيته في العبودية الأبدية مما يكسب بها الجنة الخالدة.

الإنسان ببنائه المادي ليس أبديا فله بداية ونهاية.

الحركية والفكر

على الإنسان أن يستعمل هذا الشعور بالأبدية الموهوب له في موضعه، أي للبقاء في الجنة ورؤية جمال الله.

على العاقل أن يغذي فكر الإيمان الأبدي والاستقامة في روحه وفكره، ذلك أنه وسيلة إلى السعادة الأبدية.

مهمة النبوة، وتهيئتنا للسعادة الأبدية

مهمة النبوة

إنَّ مهمَّة النبوَّة أقدس وظيفة عهد بها إلى أشخاص أخيار مصطفَين من بين الناس. أمَّا وظيفتهم فهي التعريف بالله، وبالدين الذي تلقوه منه سبحانه. فهم بهذا التبليغ يعلّمون الإنسان الذي بدأ من نطفة مستقذرة وينتهي إلى جثة نتنة، طرق البلوغ إلى عالم الخلود، إلى عالم الأبدية والاستقرار في مواطن السعادة والرفعة الدائمة. وبذلك تطمئن قلوبهم المحتاجة والمشتاقة إلى البقاء والأبدية، بالإيمان بالبقاء والدنوّ إلى الأبدية.

إنَّ الهدف المقدّر في مهمة النبوة هو الإيمان بالله ومعرفته تعالى وإبلاغ الإنسان طريق الخلود بتلك المعرفة والإيمان. ووصوله إلى الله سبحانه بعد عبوره من هذه الدنيا. وإراءته جلوات البقاء والخلود في هذا العالم الفاني، واستشعاره بألوان الوجود في الفناء. حتى يبلغ بأفكاره مبلغ الهالة المشعة بالأبدية ولا يرى نفسه إلاّ تحت ظل قوس نصر الخلود العظيم.

فالذين يفجرون هذه الماهية المغروزة في فطرة الإنسان المرشح للخلود، هم الأنبياء والرسل الكرام الذين قلدوا وظيفة النبوة. (روح الجهاد وحقيقته في الإسلام، ص:44).

الآخذ بأيدينا نحو السعادة الأبدية

كان رسول الله r يطلب الحياة الأبدية، أي يطلب ما تطلبه الفطرة التي أودعها الله في الناس جميعًا... أجل، إن الإنسان للخلود خُلق، وليس في الإمكان إشباع هذا الإنسان إلا بالحياة الخالدة وبصاحب هذه الحياة الخالدة... لذا، لا يطلب شيئًا غيره. وسواء أشعر بذلك أم لم يشعر فإنه لا يطلب غيره ولا يرغب في سواه. ومهما أعطيتَ هذا الإنسان فلن تستطيع إشباعه إلا عندما تعطيه الحياة الخالدة... ذلك لأن للإنسان آمالاً لا نهاية لها، ورغباتٍ لا تحدّ ولا تحصى، لذا فلن تستطيع إشباع هذا الإنسان مهما أعطيته. وهذا هو السبب في أن أساس رسالات جميع الأنبياء والمرسلين قائم على هذا النظام ذي البعد الأخروي. وعلى هذا الاعتبار فإن رسول الله r بينما كان يحمل لهم باقات السكينة والطمأنينة فإنه لم يكن ليهمل أبدًا تهيئتهم للسعادة الأبدية والطمأنينة الأبدية. (النور الخالد، ص:301-302).

رشحة

مهمَّة النبوَّة أقدس وظيفة... وهي التعريف بالله، وبالدين الذي تلقوه منه سبحانه.

إنَّ الهدف المقدّر في مهمة النبوة هو الإيمان بالله ومعرفته تعالى وإبلاغ الإنسان طريق الخلود بتلك المعرفة والإيمان.

قال الإمام ابن حجر: "وفي الأمل سر لطيف؛ لأنه لولا الأملُ ما تهنَّى أحد بعيش، ولا طابت نفسه أن يشرع في عمل من أعمال الدنيا، وإنما المذموم منه الاسترسال فيه، وعدم الاستعداد لأمر الآخرة، فمن سلم من ذلك لم يكلف بإزالته".

الحركية والفكر

على المؤمن أن يتبع ما جاء به الأنبياء ليبلغ بأفكاره مبلغ الهالة المشعة بالأبدية ولا يرى نفسه إلاّ تحت ظل قوس نصر الخلود العظيم.

كان رسول الله r يطلب الحياة الأبدية، فلنكن طلاب بقاء لا عبيد فناء.

لا يعالج الفراغ الكوني، والظمأ الروحي إلاَّ بإشباع هذا الإنسان بالحياة الخالدة وبصاحب هذه الحياة الخالدة.

أنت هبة الأزل إلينا!

لم يسقط لك ظلٌّ على الأرض، ولكننا نجونا بفضل ظلك من السقوط والهلاك الأبدي. وإليك أُوكِلَ منذ الأزل حَلُّ عقدة الكائنات المتشابكة، وإليك وُسِّد تقديمُها وتثمينها. والذين جاؤوا قبلك اكتفوا بتهجي مجمَلات هذه العقدة المتشابكة... وأنت الذي حللتَ العقدة وفصَّلت المجمل. وإليك سُلِّمَتْ مفاتيح الدارين بالتقدير الأول والتسليم الآخر... فأنت مُفَتِّح باب الدنيا ومرشد سبيل الآخرة. وصرتَ -برسالتك- الناطقَ باسم حقيقة التوحيد، ومُخَلِّصَ الإنس والجان.

لم يكن المعراج من نصيبِ أيِّ مباركٍ مِن قبلك... فطفتَ وشاهدت كلَّ ما وراء المادة في أفق الرؤية. لكنك -حتى في رفراف تلك المحاسن التي تبهر العيون بضيائها- لم تفتأ تذكُر أصحابك وتذكُر مَن يأتون مِن بَعدُ. ولم يخمد في قلبك لهيبُ الرغبة والشوق في أن تُرِي ما تَرَى، وتُسمِع ما تَسمَع، وتُشْعِر بما تَشْعُر.

ما أبدع وما أعظم ذهابك وإيابك وفَتْحَك فرجة في باب الماورائيات للأرواح المستعدة.! فَرُحتَ كما أنت، ورجعت كما أنت، وفي هذه الرحلة السماوية الفريدة في تاريخ البشرية طرًّا، ارتبطتْ ألطاف الأزل بأنفاسك... ولم ينِ مَن في السماوات والأرض مِن السلام عليك توقيرًا ومِن انتظار التباشير. كانت الأنوار فوارة في الأطراف كلها، والأضواءُ هاطلة في الأرجاء جميعها، طافحة على العصور كافة. ونحن احتفظنا برجائنا في أن تسقط قطراتٌ من حُزَم تلك الأنوار فوق صدر هذا العصر العفريت المارد، وسنبقى نرجو ونأمل. فأنت وفيّ، وما كنت لتَحرِم عشّاقك في هذا العصر وأنت تهطل كرمًا وعناية وودًّا على الأرجاء كلها... وفِعلاً لم تحرمهم البتة. فإنَّ مَن يسير منا إلى النور، فإنما يسير بضيائك.. وإن كنا نحيا -ولو في الجملة- فهو بانتسابنا إليك...

"عقلُ المعاد" مَهيض الجناح في هذا الزمان. الوجدانُ مضطرب في الخفقان، وأرواحنا في شِباك الهذيان... فافتح فاك وأرسل إلينا من أنفاسك نفحةً طرية توقظنا فنعود بها إلى ذواتنا... قانون الفناء لن يحُول دون قوة تأثير روحك، ولن يَقْدِر أحدٌ على محو اسمك من القلوب. أنت هبة الأزل إلينا هديةً لا تقدَّر بثمن، وأنت راعي بستان الآباد. وبكلماتٍ منك يُبَدِّل الشوكُ طبعَه فيغدو وردًا... وإذ تَنطق تكون بيادرُ الأكاذيب كلها رمادًا.(ونحن نبني حضارتنا، ص:169).

رشحة

يا رسول الله، أنت الذي حللتَ العقدة وفصَّلت المجمل. وإليك سُلِّمَتْ مفاتيح الدارين بالتقدير الأول والتسليم الآخر... فأنت مُفَتِّح باب الدنيا ومرشد سبيل الآخرة.

"عقلُ المعاد" مَهيض الجناح في هذا الزمان.

الحركية والفكر

لم تفتأ يا حبيبي، تذكُر أصحابك وتذكُر من يأتون مِن بَعدُ... وإنا لن ننساك، ونرفع ذكرك أبد المدَّة، لا نفتر ولا نني.

لن يَقْدِر أحدٌ على محو اسمك من القلوب... فأنت دوما نور سرمدي في قلوبنا، يا حبيب الله.

التفكُّر اللامتناهي

التفكر الذي لم ينظّم من البداية أي لم يؤسس على إسناد كل شيء إلى الحق سبحانه، وإنما يتناهى إليه تعالى بعد لأيٍ في النتيجة، يقابله التفكر المخطَّط له من البداية على أساس أنَّ الخلق والأمر وكل شيء يستند إلى الله تعالى. هذا التفكر يجري ويستمر إلى اللانهاية بأبعاد جديدة دون انقطاع قط. بمعنى أنَّ مثل هذا التفكر الذي يبدأ من الله سبحانه باسمَيْه "الأوَّل" و"الظاهر"، ومن ثم يتوجه إليه تعالى أيضًا باسمَيْه "الآخر" و"الباطن"، ليس متناهيًا بل غير متناه. ومن هنا فالحث على هذا النمط من التفكر الذي توضَّح هدفُه منذ البداية، فيه إرشاد إلى استعمال مناهج العلوم الطبيعية وتعلّم أصولها التي تحاول تقرير شكل الوجود وتشخيص تجليه.(التلال الزمردية، 1/45-46).

رشحة

يبدأ تفكرنا من الله سبحانه باسمَيْه "الأوَّل" و"الظاهر"، ومن ثم يتوجه إليه تعالى أيضًا باسمَيْه "الآخر" و"الباطن".

التفكر الصحيح هو المخطَّط له من البداية على أساس أنَّ الخلق والأمر وكل شيء يستند إلى الله تعالى.

الحركية والفكر

الحث على هذا النمط من التفكُّر الذي توضَّح هدفُه منذ البداية، فيه إرشاد إلى استعمال مناهج العلوم الطبيعية وتعلّم أصولها التي تحاول تقرير شكل الوجود وتشخيص تجليه.

معالجة مناهج علوم الطبيعية معالجة جذرية، بحيث تبدأ من الله وتنتهي إليه، لا كما هي عليه اليوم، من كونها متنكرة لله، وللخالق، مؤمنة بالصدفة والمادة والفوضى.

الموت، أو أوان التسريح من العبودية

هو أمر مهم يجب الوقوف عنده وعدم إهماله. بينما الموت ليس عدما أو انقراضا ولا تفتتا وتحللا، ولا فناء، ولا نهاية. كما أن القبر ليس حفرة يتمُّ فيها التحول إلى تراب، ولا مكان وحشة ووحدة. والحقيقة أن الموت عندما خُلق وأوجد لهذا الإنسان المخلوق لحكمة وفي ظل خطة وبرنامج معين، إنما خُلق لنقله من بُعد معيَّن إلى بعد آخر ضمن هذا البرنامج وهذه الخطة. وتغيُّرُ الإنسان من حال إلى حال ودخوله -حسب ثمرات أعماله- إلى مرحلة مختلفة ورجوعه إلى وطنه الحقيقي ودار إقامته الأبدية، ولقاؤه الأرواح الصالحة -طبعا حسب عقيدته وعمله- في ممرات الوصال المتداخلة، ومثولُه أمام خالقه دون كمّ أو كيْف، ونيلُه رضوان الله... لا يتم كل هذا إلاّ بالموت. كذلك لا يعدّ القبر بئرا مظلمة ولا حفرة محاطة بالعدم كما يُحسب ولا غرفة سجن وعزل، بل هو باب مفتوح لعالم مضيء، وممر ينقل الإنسان إلى عوالم نورانية، وموضع انطلاق لارتفاع الروح إلى عوالم أخرى سامية وعالية. والذين أنهوا مهمّتهم أمام "الشاهد الأزلي" الحق تعالى، أو الذين أنهوا خدمتهم في هذه الحياة الدنيا مثل جندي تسرَّح من الخدمة، والذين أتموا -في ظل شعور عميق بواجب الدعوة والخدمة الإيمانية- إيمانهم بالعبادة، ووصلوا بعبادتهم إلى درجة الإحسان، وتهيأوا لاستقبال الحياة الأبدية يمرون من هذا الممر -ممر الموت- ليصلوا إلى سعادة لم تشاهد مثلها عين ولا سمعتْ بها أذن ولا خطرت على قلب بشر.

أجل!.. إن الموت يعني بالنسبة لنا دوما مكانا ذا أبعاد عديدة، وزمانا ذا أعماق يتجول فيها الروح، ويحمل معنى التسريح من وظيفة العبودية، والأوان الذي يقول فيه الحق تعالى لعبده: "لقد آن لك أن ترجع لي بكليتك". والذين يعرفون الحق تعالى حقَّ المعرفة، ويحبونه حقَّ الحب يدركون أنَّ في نداء طلب العودة هذا فضلا كبيرا: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي). والروح الذي يتلقى هذه الدعوة لا يستطيع الانتظار دقيقة واحدة في الدنيا لأن معنى هذه الدعوة هو: تعال أيها الروح... تعال... آن لك أن تغادر هذه الدنيا الضيقة... تخلَّصْ من جوها الكئيب الخانق... ارجع إلى الجنة التي فقدتَها... ارجع إلى الوطن الحقيقي لك. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:144).

رشحة

الحقيقة أن الموت عندما خُلق وأوجد لهذا الإنسان المخلوق لحكمة وفي ظل خطة وبرنامج معين.

أجل!.. إن الموت يعني بالنسبة لنا دوما مكانا ذا أبعاد عديدة، وزمانا ذا أعماق يتجول فيها الروح، ويحمل معنى التسريح من وظيفة العبودية.

الحركية والفكر

استجب مطمئن النفس رضيا، لدعوة كريمة من ربٍّ كريم، جاء فيها: "تعال أيها الروح... تعال... آن لك أن تغادر هذه الدنيا الضيقة... تخلَّصْ من جوها الكئيب الخانق... ارجع إلى الجنة التي فقدتها... ارجع إلى الوطن الحقيقي لك".

أوامر ووصايا ذات أداء أزلي وهندام أبديٍّ

إنَّ هذا الدين -باعتباره وضعًا وتكليفًا من العليم بخلقه- يرشد ويقود إلى الخير أبدًا، ويُجيش القلوب بوعدِ حُسن العاقبة، ويدعو إلى التحوط والحذر بوعيدِ سوء العاقبة. وأوامره ووصاياه في هذا الصدد، باقية وثابتة لا تَخلَق جدَّتها. فإن هذه الأوامر والوصايا، ذات أداء أزلي وهندام أبدي... تَخْلَق الأنظمةُ كلها وتَبلَى، وتبقى هي جديدةً وندية ومغبوطة، إلا في عينِ مَن مَنعتْه الأحكامُ المسبقة من النظر السليم. فما من وسيلة أو طريق للخير والسعادة من نتاج عقل البشر، إلا ويُحكم عليها بالزوال أو القِدم.. ويَعرض عليها التبدل من مجتمع إلى آخر، وتترهل وتخرق بمرور الزمان، وتستهلك وتتهرأ بالغلط والتصحيح المستمرَّيْن... فهي لا تتعدى أن تكون "نُظَيْماتٍ" تُمَنِّي بخيرات نسبية وإضافية في مستوى معين، بل تبدو وكأنها تُمَنّي بالخيرات بالنظر إلى ظاهر أمرها، لكنها لم تحقِّق قط ما تصبو إليه البشرية في الماضي، ولن تحقق أمانيها البتة في المستقبل.

أمَّا الدين الحق، فقد جاء برسالات البُشرَى التي تستجيب لكل مطالب الإنسان المخلوق للأبدية، والمرشحِ لها، والمتقلبِ دائمًا في آمال السعادة الأبدية. وإذ جاء بها لم يكلِّف الإنسانَ بتكليفٍ يخالف ماهيته وذاته، ولم يُهمِلْ رغبةً مِن رغباته ولا مطلبًا من مطالبه؛ فالعقول السليمة والأفكار المستقيمة تُقِرُّ أنْ لا إغفال ولا إحجام في هذا الدين عن رغبات الإنسان ومطالبه وأمانيه، ولا تَناقُض في أوامره التكوينية أو في تفسيرها. وفوق ذلك كله؛ إنه منظومة ممتازة، مفصَّلة حسب ماهية الإنسان وقابلياته وآماله وميوله، يَعِده ويرجيه بالسعادة الأخروية ورضى الحق تعالى وإمكان رؤية الله سبحانه. (ونحن نبني حضارتنا، ص:177).

رشحة

إنَّ هذا الدين يرشد ويقود إلى الخير أبدًا.

أوامر الدين ووصاياه باقية وثابتة لا تَخلَق جدَّتها. تَخْلَق الأنظمةُ كلها وتَبلَى، وتبقى هي جديدةً وندية ومغبوطة.

الدين الحق جاء برسالات البُشرَى التي تستجيب لكلِّ مطالب الإنسان المخلوق للأبدية، والمرشحِ لها، والمتقلبِ دائمًا في آمال السعادة الأبدية.

لم يكلِّف الدينُ الإنسانَ بتكليفٍ يخالف ماهيته وذاته، ولم يُهمِلْ رغبةً مِن رغباته ولا مطلبًا من مطالبه.

الحركية والفكر

يجب أن تتسم دعوة الدعاة، وإرشاد المرشدين، بالملاءمة مع الفطرة السليمة؛ فلا تُناقِض ماهية الإنسان وقابلياته وآماله وميوله، بل تعِده وترجيه بالسعادة الأخروية ورضى الحق تعالى وإمكان رؤية الله سبحانه.

ما يجب علينا اليوم

إنَّ ألحان صروح الفكر هؤلاء، تسمع دومًا في خرير تيار الفكر المديد إلى الماضي. إنَّ الرؤى المختلفة إلى الحياة وأنماط الحياة المتنوعة وأحواض الحضارات العالمية والثراء الثقافي في الجهات الأربع من العالم القديم والجديد، كانت دائمًا من نتاج بيادر الفكر لهؤلاء الأبطال. فمع كلِّ هذا التبديل والتحريف والإبعاد عن الأصل الذي أصابه، يمكننا أن نقول باطمئنان تامٍّ: إنَّ القسم الأعظم من البشر في الأرض لا زالوا يتبعون آثار ذلك المحتوى والمعنى والروح القديم -مهما تعسَّر التأليف بين الحياة المعاصرة وبين هذا القول- وأظنُّ أنَّ الضرورة قائمة لكي نتقبَّل استمرارية الأخطاء -كحالة طبيعية- بحسن الظنِّ وحسن التأويل، وذلك إلى أن يجد "الممثلون" الأبطال الأمورَ التي لم تتعرض إلى التحريف والتبديل من تلك المرجعيات.

وبناءً على ذلك، ما يجب علينا اليوم -ونحن نستعد للتجديد، مرتبطين بأوثق الروابط بجذور معانينا الذاتية- هو أن نجهّز الأبطال الذين يجيدون تلقيح أنفسهم بأمصال الوقاية المستخرجة من ذات أرواحهم... الأبطال المُنْشِدون القادرون اليوم على أداء الكلمات لأناشيد ماضينا من غير تعثر بشيء أو بعائق، وعلى استشعار توقد الحماس في قلوبنا المتجددة كلَّ مرة بتلون آخر. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:123).

رشحة

نحن نؤمن بأنَّ لكل إنسان يومين؛ يوم اعتيادي يعود إليه، ويوم آخر يعود إلى الأجيال القادمة. وإذا كنا نبكي وننتحب من مصاعب اليوم الأول، فإن قلوبنا مفعمة بالأمل والسرور لليوم الثاني ثقة منا بالرحمة اللانهائية للرحمن الرحيم وبعنايته الواسعة.

الحركية والفكر

الضرورة قائمة لكي نتقبَّل استمرارية الأخطاء -كحالة طبيعية- بحسن الظنِّ، وحسن التأويل.

على الممثلين الأبطال البحث دوما عن الأمور التي لم تتعرَّض إلى التحريف والتبديل، من بين المرجعيات.

يجب علينا اليوم أن نجهّز الأبطال الذين يجيدون تلقيح أنفسهم بأمصال الوقاية المستخرجة من ذات أرواحهم.

يجب علينا اليوم أن ننشُد الأبطال المُنْشِدين القادرون اليوم على أداء الكلمات لأناشيد ماضينا من غير تعثر بشيء أو بعائق.

يجب علينا اليوم أن نستشعر توقُّد الحماسِ في قلوبنا المتجددة كلَّ مرة بتلون آخر.

باني الإنسانية.. في أمسها ويومها وغدها

هو -عليه ألف سلام- باني الإنسانية من جديد، ولا يزال، وسيبقى بانيًا في أمسها ويومها وغدها. وكما بدَّل في عصره -بحملة واحدة، وبنفخة واحدة- مفاهيمَ ضالةً، وسلوكيات غير إنسانية، وانحرافاتِ سوء الأخلاق والأمزجة المغروسة في الطبائع من آلاف السنين، فسيُسمِع صوته -يقينا وحقا- للجموع المنفلتة، المنفرِط عقدُها اليوم، ويضبطهم بضوابطه إن عاجلا أو آجلا، ويُظهر قوة رسالته... وسمِّه -إن شئت- تجديد القراءة السديدة والتفسير الصائب في حقيقة (الإنسان، والكون، والألوهية) مرة أخرى، واتخاذ الإنسان موقفا يناسب دوره اللائق به في الوجود. (ونحن نبني حضارتنا، ص:147).

رشحة

هو -عليه ألف سلام- باني الإنسانية من جديد، ولا يزال، وسيبقى بانيا، في أمسها ويومها وغدها.

سيُسمِع r صوته -يقينا وحقا- للجموع المنفلتة، المنفرِط عقدُها اليوم، ويضبطهم بضوابطه إن عاجلا أو آجلا، ويُظهر قوة رسالته.

ستتجدد القراءة السديدة والتفسير الصائب في حقيقة الإنسان والكون والألوهية، مرَّة أخرى.

سيتخذ الإنسان موقفا يناسب دوره اللائق به في الوجود.

الحركية والفكر

واجبنا أن نمثل رسالته r أفضل تمثيل، ونحن المنسوبون إليها، وأن لا نشوهها، فهي في روحها تمتلك القدرة على النفاذ.

ليتحمل كلُّ مسلم مسؤولية إعادة بناء البشرية من جديد، وليثق في الله، وليتقه.

اليوم يوم الفعال

ينبغي على كل واحد أن يقول لنفسه بمسؤولية فردية جادة: "اليوم يوم الفعال. فإن لم أنهض للعمل، فلن ينهض غيري أيضًا"، ثم يكز فرسه ليندفع إلى مقدمة الصفوف لرفع الراية... من غير أن يقع في منافسة أو غيرة، فاسحًا السبيل لمن في يمينه ويساره في الحركة والسعي أثناء تقدمه لحمل الراية. إن الكثير منا قد أطفأ قلوبنا وصب ماء النار في عيون أرواحنا بقسم من أعماله، سواء بعلم أو بغير علم. في هذه المرحلة المظلمة، لم ينتفض أكثرية شعبنا ليحفز أنوار الحقيقة في جوهره، ولم يتوصل إلى الحركيات المعنوية التي تعد من حيويات إحيائنا كالماء والهواء والخصب. وإننا نستطيع في حاضرنا أن نسير بالاتكال على الله تعالى واعتمادًا على قوتنا الكامنة، وعلى روابطنا بالأخرويات كافة. وإنّ نظرَنا إلى الأشياء كلها بعين الروح، واستماعنا إليها بأذنه، وإمساكنا بها بأيديه، وتقويمنا إياها بمحاكمة منفتحة على الإلهام، مرهون بإعادة النظر في هذه القوة الكامنة والروابط بالأخرويات. ونلخص الموضوع بمقترب لنيازي المصري: "لا تبحث عن الروح والمعنى اللذين ينقلانك إلى الصيرورة في خارجك. الْتفتْ بجيدك واستمع إلى وجدانك، وابدأ من نفسك في السياحة نحو الصيرورة باستعمال عدسة ماهيتك" (ونحن نقيم صرح الروح، ص:135).

رشحة

لا تبحث عن الروح والمعنى اللذين ينقلانك إلى الصيرورة في خارجك. التفت بجيدك واستمع إلى وجدانك، وابدأ من نفسك في السياحة نحو الصيرورة باستعمال عدسة ماهيتك...

الحركية والفكر

ينبغي على كل واحد أن يقول لنفسه بمسؤولية فردية جادة: "اليوم يوم الفعال. فإن لم أنهض للعمل، فلن ينهض غيري أيضًا".

واجب كلِّ مسلم اليوم أن يكز فرسه ليندفع إلى مقدمة الصفوف لرفع الراية، في كل الميادين.

واجبنا اليوم هو أن نسير بالاتكال على الله تعالى واعتمادًا على قوتنا الكامنة، وعلى روابطنا بالأخرويات كافة.

الأيام المباركة

نغمات البعد الآخر للوجود

تقوم الأيام والليالي المباركة بإعطاء كلِّ شيء ولكلِّ شخص طعمها ولونها ونكهتها الخاصَّة بها. وتضيفُ إلى كلِّ شيء رفقا وليونة، وتسوقه إلى عالمٍ من الخيال، وإلى أعماقٍ تتجاوز تصوُّراتنا. ففي كلِّ مكان... في السوق والمدرسة.. في المعبد والمعسكر.. يُحدَس سريان سحر عميق في سماء المؤمنين، حيث يبرق جوُّ الآخرة، وتلتمع المحبَّة الإلهية في العيون. وفي ساعات الليل بالأخصِّ تبتسم الأضواء الملونة في عيوننا، وتهمس لنا نغمات بُعد آخر من أبعاد الوجود. وكلُّ وجه نراه في البيوت أو في المعابد أو في أماكن العمل يبدو لنا وكأنه يعيش رحلة وصال وعشق ممض، ويتماوج من حين لآخر مع الأماني والآمال، ثم يتحول إلى شلال من العواطف التي تجري لتصب في اللانهاية. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:129).

في رمضان، تضرع وتأوه

مَن يدري كم مرة رأينا وعشنا شهر رمضان، ولكننا في هذه الأيام التي أحاطت سلبيات مختلفة بالأمَّة، بدأنا نعيش أيام غربة ولوعة وقسوة تكاد تقصم ظهر إرادتنا وعزمنا. ومن كثرة ما تعرَّضنا للهجوم وللإهانة وللظلم في غمار هذا الجوِّ القاسي الذي تحوَّلنا فيه إلى غرباء في أوطاننا، أصبحنا نتوقَّع في كلِّ يوم اعتداءً جديدا، وبدونا وكأننا تعودنا على أن نكون مظلومين. وقد يعود هذا إلى الانسياق العبوديِّ لدينا. هنا نفتح صدورنا لربنا وندعوه بإخلاص وبحرقة متضرعين إليه: "يا ربنا!.. يا مسبب الأسباب!.. بعد تجهم الأعداء وتجاهل الأصدقاء مع ضعفنا وعجزنا فقد انتهت ونفدت الأسباب... لقد أحاطت بنا الحيرة ونحن نسلك الطريق إليك مثلما حدث لسائر السائرين في هذا الطريق... لا تدعنا وحدنا، ولا تجعلنا من منكودي الحظ من المتعثرين والوحيدين في الطريق يا رب!".. نقول هذا ونتأوه. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:182).

عرفات سفح من سفوح الجنة

عرفات ميدان يسود فيه الأمل والقلق مثل ميدان البعث والحشر يوم القيامة، وسفح من سفوح الرحمة. هي موطن لهطول الرحمة الإلهية على قلوبنا كالغيث، كأنَّ الحوادث كلَّها تجري في إطار من الأمل، وكأنَّ الإنسان يتجوَّل فيها طوال يومه بين مواكب الملائكة، ويتذكَّر الآخرة دوما في قيامه وقعوده. يتجوَّل الناس في سهلها وكلُّ واحد منهم كأنه قد انسلخ من كلِّ شيء دنيويٍّ، لا يفكِّر إلاَّ بحساب الآخرة وبالميزان... يتجوَّل كالأشباح حاملا معه قلقه وخشيته، وكذلك أمله في الرحمة الإلهية، يرجو نيل عفو ربه، ويعيش خيال نجاته وفوزه، ويستفيد من يومه الوحيد هناك، ويستغلُّه كاملاً لكي يحصل على ألطاف سَنة كاملة وإلهاماتها... يستغل هذا اليوم، ولكنه ما أن يرى نفسه في موضع آخر وفي وقت دعاء ومناسبة تضرع، حتى يرى أنه لا يستطيع إلا الاندماج في جو الدعاء والتضرع.(ترانيم روح وأشجان قلب، ص:74).

رشحة

في كلِّ مكان يُحدَس سريان سحر عميق في سماء المؤمنين، حيث يبرق جوُّ الآخرة، وتلتمع المحبَّة الإلهية في العيون.

عرفات ميدان يسود فيه الأمل والقلق مثل ميدان البعث والحشر يوم القيامة، وسفح من سفوح الرحمة.

عرفات موطن لهطول الرحمة الإلهية على قلوبنا كالغيث.

عرفات، يتجوَّل الناس في سهلها وكلُّ واحد منهم كأنه قد انسلخ من كلِّ شيء دنيويٍّ، لا يفكِّر إلاَّ بحساب الآخرة وبالميزان.

في عرفات لا يستطيع المرء إلاَّ الاندماج في جو الدعاء والتضرع.

الحركية والفكر

في أحلك الظروف نفتح صدورنا لربنا وندعوه بإخلاص وبحرقة متضرِّعين...

نتذكر عند الشدائد، حديث الطائف، ونتمثله، ونلونه حسب حالنا، مستذكرين معانيه العميقة: "اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى مَن تكِلني؟ أإلى بعيدٍ يتجهّمني؟ أم إلى عدوّ ملّكتَه أَمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي، ولكن عافيتُك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له الظلماتُ وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل عليّ سخطك، لك العتْبى حتى تَرضى، ولا حول ولا قوّة إلا بك".

المحاسبة وشريط الزمن

تفقد النفس في الأمس واليوم وللغد

يمكن أن نعرّف المحاسبة أيضًا بأنها اكتشاف الإنسان بنفسه، جوانبَه اللدنّية وعمقَه الداخلي وسعة معناه وروحه، ومعرفته لهذه الجوانب، ومن ثم القيام بتحليلها وإظهار مكنونها. فهي بهذا المعنى جهدٌ روحي، ومخاض فكري في سبيل استخراج قيَم الإنسان الحقيقية، وإنماءٌ للمشاعر التي هي أسس هذه القيم والحفاظ عليها. ولا يمكن أن يحافظ الإنسان على استقامة الوجدان إلاّ بمثل هذا الجهد والفكر، اللذين يمكّنانه من التمييز بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والنافع والضار، مما يتعلق بأمسه ويومه وغده.

أجل، إنَّ تقييم الفرد لوضعه الحالي وتهيّوءه للمستقبل، وتلافيه الأخطاء التي ارتكبها في الماضي وتطهّره منها لدى الحق تعالى؛ واكتشافه لقيمته الحقيقية بتفقّده لنفسه في أمسه ويومه وغده؛ والأهم من هذا تجديد عالمه الداخلي باستمرار، من حيث علاقته بالله تعالى، لا يكون إلاّ بعد محاسبته لنفسه محاسبة صارمة دقيقة. ذلك لأن محتواه الذي هو فوق الزمان ومشاعره المقيدة بالزمان، مرتبطتان ارتباطًا قويًّا بحياته القلبية والروحية وببقائه مستشعرًا بما أنعم الله عليه من نعم لدُنّية... ولا شك أن المحاسبة بهذا المقياس أمر صعب عسير، ولكن الذي لا يحاسِب نفسه بهذا المستوى لا يمكن أن يستثمر الزمان، فلا يتميز يومُه عن أمسه ولا غده عن يومه. فمن يهدر الزمان فلن يبدي فعالية وكفاءة أخروية البتة. (التلال الزمردية، 1/41).

معاني أمسنا، وفوضوية يومنا، ومعالجات غدنا

مع الزلات والكبوات، كان الانخراط يمضي ويدوم في هذا الإحياء الذي صارت الجموع تستشعره في عوالمها الداخلية وفي أرواحها وقلوبها. وسيحظى الجميع -الجميع من غير استثناء- بوجودٍ ذاتي جديد، عاجلا أو آجلا. صحيح أن موانعَ كأمثال ذلك الضباب والدخان القديم لا زالت تُعيق الرؤية السليمة والإحساس السليم للمجتمع، لكن كثافة الضباب والدخان اليوم ليست بالقتامة التي عهدناها؛ فبشيء من الهمّة والجهد صارت القلوب قادرة على أن تنهَلَ من منابعها الذاتية وأن تحلم بتحقيق رؤاها الحضارية.

غير أنه ينبغي اليوم أن نحدد إطار الفهم لتلك الحضارة، ونعيد النظر في كنهها (بتعريفٍ جامع ومانع)، ونقف على معنى أمسنا ومحتواه، وفوضويةِ يومنا وغموضه، والمعالجات المتصوَّرة لغدنا... ثم نتعرفَ على صوت هذا العصر مع الحفاظ على الأصل والذات من جهةٍ، وأَخْذِ معالجات الزمان الحاضر وتفسيراته بنظر الاعتبار من جهة أخرى. وبدهي أن هذا عمل شاق، لكننا قادرون على القيام بأعبائه بعناية الله عز وجلَّ، ما دمنا قد زججنا بأنفسنا في هذه الطريق. (ونحن نبني حضارتنا، ص:12).

رشحة

المحاسبة: اكتشاف الإنسان بنفسه، جوانبَه اللدنّية وعمقَه الداخلي وسعة معناه وروحه، ومعرفته لهذه الجوانب، ومن ثم القيام بتحليلها وإظهار مكنونها.

المحاسبة: جهدٌ روحي، ومخاض فكري، وإنماءٌ للمشاعر.

سيحظى الجميع بوجودٍ ذاتي جديد، عاجلا أو آجلا.

كثافة الضباب والدخان اليوم ليست بالقتامة التي عهدناها.

بشيء من الهمة والجهد صارت القلوب قادرة على أن تنهَلَ من منابعها الذاتية وأن تحلم بتحقيق رؤاها الحضارية.

الحركية والفكر

واجب المسلم العاقل هو تجديد عالمه الداخلي باستمرار، من حيث علاقته بالله تعالى، ولا يكون ذلك إلاّ بعد محاسبته لنفسه محاسبة صارمة دقيقة.

من أراد استثمار الزمن حقا، فعليه بالمحاسبة المستمرَّة الصارمة لنفسه.

على المرء الانشغال بمحاسبته لنفسه عن محاسبته للآخرين.

ينبغي اليوم أن نحدد إطار الفهم لحضارتنا، ونعيد النظر في كنهها.

اللامحدود في المحدود

لا شك أن ما يؤدي إلى الخير خير مثله، كما أنَّ ما يؤدي إلى الشر شر مثله. فالذي نذر نفسه وحياته للخير وأوقفها لعمل الخير فإن يومه ليس أربعًا وعشرين ساعة، بل سنين طوالا. لأنَّ ساعات يومه الأربع والعشرين تسجَّل كلها حسناتٍ له في دفتر أعماله، فإذا هو وهب نفسه لدعوته وعاش في حبَّ الحقيقة والهيام بالحق فإنه يحظى باللاَّمحدود في هذا العمر المحدود، حتى في أثناء نومه ويقظته وفي مشربه ومأكله وفي حلّه وترحاله. وإنَّ الله عز وجلَّ ينير النقاط المظلمة في حياته جزاء نيته الحسنة وتخطيطه المتقن لأجزاء حياته وفق تفكيره الحسن لدعوته، ويوصله بفضله وكرمه إلى آفاق منيرة. فلا تبقى نقطة سوداء في حياة مَن وهب نفسه في سبيل الله، فلَيله كنهاره. نعم إن كل ثانية من عمره بمثابة سنين من العبادة، كيف لا وهو في طريق الخير. إذ كل ما يبذل في سبيل الباقي الحقيقي له ثواب عظيم مهما طال أو قصر، ولهذا فإن لحظة واحدة منه خير من ألوف السنين من حياة ميتة عقيمة.

ولأن الصحابة الكرام y أدركوا هذا السر كانوا يراجعون الرسول r ويسألونه المزيد من طرُق الخير. حتى كان منهم من يسأل: "دُلَّني على عمَل إذا عَمِلتُه دخلتُ الجنّة".

فهؤلاء الذين استنارت عقولهم بمعرفة الله كانوا في بحث دائم عن طرق أبواب الخير. وهذا يعني تحريهم عن وسائل تيسّر لهم سلوك الطريق نحو الخلود والأبدية. فاستفساراتهم من الرسول r لم تفتر بحثًا عن طرق الخير، حتى كأنهم يتسابقون في هذا السبيل. ولهذا نرى أن الجميع رجالاً ونساءً وشيبًا وشبابًا في جد وجهد دؤوب في الخير، وإحجام وامتناع حازم عن كل ما يحول دونه. (روح الجهاد وحقيقته في الإسلام، ص:57).

رشحة

لا شك أن ما يؤدي إلى الخير خير مثله، كما أنَّ ما يؤدي إلى الشر شر مثله.

كل ما يبذل في سبيل الباقي الحقيقي له ثواب عظيم مهما طال أو قصر، ولهذا فإن لحظة واحدة منه خير من ألوف السنين من حياة ميتة عقيمة.

فهؤلاء الذين استنارت عقولهم بمعرفة الله كانوا في بحث دائم عن طرق أبواب الخير.

الحركية والفكر

إذا أنت وهبت نفسك للدعوة وعشت في حبِّ الحقيقة، والهيام بالحقِّ، فإنك تحظى باللاَّمحدود في هذا العمر المحدود.

ينير الله تعالى النقاط المظلمة في حياتك جزاء نيتك الحسنة، وتخطيطك المتقن لأجزاء حياتك، وفق تفكيرك الحسن لدعوتك، ويوصلك بفضله وكرمه إلى آفاق منيرة.

اسْألْ دوما -مثل الصحابة الكرام- عن المزيد من طرق الخير.

ما أعظمك يا رب!

هذه الحال أو هذا المنوال يساعد على فهم القرآن، وسيأتي يوم يهتدي فيه كبار علماء الغرب الذين يبحثون عن أسرار العلوم وحقائقها عندما يفهمون القرآن حقَّ الفهم ولا يملكون أنفسهم من السجود لله، وستهتف الإنسانية "ما أعظمك يا رب!". أجل سيأتي اليوم الذي يقول العلماء وهم يرَون الأبعاد السحيقة من الكون والتي تبعد عنا ببلايين السنين الضوئية.. سيقولون ما قاله "باسْكَال" وهو يبكي "ما أعظمك يا رب!". (أسئلة العصر المحيرة، ص:72).

رشحة

سيأتي يوم يهتدي فيه كبار علماء الغرب الذين يبحثون عن أسرار العلوم وحقائقها، عندما يفهمون القرآن حقَّ الفهم، ولا يملكون أنفسهم من السجود لله...

الحركية والفكر

ينبغي العمل على تفسير كلام الله تعالى بصيغ تخاطب هؤلاء العلماء، والحذر من التفسير الذي يلحق الأذى بكلام الله تعالى.

فجر يشرق من أفق إيماننا

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا

الأشجار الهرمة الموجودة حوالي أياصوفيا، والجدران القديمة، والقبب الكبيرة منها والصغيرة المملوءة بذكريات مجهولة، تثير في نفوسنا أحيانًا مشاعر مبهمة... مشاعر تنقلب إلى مثْقب يثقب أرواحنا، ويترك في صدورنا آثارا لا تنْمحى. ولكنَّ هذه الحال لا تلبث طويلا، حيث يشرق من أفق إيماننا فجرُ الآمال. وكما ينهزم برد الشتاء وقرّه أمام تفتح الربيع، وكما ينحسر الليل أمام ضوء الفجر، تنحسر الغيوم السوداء المحيطة بأياصوفيا بعد كلِّ هذا الزمن غيمة غيمة، وتتشتت لتبدو السماء الزرقاء الصافية محلَّها...

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا، ولا يمكن أن يكون... ولا يمكن أن يستمر الفراغ إلى الأبد، ولا يمكن للصمت والتدهور أن يستمرَّا إلى ما لا نهاية... لذا فإنَّه حتى في أظلم لحظة من هذا الليل البهيم الذي نعيشه -هذا الليل البعيد عن آمالنا- حتى في هذه اللحظة لم تنعدم أنوار تطرف بعيونها لنا، وتومئ لنا من بعيد... وأنفاس إلهية تملأ أرواحنا وتشرح صدورنا... ونسائم تقوِّي عزائمنا... لم تنعدم ولا يمكن أن تنعدم في أي حين من الأحيان. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:51).

نحن في انتظار أن ينشق النهار في أمتنا

من يوقِد نار هذا التوق والاضطرام والوجد والشوق في وجدانه، يجعل الجهاد أسمى غاياته في الحياة وأعظمها، بل يجعل الموت في هذه السبيل نعمةً عظمى. ولا جرم إن لم يكن الفناء فلا بقاء. فالطريق الموصل إلى البقاء يمر من الفناء، والنهار يعقب الليل والربيع يعقب الشتاء، ومن ليس لهم ليل ولا شتاء في حياتهم إذن لا ربيع لهم ولا نهار.

نحن في انتظار أن ينشق النهار في أمتنا.. نعم تقيمون الليالي الطوال وتقتحمون المصاعب والعسير من الأمور، وتعبرون أنهار الدماء وتدعون وراءكم أمثال أُحد من الجبال ثم تنعمون بفتح مكة والنصر في واقعة "جَالْدِرَان". ثم سيموت كل ذلك بعد شتاء قارس، بعد ليل بهيم، بعد اختلاج آلاف الأوجاع واجتراع آلاف الآلام. ولا جرم أن لكل وِلادة مخاضا، فالذين يريدون أن يذوقوا لذة الولادة عليهم أن يرضوا بآلام المخاض. (روح الجهاد، ص:88).

رشحة

يشرق من أفق إيماننا فجرُ الآمال.

لم يكن الظلام في أي وقت أبديا، ولا يمكن أن يكون.

لا يمكن أن يستمر الفراغ إلى الأبد.

لا يمكن للصمت والتدهور أن يستمرَّا إلى ما لا نهاية.

في أظلم لحظة من الليل البهيم، لا نعدم أنوارا تطرف بعيونها لنا... وأنفاسا إلهية تملأ أرواحنا... ونسائم تقوِّي عزائمنا..

من ليس لهم ليل ولا شتاء في حياتهم إذن لا ربيع لهم ولا نهار.

الحركية والفكر

لنبحث عن بارقة الأمل، وعن فجر الإيمان، في أحلك الليالي..

كل أملنا في النور الرباني، والنفس الإلهي..

إن لم يكن الفناء فلا بقاء.. فالطريق الموصل إلى البقاء يمر من الفناء.

لا جرم أن لكل وِلادة مخاضا، فالذين يريدون أن يذوقوا لذة الولادة عليهم أن يرضوا بآلام المخاض..

سحر الليل في ربوع مزدلفة

الأضواء المنبعثة من المصابيح الموجودة في أرجاء المزدلفة، والوجوه النيّرة للحجَّاج، ونظراتهم التي ضبّبتْها الدموع، وصدورهم التي تموج بالانفعالات، تضيف إلى ساحة هذا المكان المبارك -الذي لا نعرف سوى ليله- جمالا آخر يأخذ بالألباب. أمَّا عندما يتقدم الليل فإن سحره يزداد ويتعمق. وبينما يستريح بعضهم تهيؤًا لغد حافل بالنشاط والجهد، ترى آخرين وهم يقضون الليل حتى الصباح في الصلاة والعبادة. ولا يدري أحد بماذا يفكر هؤلاء من أصحاب الأرواح السامية الذين حبسوا أصواتهم في صدورهم، ولكنهم يوصلون نبض قلوبهم إلى قلوب أهل القلوب... لا أحد يدري بماذا يفكر هؤلاء، ولا ماذا يقولون، ولا ماذا يهمسون لأنفسهم، ولا ما يخطر على بالهم. أصوات قلوبهم تتردد على الدوام في مستويات عالية سامية، وتتسابق مع أنفاس الملائكة وتكون معها كفرسَي رهان. وهؤلاء العمالقة الذين تجاوزوا الزمان، يستمعون إلى قلوبهم ويتكلمون بها. وبجانبِ وقَبْلَ لحن القلوب التي يترنم بها هؤلاء، بل وقبل قبل هذا، ينصتون ويحاولون سماع جميع الأنغام التي يستطيعون جمعها في كورس واحد من ضرب ريشة مشاعرهم على أوتار قلوبهم... يسمعونها معا وينصتون لها معا، ثم يرتشفون ماضيهم مع يومهم هذا، وكأنهم يرتشفون نغمة مليئة بالبهجة والحبور. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:76).

رشحة

عندما يتقدم الليل في مزدلفة، فإنَّ سحره يزداد ويتعمّق.

أصحاب الأرواح السامية، الذين حبسوا أصواتهم في صدورهم، يوصلون نبض قلوبهم إلى قلوب أهل القلوب... أصوات قلوبهم تتردد على الدوام في مستويات عالية سامية، وتتسابق مع أنفاس الملائكة وتكون معها كفرسَي رهان.

الحركية والفكر

تملَّوا جمال ربوع مزدلفة فإنه من الجنة استقى، وإلى سفوحها يشير...

تجاوزوا الزمان، واستمعوا إلى قلوبكم وتكلمون بها.

الذين هاجروا إلى أواسط آسيا!

الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى -نتيجة للفطرة السليمة التي يحملها المرء- كلُّها أمور ضمن الأعمال الصالحة، وكلُّها تؤدِّي إلى تيسير الأمور وتسهيلها. وهذا هو ما يعمله أصدقاؤنا الآن. فهم يعملون ليل نهار، وقد تركوا منازلهم وهاجروا إلى أواسط آسيا أو إلى مناطق أخرى في العالم غير آبهين بالضيق المادي، وحاضرين حتى للتضحية بالفيوضات المعنوية. فلا نبالغ إن قلنا بأنَّ أمثال هؤلاء يكونون مظهرًا للـوُدّ المذكور في الآية. لأن إيفاء حقّ الخدمات التي تصدَّوا لها وحملوها -على أحسن وجه ودون أي نقص- ليس شيئًا هيّنًا. ولكني أظن أن أصدقاءنا هؤلاء قد عدّوا ما يقومون به -والذي يبدو للغير أنه في غاية الصعوبة- جزءًا لا يتجزأ من حياتهم، لذا تراهم مشغولين به ليل نهار، في قيامهم وقعودهم.. في حركاتهم وفي سكناتهم. إذن فلتكن نفوسنا فداءً لصاحب الفضل والمنة الذي يسّر لهم الصعب، وهوّن عليهم الشاق. (أضواء قرآنية في سماء الوجدان، ص:222).

رشحة

أصدقاؤنا الآن، يعملون ليل نهار، وقد تركوا منازلهم وهاجروا إلى أواسط آسيا أو إلى مناطق أخرى في العالم غير آبهين بالضيق المادي، وحاضرين حتى للتضحية بالفيوضات المعنوية...

الحركية والفكر

الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى، كلُّها أمور ضمن الأعمال الصالحة، وكلُّها تؤدِّي إلى تيسير الأمور وتسهيلها.

 

عامل الليل في الأسفار

كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يختار الليل لجميع أسفاره.. ففي الليل سرٌّ آخر، ثم ألا يوصيه القرآن -وإن كان من طرف خفي- بذلك؟ والنبي موسى عليه السلام قاد المؤمنين ليلاً للهروب معه، لأن الله تعالى قال له: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ).. وأصدر الأمر نفسه إلى النبي لوط عليه السلام: (وَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَد).. وعندما أسري بسيد الأنبياء عليهم السلام، ثم بدأ بسياحته السماوية التي تجاوز فيها جبريل عليه السلام، كان هذا الإسراء ليلاً: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).

وهناك سفر ليلي لكل نبيٍّ تقريبًا، فالمنازل تُقطع بالليل وتصبح تلك الليالي ليالي الوصول والقرب إلى الله. والله تعالى يقسم بالليل في كثير من آياته، فأعمال البر والخير الوضيئة التي تعمل في ظلام الليل البهيم تجعل الليل أضوأ من النهار وأكثر منه نورًا. يقول الشاعر المتصوف إبراهيم حقّي الأرْضُرُومي:

يا عين ما هذا النوم؟!

تعالي واستيقظي في الليالي،

وتأملي، تأملي سير الكواكب في الليالي

فالذي يقطع المسافات يقطعها ليلا.. وفي الليل تبتل سجادته بالدموع عندما يخر للسجود.. هنا يستطيع روحه أن يرتفع ويقطع المسافات.. والذي تعوّدت جدران بيوته على سماع تأوهاته يستطيع التسلق إلى آفاق تقصر دونها المسافات.. أمثال هؤلاء يقطعون هذه المسافات في الليل.. والذين قطعوا هذه المسافات قطعوها ليلا، أما الذين ناموا في الليالي فقد بقوا في وسط الطريق. فإن كنتم تريدون الخلاص من عذاب البرزخ، فلا تدَعوا لياليكم دون تهجد.. لا تدعوها لأن الرسول r لم يدعها. يقول محمد إقبال: "بقيت عشرين سنة في لُندن، في عالم الضباب، ولا أتذكر أنني تركت صلاة التهجد في أي ليلة من لياليها"..

أجل، فمن يستغل الليل -حيث ينقطع كل صوت- سيجد كلّ كلام يتلفظ به صدى في وجدانه، وسيستطيع قطع المسافات. فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع المسافات المادية والمعنوية في الليل، لذا كان يسافر ليلاً ويرتاح نهارًا وهكذا يفاجأ الأعداء به، إذ يرونه أمامهم فجأة فيذهلون.. (فَإذَا نزلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ). وهذه الآية تعرض مقطعًا صغيرًا من هذا المنظر. أجل، كان إذا نزل في ساحة قوم أعداء بجيشه فهذا يعني أنَّ أمر هؤلاء الأعداء يُعد منتهيًا وساء صباحهم. (النور الخالد، ص:465).

رشحة

في الليل سرٌّ آخر.

هناك سفر ليلي لكل نبيٍّ تقريبًا.

كان الرسول r يقطع المسافات المادية والمعنوية في الليل.

كان الرسول r يهاجم في السحر.. ففي السحر كانت تظهر معتقدات أهالي تلك المنطقة.

السحر هو الوقت الذي تهبّ فيه نسائم التجلّي.

الحركية والفكر

فالمنازل تقطع بالليل وتصبح تلك الليالي ليالي الوصول والقرب إلى الله.

الذي يقطع المسافات يقطعها ليلا.. وفي الليل تبتل سجادته بالدموع عندما يخر للسجود.. هنا يستطيع روحه أن يرتفع ويقطع المسافات..

الذي تعوَّدت جدران بيوته على سماع تأوهاته يستطيع التسلق إلى آفاق تقصر دونها المسافات..

فإن كنتم تريدون الخلاص من عذاب البرزخ، فلا تدَعوا لياليكم دون تهجّد.

 المحاسبة.. نحو أفق "الإنسان الكامل"

إنَّ محاسبة النفس باستمرار ومعاتبتها هي من كمال الإيمان، وكلُّ روح تستهدف أُفق "الإنسان الكامل"، ووضعت خطَّتها وفقه، هي في شعور تام بحياتها المعيشة، فيقضي صاحبُها دقائق عمره في مجاهدة مع نفسه، حتى إنه يسأل الشفرة (أو كلمة السر) عن كلِّ خاطر يمر على قلبه، ويطالب تأشيرة الدخول لكلِّ فكر يرِد إلى عقله، ويراقب مراقبة دائمة نفسانيته -أي التي تداخلت فيه النفس- وأعماله المفتوحة للشيطان ولتوتر الأعصاب ولحدَّة الحساسية. بل كثيرًا ما يحاسب نفسه على أجلِّ حالاته وأفضل أطواره.. ويحرِّك كلَّ صباح ومساء ما في يده من مكوك لحياكة المحاسبة بين لُحْمة اللوم وسَداه، ساعيًا بهذه الحالة الروحية حياكة نسيج حياته الرقيقة.. فيعيد كلَّ مساء استعراض نواقصه وأخطائه ويدقِّقها، ويستقبل كلَّ صباح سادًّا أبوابه للآثام، ويفتح صفحة جديدة بعزم جديد. (التلال الزمردية، 1/41).

رشحة

إنَّ محاسبة النفس باستمرار ومعاتبتها هي من كمال الإيمان.

كثيرًا ما يحاسب الإنسان الكامل نفسَه على أجلِّ حالاته وأفضل أطواره.

الحركية والفكر

حرِّك أيها المؤمن كلَّ صباح ومساء ما في يدك من مكوك لحياكة المحاسبة بين لحُمة اللوم وسَداه، ساعيًا بهذه الحالة الروحية حياكة نسيج حياتك الرقيقة كلها.

ربُّ المشرقين، وربُّ المغربين

تبدو هذه الآية في الوهلة الأولى وكأنها تشير إلى حدود المشرقين والمغربين. فمثلاً يختلف المشرق والمغرب في فصل الصيف عن المشرق والمغرب في فصل الشتاء. فالشمس في الصيف تغرب في أقصى المغرب وتشرق من أقصى المشرق. وفي فصل الشتاء تشرق الشمس من أدنى المشرق وتغرب في أدنى المغرب. إذن فالشمس تشرق كلَّ يوم من مشارق مختلفة وتغرب في مغارب مختلفة. وهذا يعني وجود مشارق ومغارب مختلفة بين أقصى المشرقين وبين أقصى المغربين. لذا قيل هنا رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (الرحمن:17).

انطلاقًا من هذه الملاحظة نقول إنه مع وجود مشرقٍ ومغرب مختلف كل يوم، فقد تم تناول مشرقين ومغربين يمثِّلان الحدود القصوى للشروق والغروب، وترجع المشارق والمغارب النسبية بين هذين الحدين كلٌّ إلى القطب القريب منه. هذا علما بأنَّ القرآن الكريم عندما تناول جميع الأبعاد بنظر الاعتبار ذكر المشارق والمغارب بصيغة الجمع فقال: فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ. فذكر بجانب بُعد المشرق -الذي هو المبدأ والأصل- بُعد المغرب الذي يعد تابعًا واستمرارًا له.

إضافة إلى الشمس والقمر قد تكون جميع الأجرام السماوية التي تشرق وتغرب بالنسبة لكرتنا الأرضية مقصودة أيضًا بهذه الآية. وقد يكون هذا الأسلوب المستعمل هو للإشارة إلى اختلاف مطالع الشروق واختلاف مطالع الغروب الناتجة من دوران الأرض حول محورها.

وقد ينتج عن دوران الأرض حول الشمس، ودوران الشمس حول محور معين ضمن مجرة درب التبّانة وهي منطلقة في طريقها مشرقين ومغربين، فيكون هذان الجرمان السماويان -أي الأرض والشمس- إشارتين إلهيتين مباشرتين -أمَّا غيرهما فإشارات غير مباشرة- حول القدرة الإلهية من جهة وتذكيرا بنعم الله تعالى من جهة أخرى.

قلنا إنَّ الشروق والغروب يشير إلى القدرة والنعم الإلهية... أمَّا القدرة فلكونها ضمانًا للجنة وللخلود، وأمَّا النعمة فبسبب الاستجابة إلى مطالبنا الروحية والجسدية مما يستدعي الشكر وعدم الوقوع في الجحود ونكران الجميل. نتذكر هذا ونتساءل على الدوام (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان)... نقول هذا ونستغرق في الشكر والحمد.

الله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. (أضواء قرآنية في سماء الوجدان، ص:277).

رشحة

هذان الجرمان السماويان -أي الأرض والشمس- إشارتان إلهيتان مباشرتان -أمَّا غيرهما فإشارات غير مباشرة- حول القدرة الإلهية من جهة، وتذكيرا بنعم الله تعالى من جهة أخرى.

الشروق والغروب يشيران إلى القدرة والنعم الإلهية. أمَّا القدرة فلكونها ضمانًا للجنة وللخلود، وأمَّا النعمة فبسبب الاستجابة إلى مطالبنا الروحية والجسدية مما يستدعي الشكر وعدم الوقوع في الجحود ونكران الجميل.

الحركية والفكر

الشكر وعدم الوقوع في الجحود ونكران الجميل.

يجب أن نستغرق في الشكر والحمد.

أوقات بطعم مختلف

الاستماع إلى الوجود

إنَّ الذين يستطيعون الاستماع إلى الوجود من خلال منافذ قلوبهم، تنقلب الأيام والليالي المباركَة لديهم إلى شاعر يتكلَّم بلغة ما وراء هذا العالم، وإلى ملحِّن لألحان موسيقى مِن عالم آخر، فيهمسان في قلوبنا أعذب الكلمات والألحان. وتقوم هذه النسائم التي تهبُّ علينا بإزاحة الصور الأخرى المادية التي تحيط بكياننا الماديِّ، لتوصلنا من خلال المنافذ والممرَّات الخاصَّة التي تفتحها في أعماق قلوبنا، والمطلَّة على دار العقبى... لتوصلنا إلى السفوح المجهولة للعالم، وللطرَف الآخر لنغرق في لجة من الوجد.

في مثل هذه الأوقات يكون الصباح كأنه سعادة الخطوة الأولى في دخول الجنة، والظهر كأنه أوان التخلص من تعب النهار، ولحظة الفرحة لرؤية الحبيب والتملِّي بحسنه. ويكون المغرب أوان سعادة المشي لوصال الحبيب عند إقبال الظلام. أمَّا الليل فهو أوان لأنواع لا يستوعبها العقل والإدراك من ألوان جمال الخلوة. وكلُّ وقت من هذه الأوقات يمر بطعم وبلذة مختلفة ثم يذهب ويغيب. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:166).

أقداح الفرح والحزن

تشرق الشمس في كلِّ يومٍ على مشاعرنا هذه. وعندما يرتفع الأذان فوقَ المآذن في الظهر تتداعَى هذه المشاعرُ مرَّة أخرى. وكلُّ غروب يهَبُ لأرواحنا أقداح الفرح والحزن. وتلفُّنا كلُّ ليلة بسحرِ الخلوة، وتفتح مغاليق ألسنتنا لنبثَّ لواعجنا، فيسرع كلٌّ منَّا إلى سجادة الصلاة لينفس عن حسرته وعن لواعجه وعن فرحه... يئنُّ أحيانًا، ويصرخ من الفرحة أحيانًا أخرى. (ترانيم روح وأشجان قلب،  ص:188).

رشحة

إنَّ الذين يستطيعون الاستماع إلى الوجود من خلال منافذ قلوبهم، تنقلب الأيام والليالي المباركَة لديهم إلى شاعر يتكلَّم بلغة ما وراء هذا العالم، وإلى ملحِّن لألحان موسيقى مِن عالم آخر، فيهمسان في قلوبنا أعذب الكلمات والألحان.

الحركية والفكر

علينا إزاحة الصور المادية التي تحيط بكياننا الماديِّ.

الاجتهاد للوصول إلى السفوح المجهولة للعالم، وللطرف الآخر لنغرق في لجّة من الوجد.

محادثة الأوقات والسماع إلى نفحاتها، طلبا للسمو واللذة الأبدية.

 الزمن في عرفات

الشروق في عرفات والغروب يكون دائما في جو من المهابة والعمق. ومن المحتمل أنه ما من شاعر بليغ يستطيع الترنم بأبيات كالتي تترنم بها عرفات وتسكبها في قلوبنا، أو تهمس لنا بحكمة وجودنا وغايته. وأنا أرى أنه لا بد لكل من يرغب في الوصول إلى رقة في الروح أن يتوجه إلى عرفات مرة واحدة في عمره على الأقل، ويمتزج بجوّها ويعيشه، ويتنفس شروق عرفات وغروبها كتنفسه الأوكسجين.

يعيش الإنسان في عرفات جو الدعاء والتضرع، ويطلق الآهات الحبيسة في قلبه التي ترتعش منها جوانحه. أما الأدعية بعد فترة العصر فتكون أكثر عمقا، لأنها تبدو وكأنها قد تضمخت بعطر وجوٍّ مِن وداع حزين، وتشبه الأصواتُ والأنفاس أصوات الملائكة فيما وراء السماوات، حتى تصل إلى ذروة السعة والنقاء. وكلما سمع الإنسان الآهات المنبعثة من سهل عرفات يشعر من الجو الأخروي لهذه الأصوات، ومن الرقة والشفقة والرجاء الذي يحدثه الأمل في السعادة الأبدية، بأنه قد أصبح شابا وخالدا، وأنه اتسع وولج من فرجة باب كبير. أما عندما تغرب الشمس، وينشر الظلام جناحه فوق الأفق جالبا معه مشاعر فوارة من مشاعر الوداع، نتخيل وكأن الآمال قد تجسمت وبدأت تسيل في داخلنا، وأن مشاعرنا قد تنورت بفيض عرفات وبركتها، وأننا قد انسللنا من قوالبنا الجسدية -كما يحدث في الأحلام- ويممنا شطر نَواحٍ روحية ومعنوية غير واضحة المعالم تماما، وأننا بدأنا نئن كأنين عرفات، وأننا مع غروب الشمس ذبنا وانتهينا، وأننا قد تحولنا إلى آهات مثل الآهات التي تطرق أسماعنا في عرفات، بل إلى صراخ... ونحس بأننا قد تخلصنا من أثقالنا واكتسبنا أجنحة، ونحسب أن ماهيتنا قد تغيرت وتحولت إلى ماهية روحية وكائن روحاني، فيأخذنا الذهول ونتسمّر في أماكننا. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:74).

رشحة

الشروق في عرفات والغروب يكون دائما في جو من المهابة والعمق.

ما من شاعر بليغ يستطيع الترنم بأبيات كالتي تترنم بها عرفات وتسكبها في قلوبنا.

يعيش الإنسان في عرفات جو الدعاء والتضرع، ويطلق الآهات الحبيسة في قلبه التي ترتعش منها جوانحه.

الحركية والفكر

أرى أنه لا بد لكل من يرغب في الوصول إلى رقة في الروح أن يتوجه إلى عرفات مرة واحدة في عمره على الأقل، ويمتزج بجوّها ويعيشه، ويتنفس شروق عرفات وغروبها كتنفسه الأوكسجين.

اغتنام عرفات بالدعاء والتضرع، وإطلاق الآهات الحبيسة في القلب، مما ترتعش منه الجوانح.

السحر.. أوان هبوب نسائم التجلي

نفَس اللانهاية

أمَّا نسيم السَّحَر... آه من نسيم السحر!.. إنه يهبّ كنفَس من اللانهاية، ويثير قلوبنا ويجعلها تنبض بقوة وكأنه يحمل لطفا وفضلا؛ لأن هذه الدقائق السحرية التي نتوجه فيها نحوه تبدو لنا -بفضل إيماننا وعشقنا وآمالنا- وكأنها عصارة الحقيقة الأبدية، فتنسكب على قلوبنا، وتنبت في أعماق أرواحنا براعم فواكه شجرة طوبى، وتأخذ بيدنا لتجول بنا في سفوح الجنات. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:132).

السحر في سيرة الحبيب

كان الرسول r يهاجم في السحر.. ففي السحر كانت تظهر معتقدات أهالي تلك المنطقة، وذلك عند قيامهم -وعدم قيامهم- برفع الأذان وإقامة الصلاة. فالسحر هو الوقت الذي تهب فيه نسائم التجلي، يقول الشاعر المتصوف إبراهيم حَقِّي:

تهبّ نسائم التجلي في السحر

فيا عينيّ! استيقظا عند السحر

وقت السحر مهم جدًّا لدى المؤمن، فهو الوقت الذي تهب فيه على المؤمن نسائم التجلي، وفيه يتهيأ لولوج عالم المعاني لأنه يتهيأ فيه للصلاة.

لذا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختار الفجر على الدوام، فبينما كان العدو ينهض من فراشه متثائبًا، إذا به يرى المؤمن المتوثب نشاطًا أمامه. كانت هذه هي طريقته في أغلب الأحيان، فعندما هتف أمام أسوار خيبر: "الله أكبر! خربت خيبر!" اهتزت هذه الأسوار، ولكن لم يدر أحد كيف وصل هذا الجيش إلى هناك، لأنه r كان يقوم بغزواته بسرعة البرق، ويجد في سير متصل بحيث أن أسرع الجمال ما كانت تستطيع اللحاق به، وكانت غزوة بني المصطلق من هذه الغزوات السريعة. وعندما ذر النفاق بقرنه عند العودة من هذه الغزوة، رأى بفطنته الكبيرة أن أفضل وسيلة للحيلولة دون انتشار آثار فتنة النفاق هو إصدار الأمر بالسفر المتصل دون توقف. وبفضل هذا السير المتصل لم يجد المنافقون الفرصة لزيادة نار الفتنة، ومع أن عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول كان يخطط في فكره أشياء وأمورًا إلا أنه لم يجد الوقت الضروري لإنضاج أفكاره أو وضعها موضع التننفيذ. فالجميع كانوا في سير سريع وكأنهم يعْدون عدوًا، لقد تم الذهاب والإياب بهذه السرعة، فتعِب الجميعُ تعبًا شديدًا، لذا فما أن أعطى لهم الإذن بالراحة حتى وقعوا نيامًا حتى طلوع الشمس في اليوم التالي، ولعله المرة الأولى التي تم فيها أداء صلاة الصبح في الضحى.

استمر هذا حتى السنة الخامسة للهجرة. لذا، علمت القبائل أن أيّا منها لن تستطيع الوقوف وحدها أمام الرسول r، لذا قرَّرت توحيد قوتها والوقوف معًا أمام الرسول r، وهكذا جمعوا قواتهم وتوجهوا إلى المدينة. (النور الخالد، ص:465-466).

رشحة

أمَّا نسيم السَّحَر... آه من نسيم السحر!.. إنه يهبّ كنفَس من اللانهاية، ويثير قلوبنا ويجعلها تنبض بقوة وكأنه يحمل لطفا وفضلا.

السحر هو الوقت الذي تهبُّ فيه على المؤمن نسائم التجلي، وفيه يتهيأ لولوج عالم المعاني لأنه يتهيأ فيه للصلاة.

الحركية والفكر

في السحر تهبُّ نسائم التجلي، وفيه يتهيأ المؤمن لولوج عالم المعاني لأنه يتهيأ فيه للصلاة.

تعلّمْ فن السحَر من الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم.

المفتاح السحري

النية مفتاح سحريٌّ، يستطيع أن يقلب حياتنا المؤقَّتة هذه إلى حياة خالدة، أو إلى حياة شقاء وعذاب. والذين يستعملون هذا المفتاح استعمالاً جيدًا لا تبقى في حياتهم ناحية مظلمة، بل ستشعُّ حياتهم نورًا، ويصلون إلى الحياة المطمئنَّة الخالدة. ذلك لأنَّه عندما تؤدَّى الواجبات اليومية والأسبوعية والشهرية بإخلاص فإنَّ الفضائل المترتبة على هذه الواجبات والثواب لا تنحصر ضمن زمن الأداء، بل ستحتضن كلَّ دقائق وثواني الحياة وتشملها بتأثيرها. الجندي المتهيِّئ للجهاد سينال حصَّته من ثواب المجاهد حتى خارج أوقات الجهاد الفعليِّ، كما أنَّ الحارس الذي يتناوب في حراسة حصن أو موقع عسكري، سينال ثواب عبادة عابد طوال شهور وشهور. (أسئلة العصر المحيرة، ص:51).

رشحة

النية مفتاح سحريٌّ، يستطيع أن يقلب حياتنا المؤقَّتة هذه إلى حياة خالدة، أو إلى حياة شقاء وعذاب.

عندما تؤدَّى الواجبات اليومية والأسبوعية والشهرية بإخلاص فإنَّ الفضائل المترتبة على هذه الواجبات والثواب لا تنحصر ضمن زمن الأداء، بل ستحتضن كلَّ دقائق وثواني الحياة وتشملها بتأثيرها.

الحركية والفكر

الاستعمال الأمثل للمفتاح السحري: "النية".

أداء الواجبات بإخلاص.

لحظة اليأس

لحظة اليأس هي اللحظة الأخيرة في حياة الإنسان الذي لم يُقبل إيمانه. ولكن من المهم تعيين بداية هذه اللحظة. هذه البداية تكون في الآونة التي ييأس فيها الشخص في لحظاته الأخيرة من العودة إلى الحياة الدنيا والعيش فيها بكامل شعوره. وفي نظرة أخرى هي اللحظة التي ييأس فيها الشخص المشرف على الوفاة والملتفّون حواليه من عودته إلى الحياة الدنيا.

أجل! يُقبل إيمان المرء حتى في لحظاته الأخيرة -ما دام مالكًا لقواه العقلية- إن استطاع الإيمان. وهذه هي اللحظة التي كرر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان من عمه أبي طالب. ولكن أبا طالب ذكر -نتيجة لضغوط خارجية- بأنه "يموت على ملّة عبد المطلب". وحادثة أخرى يستحق الوقوف عليها هي حادثة الصبي اليهودي المريض. فقد زار الرسول r صبيًا يهوديًّا مشرفًا على الموت فلقّنه أن يقول: "لا إله إلا الله" فنظر الصبي إلى والده كأنه يستأذنه، فأشار إليه والده بالقبول فانطلق الصبي يعلن إيمانه ويتلفظ بكلمة الشهادة. إذن فما دام الشعور غير مختل فإنَّ أبواب السماء تكون مفتحة لقبول الإيمان.

أجل! لحظة اليأس -أي اللحظة التي لا يقبل فيها الإيمان- هي اللحظة التي لا يملك فيها الإنسان شعوره وهو على وشك مغادرة الدنيا ولا يُقبل فيها إيمانه. ولكن إن حصل العكس، فإنه ينظر إلى نية الشخص في تلك اللحظة وشعوره وقناعته كبذرة ستنمو في الحياة البرزخية وفي حياة الحشر وتكبر لتكون باقة جزاء ومكافأة له.

إذن فما دام الشخص قبل لحظة الاحتضار لم يقطع أمَله من العودة إلى حياة الدنيا ولم ييأس منها، فإنَّ التوجُّه من الكفر إلى الإيمان يكون مقبولاً على الدوام. فإن كان الوضع معكوسًا كان له حكم مختلف. أي إنه إن تم قطع الأمل من الدنيا وفتحت أستار النظر إلى حياة العقبى، فإنَّ الفرصة تكون قد فاتت؛ لأنَّه لم يعد هناك مجال للقيام بأيِّ عمل صالح وإن كان كلمة طيبة. والرحمة الإلهية تعطي فرصة للذين لوّثوا حياتهم الدنيوية بالفسق والفجور إن آمنوا وتابوا وذلك حسب فحوى الآية الكريمة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). (أضواء قرآنية، ص:113).

رشحة

لحظة اليأس هي اللحظة الأخيرة في حياة الإنسان الذي لم يُقبل إيمانه. ولكن من المهم تعيين بداية هذه اللحظة.

لحظة اليأس هي اللحظة التي ييأس فيها الشخص المشرف على الوفاة والملتفون حواليه من عودته إلى الحياة الدنيا.

يُقبل إيمان المرء حتى في لحظاته الأخيرة -ما دام مالكًا لقواه العقلية- إن استطاع الإيمان.

ما دام الشعور غير مختل فإنَّ أبواب السماء تكون مفتحة لقبول الإيمان.

الرحمة الإلهية تعطي فرصة للذين لوّثوا حياتهم الدنيوية بالفسق والفجور إن آمنوا وتابوا.

الحركية والفكر

عدم اليأس، ما دام في الأمل فسحة: (لاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ)(يُوسُف:87)، (لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)(الزُّمَر:53).

المسارعة إلى التوبة، حتى وإن بدا أن لحظة اليأس قد حلَّت.

خزائن رحمة الله واسعة، ولا يملك أحد غلقها أو صدَّ الناس عنها.

أدعية الشر، ولطف الله بعباده

من لطف الله تعالى بنا أنه لا يستجيب بسرعة لأدعية الشر، مع أنَّ ألسنتنا تعودت على أدعية الشر في كلِّ آن على أنفسنا أو على غيرنا أمثال "قاتله الله" أو "ليصبه الله بالبلاء". ولكن الله تعالى وهو الرب الكريم والحليم لا يتعجل -مثلنا- في قبول هذه الأدعية. ولو تعجل في إستجابة كلِّ دعاء وقبوله لانتهى أمر الجميع في لحظة واحدة. ولكن هناك فترات وأزمنة معينة يستجاب فيها للأدعية فيمكن أن يقول الله تعالى "سأستجيب لكل دعاء في هذه الساعة"، أي تكون تلك الساعة ساعة استجابة لكل دعاء يدعوه العبد آنذاك.

ولا ينحصر هذا في الدعاء القولي فقط، بل يشمل أحيانا الدعاء الفعلي أيضا. أي تدخل الأفعال والأعمال المنفذة في ساعة الاستجابة هذه ضمن إطار الدعاء. لذا يجب الانتباه إلى هذا على الدوام. والرسول r ينبّهنا ويحذرنا على الدوام عندما يقول: "لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم" ومع هذا فإن بعض المعارضين للأنبياء ولخلفائهم وورثتهم قالو لهم في مجال التحدي والإنكار. (أضواء قرآنية، ص:163).

رشحة

من لطف الله تعالى بنا أنه لا يستجيب بسرعة لأدعية الشر.

لو تعجل سبحانه وتعالى في استجابة كلِّ دعاء وقبوله لانتهى أمر الجميع في لحظة واحدة.

الحركية والفكر

"لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم".

حين يفيض الأذان!

في اللحظة التي يفيض ويحين وقت الأذان من خلال ضجة الحياة، أو من خلال الصمت المخيم عليها، ومن إشارات عقارب الساعة، ومن تغيير الشمس لموضعها، وزيادة الحركة والضجة حول الجامع، ومن سماع خرخشة مكبرات الصوت بينما يحاول المؤذن تعيير صوته تهيؤا للأذان... بعد كلِّ هذه الإشارات حول قرب وقت الصلاة، تبدأ في الصدور أحاديث صامتة، وسماع أصوات غير واضحة المعالم مثل هذيان المستيقظ توا من النوم، وسماع كلمات تتجاوز أبعادنا الجسمية، وكأن الإنسان بدأ يعيش حياة برزخ بين الدنيا والآخرة. ومع أن الصلاة لم تبدأ بعد إلا أن أحاسيس أخرى تبدأ بالظهور نتيجة مناورات الفكر ومحاولته البحث عن مجار وقنوات جديدة... ويدمدم الإنسان بأشياء لا تعد ولا تحصى... وهنا وبعد قليل وقبيل بدء العبادة المزمع إقامتها تتوجه القلوب إلى نوع من التوثب والتركيز الروحي... وتحاول بمعاونة جميع الملكات الروحية والقابليات الوصول إلى حالة من التهيؤ والاستعداد المرجو. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:80).

رشحة

بعد كلِّ هذه الإشارات حول قرب وقت الصلاة، تبدأ في الصدور أحاديث صامتة، وسماع أصوات غير واضحة المعالم مثل هذيان المستيقظ توا من النوم، وسماع كلمات تتجاوز أبعادنا الجسمية، وكأن الإنسان بدأ يعيش حياة برزخ بين الدنيا والآخرة.

الحركية والفكر

قبيل بدء العبادة المزمع إقامتها تتوجه القلوب إلى نوع من التوثب والتركيز الروحي... وتحاول بمعاونة جميع الملكات الروحية والقابليات الوصول إلى حالة من التهيؤ والاستعداد المرجو.

المشاعر اللدنّية ولحظات رمضان

في كل ليلة من ليالي رمضان نهبّ من فراشنا وكأننا مقبلون على سفر بعيد، ونضع حظرًا على النوازع الجسدية. وبمشاعر خفيةٍ مقفلة على الدنيا ومفتوحة على "الحبيب"، نتوجه إليه وحده، ونكاد نعدو من لهفتنا وفرحنا وشوقنا. وبالنسائم السحرية التي تهبّ علينا من حولنا وتحتضن كياننا وتلفه، نبتعد عن المشاغل اليومية وندخل في جو الآخرة. في مثل هذه الأحوال تنفث ساعات الإشراق هذه سحرها في أرواحنا، وتشعل في قلوبنا شرارة الخلود والأبدية. تحمل مثل هذه اللحظات من الأنس واللطف والحلاوة والصدق بحيث أن كل ثانية منها بل كل ثالثة كلما توزعت وانتشرت وتعمقت في حنايا ضلوعنا، نحس وكأننا دخلنا إلى عالم الوصال، إلى درجة نتخيل فيها أن قبة وجودنا تكاد تنشق وننتقل إلى العالم في الطرف الآخر. وهذه وتيرة طبيعية كما قال الشاعر:

يا قلب! صاحبُ النفس هو الذي طلبها

لمَ الحزن؟ هي ليستْ لي وليست لك

كم تكون حلاوة هذه الدقائق وهذه اللحظات في العمر ضمن هذه المشاعر اللدنّية، حتى إننا قد نشعر بالامتعاض من مرورها السريع، ونتمنى دوامها ونقول: "ليت مثل هذه اللحظات الحلوة من شلال الزمن لا تسيل بمثل هذه السرعة، ويا ليتنا كنا نملك الإحساس بها بكل ثانية أو ثالثة أو عاشرة، مثلما يحس الإنسان بحلاوة شراب بارد في كل نقطة من النقاط التي يمر عليها". (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:188).

رشحة

بالنسائم السحرية التي تهبّ علينا من حولنا وتحتضن كياننا وتلفه، نبتعد عن المشاغل اليومية وندخل في جو الآخرة.

"ليت مثل هذه اللحظات الحلوة من شلال الزمن لا تسيل بمثل هذه السرعة، ويا ليتنا كنّا نملك الإحساس بها بكل ثانية أو ثالثة أو عاشرة، مثلما يحس الإنسان بحلاوة شراب بارد في كل نقطة من النقاط التي يمر عليها".

الحركية والفكر

في كل ليلة من ليالي رمضان نهبّ من فراشنا وكأننا مقبلون على سفر بعيد، ونضع حظرًا على النوازع الجسدية...

رفض لميراث مبارك من ألف عام

الصحيح هو أننا ارتكبنا خطأ من أعظم ما لا يغفره التاريخ: ضحّينا بالدين في سبيل الدنيا، طمعًا في عمارة دنيانا، وتبنّينا فهما يرجح الدنيا على الدين... فوجدنا أنفسنا مذَّاك أسرى في شباك "الممتَنِعات"... وضاع الدين، وفرَّت الدنيا... وعاش هذا العالم المجيد-التعيس، مرحلة التفريغ: رفضٌ لميراث مبارك من ألف عام، وتلبيس على الشعب بمبدأ مصطنع، وتركيب الدولة العظيمة وتصميم بنائها على قاعدة هشة ومتهاوية، وتعريض التاريخ والقوم والأرومة والثقافة الموروثة إلى الازدراء والتزييف، وإلقاء النفس في أحضان أعداء الألف سنة، ثم دس أشد الأفكار إلحادًا بأفحش الألفاظ طرًّا في جسم الوطن، بل شهدنا انهمار الجوائز والمكافآت على من يزخْرف هذه الأفكار بالشعر والنثر، بل السعي لإحياء الشيوعية في العواطف والأفكار والأخلاق في عالم المسحوقين والضعفاء والمظلومين. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:16).

رشحة

ضحّينا بالدين في سبيل الدنيا، طمعًا في عمارة دنيانا، وتبنينا فهمًا يرجح الدنيا على الدين.. فوجدنا أنفسنا مذَّاك أسرى في شباك "الممتَنِعات".. وضاع الدين، وفرَّت الدنيا...

الحركية والفكر

وعْينا بالتاريخ، والحرص على غرسه في قلوب الناشئة هو من صميم الواجب، ومن صلب المعركة الكبرى والقضية العظمى لأمّتنا...

خدمات النبي صلى الله عليه و سلم للبشرية

معنى هذا الاعتراف المخلص أن الثمار الناتجة من جهود جميع الأنبياء والفلاسفة وكبار رجال العلم والدولة والسياسة وصل إلى مثلها الرسول r في مدى ثلاثة وعشرين عامًا فقط، وأنه رغم جميع التقدم التقني والعلمي الحاصل منذ أربعة عشر قرنًا فإنَّ البشرية لم تستطع سوى إنجاز نفس النسبة التي استطاع الرسول r من إنجازها في حياته وهي نسبة 25%، أمَّا نسبة 25% الباقية فستحصل عليها البشرية فيما بعد ضمن عمرها الباقي...

هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه هي خدماته للبشرية التي تنعكس في القلوب والضمائر الحية. وتقول "الموسوعة البريطانية" في هذا الخصوص: "لقد جاء مصلحون كثيرون في تأريخ البشرية، كان من بينهم أنبياء استطاعوا إنجاز بعض النجاح، غير أننا لا نشاهد عند أيِّ أحد منهم النجاح الذي سجله محمد". (النور الخالد، ص:311-312).

رشحة

الثمار الناتجة من جهود جميع الأنبياء والفلاسفة وكبار رجال العلم والدولة والسياسة وصل إلى مثلها الرسول r في مدى ثلاثة وعشرين عامًا فقط..

رغم جميع التقدم التقني والعلمي الحاصل منذ أربعة عشر قرنًا فإنَّ البشرية لم تستطع سوى إنجاز نفس النسبة التي استطاع الرسول r من إنجازها في حياته.

الحركية والفكر

لندرك قدر نبّينا صلى الله عليه وسلم، ولنناد أبدا: "السياحة يا رسول الله"؛ ولنكن أبدا فداه بكل ما أوتينا من قوة...

 

التفكُّر والتأمل

السبب في كون ساعة من التفكُّر والتأمُّل تعادل كذا سنة من العبادة، هو أنَّ الإنسان يستطيع في ساعة واحدة من التفكُّر الصحيح المثمر تغذية أسس إيمانه وتقويته، فتبرق في نفسه أنوار المعرفة وتومض في قلبه المحبة الإلهية، فيصل إلى الأشواق الروحية ويطير في أجوائها.

وهكذا فإنَّ أي إنسان يسلك هذا الطريق من التفكُّر يستطيع الوصول إلى مرتبة لا يصل إليها شخص آخر -محروم من هذا الأسلوب في التفكر- في ألف شهر، أي يحصل هذا المتفكر على مكاسب كبيرة. أمَّا من لم يستطع التوجه إلى ربه بهذا الشعور والفهم فإنه إن ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب مئة سنة لا يستطيع تسجيل خطوة واحدة إلى الأمام، ولا يعادل ما فعله ساعةَ تفكرٍ واحدة. ولكن هذا لا يعني أنَّ قيامه بالعبادة مئة سنة ذهب سدًى، فلن يُضيع الله أجر ركعة واحدة ولا سجدة واحدة: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) أي أنَّ كل شخص سيلاقي جزاء ما عمله. وعلى هذا الأساس فإنَّ هذا الشخص أدَّى وظيفة عبوديته وأسس نوعًا من العلاقة بينه وبين ربه، ولكنه لم يصل إلى المرتبة التي يتم التوصل إليها بالتفكر.

أجل! إن مثل هذا المستوى من التفكر قد يقابل مئة عام من العبادة. (أسئلة العصر المحيرة، ص:135).

رشحة

يستطيع الإنسان في ساعة واحدة من التفكُّر الصحيح المثمر تغذية أسس إيمانه وتقويته، فتبرق في نفسه أنوار المعرفة وتومض في قلبه المحبة الإلهية، فيصل إلى الأشواق الروحية ويطير في أجوائها.

الحركية والفكر

على الإنسان أن يتخذ لنفسه ساعة من تفكير في بحر اليوم.. وأن يقوّي العلاقة بينه وبين خالقه سبحانه.

عامل الزمن في صلح الحديبية

لقد توفر جو من الأمن وتم الخلاص من مشكلة قريش لمدة عشر سنوات. وكانت هذه الفترة مهمة جدًّا بالنسبة للمسلمين وضرورية لهم، إذ وجد الرسول r الفرصة مواتية لإرسال الكوادر التي ربّاها وهيّأها إلى مختلف الجهات، وكان هذا يعني ارتفاع صوت الإسلام في جميع أنحاء الجزيرة العربية.

أجل، لقد بدأ صوت القرآن يعلو في كل مكان، وبدأ الناس يهرعون ويستجيبون لنداء الإسلام. وهذه هي الفترة التي وصفها القرآن بقوله وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا. وعشر سنوات يعني تربية نسل جديد. ولم تكن قريش تدرك كيف أنها أعطت للمسلمين فرصة ثمينة، ولو أدركت ذلك لما اقتربت من مثل هذه المعاهدة. واستغل المسلمون هذه الفترة ليقطعوا شوطًا مهمًّا من الناحية النوعية والكمية. وكان الذين يلتحقون بالإسلام يزيدون القوة العسكرية الإسلامية ويزيدون الأمل لدى المسلمين، لذا فما أن حان الوقت المناسب وتوجه المسلمون لفتح مكة لم يكن أمام قريش سوى الاستسلام. (النور الخالد، ص:385).

رشحة

أجل، لقد بدأ صوت القرآن يعلو في كل مكان، وبدأ الناس يهرعون ويستجيبون لنداء الإسلام.

عشر سنوات يعني تربية نسل جديد.

الحركية والفكر

استغلال عامل الوقت في كلِّ الأعمال والمعاهدات، فهو أهمُّ معامل على الإطلاق.

خمائل اللانهاية المرفرفة في السماء

نعم، إنْ تأمّلَ الوجدانُ لحظةً واحدة في كتاب الوجود فأبْصَر، لشهد في كل مكانٍ النظامَ والانسجام فوّاحًا، وغنًى في الجمال والمعاني مدهشًا. ولا تمس الحاجة إلى تحسُّس شديد الرهافة، فالقلب المشحون بشيء من المشاعر يحسُّ كلَّ لون وصورة وصوت ونَفَس شعرًا ونغمًا متلوِّنًا بألوان اللانهاية، في الرعد المهيب كما في تغريد الطيور وزقزقة العصافير، وفي وجوه الأزهار الفاتنة كما في أضواء صفحة السماء الساحرة. ومَن يدري ما يشهده الذين يتقدَّمون خطوة إلى الأمام في فيزياء الوجود وكيميائه وحياتياته وفضائياته.

فكلُّ شيء يقول "النظام، الانسجام.." وكلُّ شيء ينادي بالمعاني الرحيبة في روح الوجود. كل الأشياء؛ من همهمات البحر إلى خوف ضربات القفار الموحشة على أوتار أحاسيسنا، ومن السكون الوقور للتلال إلى شواهق ذرى الجبال، ومن دويّ البحار الدائم إلى نعومة خمائل اللانهاية المرفرفة في أعماق السماء. (ونحن نقيم صرح الروح، ص:101).

رشحة

إنْ تأمّلَ الوجدانُ لحظةً واحدة في كتاب الوجود فأبْصَر، لشهد في كل مكانٍ النظامَ والانسجام فوّاحًا، وغنىً في الجمال والمعاني مدهشًا.

القلب المشحون بشيء من المشاعر يحسُّ كلَّ لون وصورة وصوت ونَفَس شعرًا ونغمًا متلوِّنًا بألوان اللانهاية.

كلُّ شيء يقول: النظام... الانسجام... وكلُّ شيء ينادي بالمعاني الرحيبة في روح الوجود.

الحركية والفكر

لنعمل على إحياء عبادة "التأمل، والتفكر، والتدبر..." في كتاب الكون؛ ولنسقط ذلك على ما نتلو من كتاب الله العزيز.

رهافة الحسِّ سموّ وسموق، فلنجتهد في شحذ حسِّنا بألوان اللانهاية.

ثمة نظر في الكون بليد، وثمة نظر حكيم، وذلك حسب إسناد الإمور إلى أسبابها الحقيقة، ولذا فالإلحاد ظلم وجحود.

انزل أيها الخطاب الأزلي

انزل أيها الخطاب الأزلي.. انزل وكأنك نازل من العرش.. انزل كي تستفيق القلوب وتتفتح عيونها على العالم الأحمدي النوراني مرة أخرى. أيها النور الذي تجلّيت في قلب فخر الكائنات صلى الله عليه و سلم أيها الكتاب الذي كنت مرآة لوجهه الحقيقي الذي تخجل منه الشمس، اهتف بأرجاء الأرض.. اهتف لكي يتردَّد صوتك في الخافقين.. ولكي تمتلئ السماوات بأنفاسك... اهتف لكي يصمت الخطباء المزيفون، ولكي تخرس الألسن الزائفة.

مرت أعوام طوال عجاف والإنسانية تستمع إلى أوهام وضلالات حتى لم تعد تفهم الحقيقة ولا تدرك الصواب. ولطول سيرها في الظلام أصبحت خليلة للخفافيش وعقدت صداقة معها. فمتى تحل عقال لسانك لتسمع أرواحنا الشلالات الهادرة بجواهر كلامك... دع أنوارك تنهمر على دنيانا لتتخلص الإنسانية من الظلام الذي تعيش فيه منذ قرون وعصور. انفخْ في صورك -كنفْخ إسرافيل عليه السلام في الصور- واملأ أرجاء الدنيا بهدير صوتك... افعل هذا لكي يستيقظ الغافلون من نومهم، ويرجع أصحاب الأرواح الأنانية إلى صوابهم، ولكي يرتعب الذين تعودوا على الترف وعلى الكسل، ولكي تنفض الأرواح الخبيثة التي تسللت إلى كل مكان، واحتلت كل موضع. (ترانيم روح وأشجان قلب، ص:56).

رشحة

انْزل أيها الخطاب الأزلي.. انزل وكأنك نازل من العرش..

أيها الخطاب الأزلي.. اهتف لكي يصمت الخطباء..

الخطباء المزيفون، ولكي تخرس الألسن الزائفة.

الحركية والفكر

ليكن ديدننا على الدوام:

الكف عن الاستماع إلى الأوهام والضلالات،

فهم الحقيقة،

إدراك الصواب.

Pin It
  • تم الإنشاء في
جميع الحقوق محفوظة موقع فتح الله كولن © 2024.
fgulen.com، هو الموقع الرسمي للأستاذ فتح الله كولن.